محاولة لاستكشاف عالم المشاتل في سوريا

ليلى جروج

في خانة البحث عبر منصة فيسبوك عند كتابة مشاتل سوريا ستظهر لك عشرات النتائج ما بين صفحات ومجموعات، منها لتبادل الخبرات الزراعية وتقديم النصائح حول أوقات الزراعة المناسبة، ومنها ما يطرح مشكلة زراعية يتباحث الناس بطريقة حلها، وبعض الصفحات والمجموعات تخصّ مشاتل بعينها في مختلف المحافظات السورية، من درعا إلى إدلب مروراً بحماة وحمص والساحل السوريّ.

نايا التي عادت من أربيل قبل عامين، تحاول إعادة تشكيل حديقتها الصغيرة في إحدى زوايا شرفتها، “خسرت حديقتي السابقة بعد قرار السفر، كنت أملك تشكيلة كبيرة من الزهور، لكن أرسلتها إلى منزل أختي”.

تحمل المشاتل أهمية كبيرة بالنسبة لها ويعود ذلك إلى جودة الأنواع التي تشتريها، ” النبتة التي أشتريها من المشتل بالتأكيد ستعيش وتنبت، أما الشتل الذي أنقله من منزل أحدهم فغالباً ما يموت”، توضح نايا التي تعتمد في تشكيل حديقتها على الحالتين، الشراء والشتل المنزلي، فبعض الأنواع تحاول أن تجرّبها أولاً، خاصةً النباتات غالية الثمن والتي لا تملك خبرة سابقة في التعامل معها.

شرفة منزل نايا

على أرض الواقع يتطلّب امتلاك مشتل زراعي عناية خاصة تعتمد على نوع المشتل. بحسب المهندس الزراعي منهل البحري، صاحب مشتل خاص متنوّع، الذي يعزي تنوّع مشتله إلى وجوده في الريف، أما المشاتل في مراكز المدن فتمتلك مساحة عالية للتخصص، بسبب السوق التي تخدم العمل.

تأتي أهمية المشاتل من تأمين حاجة جميع الناس من المتطلبات الزراعية دون التوجّه إلى مراكز المدن، بالإضافة إلى العمل الحدائقي الذي يشكّل ركناً هامّاً لها. يضيف البحري: “المشاتل فائقة الاختصاص تتوجه إلى النباتات الداخلية، كنبتة قلب عبد الوهاب المعلّقة مثلاً، كما تنتشر المشاتل الحراجية، ومشاتل الأشجار المثمرة، وغيرها”.

“إذا كان المشتل إنتاجياً فيحتاج إلى وجود تربة صالحة للزراعة، وبيوت بلاستيكية، وأنابيب ري، بالإضافة إلى مصدر مياه جيّد، بينما المشاتل التي تعتمد على استقدام الأنواع النباتية فلا تحتاج إلى نظام ري معقّد”، يوضّح البحري.

المهندس الزراعي وائل عزوز، الذي يختصّ مشتله بتنسيق الحدائق بالدرجة الأولى، إلى جانب بيع بعض الأنواع النباتية المحددة، يقول: “نستقدم بضاعة لعملنا في التنسيق ولا ننتج الأنواع”. الإنتاج يتطلّب يدّ عاملة، عدا عن المورد المائي والأرض، يقول: “في حماة أو ريفها يعتمد الناس على أراضيهم، ويسقون من مياه العاصي، ويكون المشتل جزءاً من المنزل، والعمّال هم أبناء العائلة”.

تؤدي هذه المعادلة إلى نجاح عملية الإنتاج بشكل كبير، أما عندما تُفقد هذه العناصر يصبح الإنتاج عبئاً على صاحب المشتل وعلى الزبون، وعن تجربته في هذا المجال يقول: “خلال محاولة إنتاج البيتونيا سابقاً كانت تصلني بسعر ليرتين ونصف، وعندما أنتجتها كلفت 8 ليرات، والسبب هو أجور المياه واليد العاملة”.

على الرغم من توافر مشاتل متخصصة إلا أن النباتات لا تتوافر في كل أوقات العام، يقول البحري: “الحوليات تُزرع من الشهر الثاني وحتى بداية أيّار، المثمرة في بداية العاشر، كما أن تربية أيّ نوع لها موعد خاص”. في هذه الأيّام فُقدت بعض الأنواع بسبب انفتاح الأسواق الكبير بين المناطق والمحافظات السورية، عدا عن ارتفاع سعرها، “الخبّيزة الألمانية هذا العام سعرها تسعة آلاف للنبتة الواحد، أما في العام الماضي كانت بخمسة آلاف”.

