رؤى النايف
تتحوّل مياه الشرب في مدينة القامشلي وعموم القرى المحيطة بها من مصدر للحياة إلى هاجس يومي يؤرّق الأهالي، حيث تلازم الروائح الكريهة وتغيّرات اللون والطعم شبكات الضخّ المتهالكة، ما يجعل استخدامها في الشرب أو الطهي مغامرة قد ثؤثّر بشكل مباشر على الصحة.
أمام هذا الواقع المتردّي، يجد السكان أنفسهم محاصرين بين خيارين أحلاها مرّ؛ فإما الرضوخ للأعباء المادية المرهقة لشراء المياه المعبّأة والتي تستنزف الدخل المحدود، أو اللجوء لتركيب الفلاتر المنزلية التي سرعان ما تتلف نتيجة حجم التلوّث المرتفع، ما يجعل هذه الحلول مجرّد مسكّنات مؤقّتة تزيد من الأعباء الاقتصادية والبيئية نتيجة تراكم النفايات البلاستيكية.
اتّساع رقعة هذه الأزمة لتشمل المدينة والريف على حدّ سواء يضع المنطقة أمام خطر صحي مستدام، حيث تغيب الحلول الجذريّة لمشاكل البنية التحتية، ويبقى المواطن وحيداً في مواجهة تلوّث يهدد سلامة عائلته واستقراره المعيشي.
مياه غير آمنة
يقول أحمد، وهو ربّ أسرة من الحي الغربي في مدينة القامشلي: “المياه في شبكتنا لم تعد صالحة للشرب. نشتري مياه الصهاريج للشرب فقط، ونستخدم مياه الشبكة للغسيل والتنظيف.. لكننا لا نعرف مصدر هذه المياه أو مدى نظافتها، وندفع كل شهر مبالغ إضافية فقط لنحصل على ماء نظيف لأطفالنا.. هو حلّ مؤقت، لكنّه الوحيد المتاح”.
كذلك الأمر بالنسبة لأم محمد (ربّة منزل)، التي تروي تجربتها اليومية لمجلة لحلاح: “نشتري المياه المعدنية للأطفال، رغم ارتفاع أسعارها.. بعد الاستخدام تتكدّس عبوات بلاستيكية في المنزل والشوارع المحيطة، ولا نعرف كيف نتخلّص منها”. هو بالتأكيد حلّ صحي لعائلتها، لكنّه يترك أثراً بيئياً واضحاً، كما تشير أم محمد إلى أن هذا الواقع يضاعف الضغط المالي على الأسرة، ويجعلهم يعيشون بين القلق على الصحّة والخوف من التلوّث.

فلاتر المياه المنزلية لا تحلّ المشكلة
في محاولة يائسة للتأقلم، يلجأ بعض سكان مدينة القامشلي وريفها إلى تركيب فلاتر منزلية كخيار تقني لتقليل الملوّثات الظاهرة وتحسين طعم المياه ورائحتها، إلا أن هذه الوسيلة تظلّ قاصرة عن توفير حماية حقيقية؛ فهي غالباً ما تعجز عن إزالة الجراثيم الدقيقة أو الملوّثات الكيميائية المعقّدة والضارّة.
الأخطر من ذلك أن هذه الفلاتر قد تتحوّل بفعل الإهمال أو العجز عن صيانتها وتغيير “شمعاتها” بشكل منتظم نتيجة التكاليف المرتفعة إلى بؤر تلوّث إضافية ومصدر لتراكم البكتيريا داخل الأنابيب المنزلية.
هذا يجعل من الفلاتر حلاً هشّاً ومؤقّتاً، لا يمنح الأمان الصحي المنشود، بل يضيف طبقة جديدة من القلق والمصاريف على كاهل الأهالي الذين يجدون أنفسهم في دوّامة بحث لا تنتهي عن كوب ماء نظيف.

المشكلة بنيوية والحلول الفردية محدودة
يضع المهندس سهيل الأحمد، المتخصص في الهندسة المائية والمنشآت الهيدروليكية والذي يعمل في إحدى المؤسسات الخدمية بمدينة القامشلي، يده على الجرح التقني للأزمة، مؤكّداً أن تلوّث مياه الشرب ليس مجرّد عارض عابر، بل هو نتيجة طبيعية لترهّل البنية التحتية المتمثّلة في شبكات قديمة متهالكة تجاوزت عمرها الافتراضي، ما أدّى إلى حدوث كسور وتصدّعات غير مرئيّة تسمح بتسرّب مياه الصرف الصحي واختلاطها بمصادر المياه الجوفيّة المغذّية للمدينة وريفها.
يرى الأحمد أن غياب منظومات التعقيم المركزية الحديثة وضعف الرقابة المخبرية الدورية فاقم من خطورة الموقف، مشدّداً على أن الحلول الفردية التي يلجأ إليها الأهالي، من شراء للمياه المعبّأة أو تركيب الفلاتر المنزلية، ما هي إلا “هروب مؤقت” لا يعالج أصل الداء، بل ينقل العبء المادي والتقني من المؤسسات المسؤولة إلى كاهل المواطن المُستنزَف اقتصادياً.
الحلّ الحقيقي والمستدام، وفقاً للأحمد، لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال استراتيجية هندسية متكاملة تبدأ بصيانة شاملة للشبكات المتضرّرة، وفرض حماية صارمة على مصادر المياه لمنع اختلاطها بالملوّثات، مع ضرورة اعتماد نهج الشفافية الكاملة عبر نشر نتائج الفحوصات الجرثومية والكيميائية للعلن، وتفعيل حملات توعية مكثّفة لترشيد الاستهلاك وتقليل الاعتماد على البلاستيك، حمايةً للصحة العامّة والبيئة المحلية من استنزاف طويل الأمد.

بين الحاجة إلى ماء آمن لكلّ أسرة والخوف من تأثير النفايات البلاستيكية والفلاتر المهملة على البيئة، يعيش سكان القامشلي أزمة يومية مع مياه الشرب، فالحلول الفردية تبقى مؤقّتة ومكلفة، بينما تتراكم المخاطر الصحية والبيئية مع مرور الوقت. ويجمع الخبراء والمختصون على أن الحلّ يكمن في معالجة بنية المياه الأساسية كشبكات آمنة، وحماية مصادر المياه، وتعقيم دائم، مع نشر الوعي البيئي بين السكان، لضمان حصول كلّ أسرة على مياه نظيفة وآمنة دون الإضرار بالبيئة المحيطة.



