الأرض تقترب من “الخط الأحمر”

ليدا زيدان

قبل نحو أسبوعين، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن عام 2025 كان من بين أحر ثلاثة أعوام في التاريخ المسجل للطقس والمناخ، متأثراً بشكل مستمر بظاهرة الاحترار العالمي التي يقودها النشاط البشري.

وفق البيانات الصادرة عن المراكز العلمية العالمية، مثل خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ وبيانات Berkeley Earth، فإن درجات الحرارة العالمية في 2025 ارتفعت بنحو 1.44 °C إلى 1.48 °C فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وهو ما يجعل 2025 ثالث أحر عام منذ بدء تسجيل البيانات في منتصف القرن التاسع عشر، خلف 2024 و2023.

كما أكدت هذه البيانات أن متوسط درجات الحرارة على مدى السنوات الثلاث 2023–2025 تجاوز 1.5 °C فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو رقم لم يتحقق من قبل بهذا الشكل المتواصل.

تشير تحليلات مناخية حديثة إلى أن عام 2025 شهد فترة غير مسبوقة من الأيام التي تجاوزت فيها درجات الحرارة العالمية مستوى 1.5 °C مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع تقديرات تقارب 151 يوماً من هذا النوع من الحرارة المرتفعة.

تجاوز هذا المستوى الحراري ليس مجرد رقم، فهو يعني تعرّض النظام المناخي العالمي لضغوط قد تكون دائمة، فارتفاع الحرارة المفاجئ بهذا الشكل يشير إلى أن الاحترار يتجاوز القدرة الطبيعية للأنظمة البيئية على التكيّف أو التخفيف.

كان هدف اتفاق باريس للمناخ (2015) هو الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية أقل من 1.5 °C فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية إن أمكن، أو ما لا يزيد كثيراً عن ذلك، وأهميّة هذا الرقم تكمن في أنه يمثّل حدّاً يفصل بين التغيّرات المناخية “الخطيرة نسبياً” والتأثيرات الكارثية الشاملة على البشر والنظم البيئية.

عند هذا الحد ترتفع مخاطر موجات الحرّ الشديدة التي تقتل الناس مباشرة بسبب الإجهاد الحراري، وتتعرّض نظم الزراعة للمزيد من الإجهاد البيئي ما يحدّ من الإنتاج الغذائي، تُفقد الموائل الطبيعية بسرعة، بما في ذلك الشعاب المرجانية والأنهار الجليدية، وترتفع مخاطر الجفاف الشديد والفيضانات المفاجئة، ما ينذر بتهديد أكبر للأمن المائي والغذائي.

مع ارتفاع الحرارة، بدأت موجات الحرّ المتطرفة في التأثير على حياة الملايين، فمع ارتفاع درجات الحرارة على نطاق عالمي تتعرّض المناطق الحضرية لضغوط على شبكات الكهرباء والمياه، ما يجعل الحياة اليومية أصعب في أماكن كثيرة حول العالم، كما أنّ درجات الحرارة القياسية تزيد من معدل الوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري، خاصة بين الفئات الضعيفة مثل الأطفال وكبار السن.

الزراعة تعتمد بدورها بشكل حاسم على أنماط الطقس المستقرة. مع التغيّرات المناخية، تتأثر إنتاجية المحاصيل (مثل القمح والأرز) بسبب ارتفاع الحرارة والجفاف المتكرّر. وفي مناطق أخرى، يؤدي ارتفاع الحرارة إلى تبخّر المياه السطحية، ما يزيد من الضغط على شبكات الري ومصادر مياه الشرب.

الارتفاع المستمر في الحرارة يتسبّب أيضاً في وضع ضغط هائل على المدن من خلال شبكات نقل ومعالجة المياه والأحمال الكهربائية الأعلى بسبب استخدام التبريد، كذلك فإن البنى التحتية غير المصممة لتحمّل الحرارة الشديدة تتعرّض للتصدّع والانهيار، ما يسهم بدوره في الهجرة القسرية وتفاقم التفاوت الاجتماعي، إذ أنه مع تراجع الموارد الأساسية، تلجأ المجتمعات الأضعف إلى الهجرة القسرية بحثاً عن ظروف معيشية أفضل، وترتفع أعداد النازحين بسبب الجفاف، ويتفاقم الفقر في المناطق الريفية ما يزيد من الضغط على المدن المكتظة.

على الرغم من هذه الأرقام المخيفة، تشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الحد من الاحترار دون 2 °C ما يزال ممكناً مع التزامات قوية على الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة وتحوّل سريع إلى الطاقة النظيفة.

لكن البيانات الأخيرة تشير إلى أننا نقترب بسرعة من تجاوز 1.5 °C بشكل دائم وليس فقط كأحداث عابرة في سنة معينة، بل كجزء من متوسط طويل الأجل. إن تجاوز هذا الحد قد يؤدي إلى تسارع في تأثيرات الاحتباس الحراري غير الخطية، ما يجعل الأضرار المستقبلية أشد وأكثر استمرارية.

عام 2025 لم يكن مجرّد رقم في سجل درجات الحرارة، بل علامة تحذير بأن الأرض شهدت حرارة غير مسبوقة في العصر الحديث، وأننا نقترب بسرعة من عتبات مناخية خطيرة قد تكون لها عواقب طويلة الأمد على حياة البشر والنظم البيئية. لذلك، تحقيق أهداف اتفاق باريس يتطلب تحرّكاً عالمياً عاجلًا وإجراءات فعّالة لمكافحة تغيّر المناخ قبل أن نتجاوز هذه العتبة بشكل دائم.

Scroll to Top