يشير منهل البحري إلى مجموعة من العرائش في المشتل، ويشرح بأنها من نوع إصبع العروس، يقول: “في السند والهند لن نجد عريش عاصمي، وهو العنب الأحمر المدوّر”.

أدّت الحرب إلى انقطاع بعض الأنواع من المشاتل، فكانت إدلب مصدراً للوزيات والمانغا، وعند التمكّن في تأمينها كانت تصل بسعر 20 ألف ليرة، يقول البحري: “اليوم سعرها 50 ألف، وحتى في إدلب فُقدت، بسبب الطلب عليها في أسواق حلب الشمالية والرقة والحسكة”، ويرى أن المشاتل بقيت على نسبة الإنتاج ذاتها، دون الأخذ بعين الاعتبار ازدياد رقعة الاستهلاك.

أحد المشاتل في حماة لا يبعد عن مكان عمل نايا، والتي لاحظت بعد تكرّر زيارتها إليه أن الأنواع التي تتوفّر فيه متنوّعة مختلفة عن الأرياف: “نباتات الزينة والنباتات المنزلية محدودة في الأرياف مقارنة بأصغر المشاتل في المدن”. 

“تأثرت النباتات الحولية خلال فترة الحرب لأن مصدرها ريف إدلب” يقول وائل عزوز الذي يذكر أنه في الماضي اعتاد على إحضارها بنفسه، أما خلال الحرب فارتفاع سعرها يعود إلى ارتفاع أجور النقل وصعوبة إيصالها من منطقة إلى أخرى خاصة مع اختلاف القوى المسيطرة في كل منطقة، كما يذكر أن زهر البتونيا وياسمين البحر من النباتات التي انقطعت خلال الحرب، ويضيف: “كما لعبت الحواجز المنتشرة في البلاد دوراً في ارتفاع أسعار النباتات”.

تتأثر النباتات بالعوامل الجوية والعواصف والأمطار واختلاف درجات الحرارة، يشير عزوز إلى بيت بلاستيكيّ في مشتله، ويقول: “نحميها بالتغطية التي تختلف بين الفصول، في الشتاء نايلون وفي الصيف غربول يحدّ من قوة الشمس”، ويضيف أن هذه الإجراءات لا تحدّ دائماً من الخسائر والتأثير على النباتات.

تتأثر النباتات أيضاً بالجفاف، يقول البحري: “لا نقصد بالجفاف قلّة الرطوبة الأرضية فقط، بل قلّة الرطوبة الجوية التي أثّرت على الأنواع النباتية القادمة من الساحل”.

تُعدّ “تقسية النباتات” أحد الطرق التي يتم اعتمادها لتقليل كمية الفقد، والتقسية بحسب عزوز هي استحضار النباتات من بيئة مختلفة وتربيتها في البيئة الجديدة لتتلاءم مع الظروف الجوية الجديدة.

كما تتعرّض المشاتل لأمراض مثل أي أرض زراعيّة، “أحياناً تصاب جذور النباتات بفطريات غير ظاهرة على السطح، وتتطلب متابعة دائمة، وتحتاج إلى وقاية وتنظيم للري، وانتباه إلى تصريف المياه” يضيف عزوز. 

بدوره يرى البحري أن تحديد الآفات بشكل مبكّر بالتأكيد يسهم في إنقاذ النباتات، لكن بالدرجة الأولى يحتاج الإنسان إلى أن يحبّ هذا العمل حتى يبرع به، ويضمن استمراريته، مع وجود عامل ذاتي يسعى دائماً للأفضل”، ويضيف أن معظم المشاتل تتوارث كمهن شائعة في المدن، وأن المسؤولين عنها ليسوا خبراء، لكن اجتماع الخبرة مع الشهادة العلمية وصقلهما بحبّ هذا العمل سينقله إلى بعد مختلف تماماً.

مع بداية الربيع هذا العام، تتابع نايا مواعيد زراعة النباتات، وتسعى إلى إعادة تشكيل الورد على شرفتها من جديد. تلجأ هذه الأيّام إلى استخدام النباتات الهجينة على الرغم من صلاحية النباتات البلدية وطول أمدها، تقول: “النباتات الهجينة تعطي مظهراً جمالياً سريعاً، وأنا أحبّ هذا الأمر، على الرغم من أن جذور النباتات البلدية تبقى ضاربة داخل التربة وتعيش من موسم إلى آخر”.

Scroll to Top