سلطان الحلبي – منصة تحقق (أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة).
في صورة تعود لعام 1938 ومحفوظة في مكتبة الكونغرس الأمريكي، كانت سفوح جبل العرب جنوبي السويداء تغطيها غابة سنديان كثيفة. اليوم، بعد أقل من قرن، أصبح التقاط الصورة نفسها من الزاوية نفسها مستحيلاً. الغابة التي كانت تملأ المشهد اختفت بالكامل، وما تبقى هو الأرض العارية، صورة تحكي ما لم يعد بالإمكان تصويره.

عام 2012، بعد أن قلّص نظام الأسد مخصصات الوقود في السويداء، ظهر أثر ذلك سريعاً على التدفئة في المحافظة، فبدأت الأشجار تختفي تدريجياً من الأحراج. في البداية، كان القطع متفرقاً، شجرة هنا وأخرى هناك، نتيجة صعوبة تأمين المازوت. من بعيد، بدا الغطاء الغابي باقٍ، لكنه فقد حضورَه شيئاً فشيئاً.

عام 2020، صدر قانون عقوبات قيصر على سوريا، واشتدت أزمة الوقود. ازداد الاعتماد على الحطب للتدفئة، وظهرت عصابات منظمة تفتك بالغطاء الحراجي للسويداء. في يوم واحد فقط، قُطعت مئات الأشجار حول محيط سدّ الروم، في وضح النهار، في موقع يُفترض أنه محمي بسبب وظيفته المائية.

لم يقتصر القطع على الأحراج فحسب، بل امتد إلى الأراضي الزراعية وأشجارها المثمرة، حتى أصبح أصحاب البيوت كأنهم متجمدون داخل منازلهم يحرسون أشجارهم من الاقتلاع. في بيت حجري قديم داخل الجبل، يعيش أبو عمر، الستيني، محاولاً حماية ما تبقى من أشجاره.
يقول أبو عمر: “أجد الحياة هنا، بين هذه الأشجار”، لكنه يقرّ بأنه لا يستطيع المغادرة إلى المدينة خوفًا من أن يعود فلا يجد ما أحاط به مكانه طوال الوقت.

مع التحطيب الجائر للأشجار المثمرة، برزت مهنة حراسة البساتين بشكل واضح، إذ بات مالكو الأراضي المتجاورة يوظفون حراساً لحماية أشجارهم.
في أحد بساتين التفاح داخل الجبل، يعيش أبو حسن معظم أيامه داخل البستان، لا كمزارع فقط، بل كحارس لكل شجرة فيه. يقول: “أصرخ، أتشاجر، أهدد أحياناً… لكن لا أستطيع فعل أكثر من ذلك في ظل غياب القانون”.
فقدان الغابة أثر أيضاً على الزراعة، إذ الحشرات التي كانت تتحملها الأشجار البرية بدأت تهاجم مباشرة التفاح، مخلفة آثارها على كل زهرة وثمرة.
خلال العقد الأخير، فقدت محافظة السويداء نحو 90% من مساحتها الحراجية. الكوادر الحراجية قليلة، وأي محاولة للحماية تُقابل بإطلاق نار، ما جعل المجتمع المحلي عاجزاً عن المواجهة. بحسب المهندس الزراعي نضال أبو عسلي، غياب الحماية والردع لم يؤثر على الغطاء الأخضر فقط، بل أطلق سلسلة من النتائج الكارثية: انخفاض الهطول المطري، اختلال التوازن المناخي المحلي، وزيادة تعرض الأراضي للتدهور البيئي، ما يضع المحافظة على حافة أزمة مستمرة لن تتوقف آثارها في السنوات المقبلة.

في الأشهر الأخيرة، لم تعد بعض المجموعات تكتفي بقطع الأشجار، بل بدأت باقتلاع جذورها أيضًا بغرض البيع. الحفر العميقة التي خلّفتها هذه العمليات ألغت أي إمكانية للتجدّد الطبيعي، ما يحرم الغابة من فرصتها في الاستعادة.
هذه الصورة الأخيرة تترك المشهد خاوٍ، شاهدة على نهاية حقبة الغابة، وتحمل تحذيرًا صامتًا لما يمكن أن تؤول إليه الأرض إذا استمر الاقتلاع والتحطيب الجائر.



