إعداد: فريق لحلاح
يصادف السادس والعشرين من كانون الأول اليوم الدولي للطاقة النظيفة، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه مصادر الطاقة المتجددة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ومكافحة تغيّر المناخ وتمكين المجتمعات من وصول مستدام للطاقة.
تكتسب هذه المناسبة في عامها الرابع بعداً خاصاً في ظل تزايد الضغوط البيئية والاقتصادية التي تواجهها البشرية، والتحديات الكبيرة التي يطرحها الانتقال من الوقود الأحفوري إلى طاقة نظيفة وأكثر عدالة وشمولاً في كل أنحاء العالم.
رؤية الأمم المتحدة
في رسالة رسمية بمناسبة اليوم الدولي للطاقة النظيفة، أكد أمين عام الأمم المتحدة أن العالم قد قطع خطوات مهمة في اتجاه تعزيز استخدام الطاقة النظيفة، إلا أن وتيرة التقدم لا تزال غير كافية لتحقيق الأهداف المناخية المنشودة، مُحذِّراً من أن العالم قد يشهد تجاوزاً مؤقّتاً لحدّ 1.5 درجة مئوية من ارتفاع حرارة الكوكب إذا لم تُسرَّع الجهود. كما دعا “أحبَّاء الطاقة النظيفة” إلى تسريع الانتقال من الوقود الأحفوري، وتوسيع نطاق استخدام مصادر الطاقة المتجددة لتعزيز النمو الاقتصادي وحماية البيئة وتوفير فرص عمل جديدة.
تُشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الطاقة النظيفة أصبحت أرخص من الوقود الأحفوري في أكثر من 90% من المشروعات الجديدة للطاقة، إلا أن أكثر من 666 مليون شخص لا يزالون يعيشون بدون كهرباء، بينما يعتمد نحو 2.1 مليار شخص على وقود ملوّث في الطهي، ما يعرّضهم لمخاطر صحية جسيمة. وهذا ما يستدعي تعبئة استثمارات أكبر وتقوية الشراكات الدولية لتجاوز الفوارق في الوصول للطاقة النظيفة، خصوصاً في القارة الأفريقية حيث لا تزال التمويلات منخفضة جداً مقارنة بالاحتياجات.
مبادرات عالمية
أنشطة المنظمات الدولية في هذا اليوم يمكن أن تعكس روح التعاون الدولي المطلوب. في فيينا، أطلقت منظمة (Sustainable Energy for All) حملة عالمية بعنوان “24 ساعة من أجل الطاقة النظيفة” تشمل سلسلة من الفعاليات المادية والرقمية في إفريقيا وأوروبا، وتسلط الضوء على جوانب حيوية مثل الطهي النظيف وتمويل وصول الكهرباء للمجتمعات التي لا تزال بلا خدمات طاقة موثوقة، وتدعو الحملة الأفراد والمؤسسات إلى الانخراط في الحوار العالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمساهمة في دفع أجندة الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG7) نحو التحقيق الكامل.
كما ركزت وكالات عدة على السياسات والتكنولوجيا، إذ دعت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا (UNECE) إلى تعزيز السياسات الداعمة للأنظمة الأساسية للطاقة النظيفة، مشيرةً إلى أن الانتقال للطاقة النظيفة لا يتعلق فقط بتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، بل يتطلب أيضًا تحديث الشبكات والبنى التحتية والتخطيط طويل الأمد للتأكد من وصول الكهرباء النظيفة بشكل واسع.
من جانب آخر، أظهرت التقارير الأوروبية التزامًا متنامياً بالطاقة النظيفة، حيث أعلنت دول الاتحاد الأوروبي، في إطار قمة عقدت مؤخراً على شواطئ بحر الشمال، عن تعهّد بتطوير 100 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية بحلول عام 2040، وذلك عبر تعاون عابر للحدود يضم بريطانيا وألمانيا والدنمارك وفرنسا وغيرها من الدول. ويُنظر إلى هذه المبادرة كجزء من استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز الأمن الطاقي الأوروبي.
على صعيد الحكومات الوطنية، أكد رئيس باكستان، آصف علي زرداري، أن بلاده ستُسهم بقوة في الجهود الدولية لمكافحة تغيّر المناخ وتعزيز طاقة نظيفة ومنصفة، مع التأكيد على أن التحوّل الطاقي يعد جزءاً لا يتجزّأ من استراتيجيات التنمية المستقبلية. وجاء ذلك في تصريحات رسمية نشرها الإعلام الحكومي مع احتفال الدولة باليوم الدولي للطاقة النظيفة، مشيراً إلى أن باكستان، رغم التحديات الاقتصادية والمناخية، ملتزمة بالمساهمة في الجهود العالمية للتخفيف من آثار التغيّر المناخي.
في الإمارات العربية المتحدة، أكدت الدولة استمرارها في دعم الجهود الدولية في هذا المجال، مُستفيدة من موقعها كمقر لوكالات مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، حيث أشارت التقارير الرسمية إلى أن مشاريع الطاقة النظيفة المتنوّعة التي تنفّذها الإمارات تُظهر دورها القيادي في تسريع التحوّل الطاقي. وتشمل هذه المبادرات شراكات استثمارية وحلول تمويلية تستهدف دعم المجتمعات الضعيفة من حيث المناخ والطاقة.
كما كشفت هيئة كهرباء ومياه دبي (DEWA) عن مشاريع جديدة تبرز ريادة الإمارة في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة، وهو ما يجسد التزام القطاعين العام والخاص في الدولة بترسيخ التحول نحو أنظمة طاقة أقل انبعاثًا وأكثر كفاءة.
داخل بعض الدول، انخرطت المؤسسات التعليمية والبحثية في أنشطة تواكب هذه المناسبة، فقد أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي في مصر عن دعم شامل للبحث العلمي والابتكار في مجال الطاقة النظيفة، باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز قدرات الدولة على المساهمة في التحوّل الوطني والإقليمي نحو طاقة أكثر استدامة. وشدد الوزير على دور الجامعات ومراكز البحث في تطوير تكنولوجيات حديثة تدعم استخدام مصادر الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات.
طاقة نظيفة للجميع
تؤكّد كلّ هذه التحرّكات أنّ الطاقة النظيفة لم تعد رفاهية بل ضرورة ملحّة لمواجهة تحديّات القرن الواحد والعشرين، إذ أنّ الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة لا يقلّ أهمية عن توفير الأمن الغذائي أو الصحة العامة، بل يتداخل معهما بشكل مباشر، لأنّه يساهم في خفض التلوّث، وتعزيز النمو الاقتصادي، وحماية الفئات الضعيفة التي تعاني من انعدام الكهرباء أو تعتمد على مصادر طاقة ضارّة بالصحّة.
يُعدّ اليوم الدولي للطاقة النظيفة منصة عالمية لتبادل الخبرات، وتشجيع الاستثمار، وتوجيه السياسات نحو مستقبل يضمن الطاقة للجميع وبطرق شفافة وعادلة، بما يدعم أهداف اتفاق باريس للمناخ وأجندة 2030 للتنمية المستدامة.
لكن، التحدي الأكبر في هذا السياق يبقى متمثلاً في تجاوز الخطابات إلى تنفيذ فعليّ على الأرض من خلال تحديث الشبكات، وتعزيز التخزين الذكي للطاقة، ودعم المشاريع الريادية، وفتح أسواق جديدة للاستثمارات النظيفة، أي أنّ الاحتفال بالطاقة النظيفة يجب أن يقترن بالتزام واضح بتحقيق نتائج ملموسة من شأنها أن تسهم في تحسين الحياة والحفاظ عليها.



