الأمطار الغزيرة تجرف التربة في مناطق الحرائق

ليدا زيدان 

شهدت مناطق متفرقة من سوريا هطولات مطرية غزيرة خلال الأيام الماضية، لكن ذلك تسبّب في انجراف أتربة الغابات المحروقة وبعض المناطق التي فقدت غطاءها النباتي، ما يثير مخاوف كبيرة نظراً للعدد الكبير من الحرائق التي اندلعت خلال العام الفائت، والتي التهمت مساحات واسعة من الغطاء النباتي.

علمياً يمكن تحديد شدّة انجراف التربة من خلال دراسة معدّل الجريان في الأجزاء المحروقة من الأراضي والغابات مقارنة مع الأراضي غير المحروقة، بالإضافة لدراسة معدّل انجراف التربة، خاصة عند زيادة معدّل الهطولات المطرية، ومن المعروف أنّ الغطاء النباتي يلعب دوراً محورياً في حماية التربة من الانجراف، وفقدانه يسبّب كثيراً من الخسائر البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

عادةً ما تتسبّب الحرائق بزوال الغطاء النباتي والطبقة السطحية الغنية بالمواد الغذائية من التربة، وهو ما يُعتبر أحد أخطر المشكلات البيئية، إذ يمتدّ تأثيرها ليصل إلى تغيير هيدرولوجية التربة وانجرافها، كما تؤدي لانخفاض خصوبة التربة وزيادة احتمال تصحّرها، كما يؤدي تشكل الرماد الناتج عن الحرائق إلى زيادة حموضة التربة.

مدير عام شركة الأرض للتنمية المتطورة للموارد واستشاري إدارة الموارد الطبيعية، الدكتور موفق الشيخ علي، أوضح لمجلة لحلاح أن التربة هي عبارة عن فتات بحجوم مختلفة في الحجم والقطر ناتجة عن مصادر رئيسية هي الصخرة الأم مهما كان نوعها -بازلتية أو رسوبية أو غيرها، ويخلص إلى أنها حبيبات يجمعها مع بعضها “البنية الغروية للتربة وتقوم جذور النباتات بالالتصاق بها من ناحية كما تقوم النباتات بحمايتها من تخفيف تأثير الفوة الميكانيكية للهطول المطري  على سطح التربة”.

يعتبر الشيخ علي أن زوال التغطية الشجرية والشجيرية عن التربة يعني أنها أصبحت تحت التأثير المباشر للهطول المطري من جهة قوة الضغط الميكانيكي المفتت على سطح التربة، فيما تكون جذور النباتات، سواء الأشجار أم الشجيريات أو حتى الأعشاب، هي العامل الوحيد الذي يبقى فاعلاً في منع التربة من الانجراف، ويبيّن أن النتائج المترتّبة على ذلك متعدّدة، فانجراف التربة يعني زوال الغطاء النباتي، وهذا يعني بالدرجة الأولى “تهديداً رئيسياً للتنوّع الحيوي النباتي والحيواني، حيث تشكّل التربة مع الغطاء النباتي موئلاً لعدد كبير جداً من الحيوانات من مستوى الحشرات والديدان إلى القوارض وبعض العاشبات كالأرانب وغيرها”.

كما تسبّب الحرائق على مستوى ثانٍ انكشاف الصخرة الأمّ ما يعرّضها إلى العوامل المناخية من حراراة ورطوبة مباشرة، وهو ما سيؤدي مع مرور الزمن إلى تكسّرها وربّما يصبح من السهل إزاحتها بعوامل المناخ وتحرّكها في عمليات انهيارات واسعة أو محدودة حسب الحالة، و”كلّ ذلك سيؤدي إلى فقدان المجتمع المحلي لأحد أهم عوامل الدخل، والمقصود هنا الزراعة والرعي وبالتالي فقدان شكل من أشكال الاستقرار الاجتماعي”، بحسب الشيخ علي.

بالإضافة لذلك قد يؤدّي فقدان الغطاء النباتي وانجراف التربة إلى حدوث فيضانات، ويتعلّق ذلك بعدة عوامل، منها الغزارة المطرية ومستوى انحدار الأراضي إلى جانب نوعية التربة وطبيعة المنجرفات عن سطح الأرض والتربة، “بمعنى آخر حدوث انجراف للتربة سيجرف معه البقايا النباتية التي كانت تمسك تلك التربة إضافة إلى كل ما يمكن نقله معه عن سطح التربة، من أوساخ أو حجارة او غيرها، والتي ستشكّل بمجملها عوائق أمام استمرار جريان المياه”، ويؤكد الشيخ علي أن عاملي الغزارة والانحدار يعتبران عاملان أساسيان في تشكّل الفيضانات، ولكن تكرار حدوث جريانات سريعة سوف يؤدي إلى انكشاف الصخور وبالتالي “تنظيف” المجرى من العوائق، وهذا لا يعني توقّف إمكانية حدوث فيضان ولكن ربما نقل المشكلة إلى مسافة أبعد، أي “انسياب أسرع للمياه ولكن إلى نقطة أبعد وبالتالي نقل المشكلة مكانياً”.

يرتبط انجراف التربة بالشدّة المطرية والانحدار والغطاء النباتي، وبالتأكيد العامل الأساسي هو “التضاريس”, يضرب الشيخ علي سفوح جبال القلمون مثالاُ على ذلك: “تبدو جرداء بالكامل من الغطاء النباتي والتربة من قممها باتجاه السفوح، حيت انجرفت التربة تدريجياً تحت تأثير عاملي المطر والرياح”،  ويضيف لتسهيل المقاربة: “يمكننا مقارنة السفوح الغربية والشرقية الأقل انحداراً، وأقصد هنا لتسهيل الأمر بين يمين ويسار الأوتوستراد الصاعد بين دمشق وحمص، سنجد أن الغطاء النباتي والتربة حالتها أفضل على يمين الطريق من على يساره”.

هناك مناطق أكثر عرضة لانجراف التربة من غيرها، ويبدو ذلك واضحاً في سوريا، ولا سيما سفوح الجبال الساحلية المطلة على الغاب وجبال التركمان والأكراد في مناطق الساحل الشمالي، وكل  الجبال على الشريط الساحلي الممتد من صافيتا ووادي النصارى وصولا إلى الشيخ بدر والقدموس. وفقاً للشيخ علي فإن هذه المناطق تشكّل قرابة 85% من غابات سوريا التي تعرّضت وتتعرض للحرائق المتكررة والقطع الجائر إضافة إلى “سوء الإدارة بعد الحرائق لناحية طريقة التدخل ونوعية التعامل الخشن مع التربة” التي تكون قد فقدت الكثير من خصائصها الفيزيائية نتيجة الحريق، حيث يتم استخدام “آليات ثقيلة تحت عناوين إعادة تأهيل الغابات لتطحنها وتجعلها كالرماد المنثور عند هبوب الرياح”.

تؤدي تعرية الأرض من تربتها لتحويلها إلى أرض يباب صخرية تفقد خصوبتها وتصبح مرتعاً لهبوب الرياح، وتشير التقارير العلمية إلى أن تشكيل كل 1 سم من التربة قد يحتاج لمئات السنين من المؤثرات الجوية (حرارة – برودة – أمطار – عوامل حيوية)، وبالتالي فإن خسارة التربة هي الخسارة ربما الأهم من بين الخسائر البيئية التي قد تحتاج أجيالاً لتعويضها، بحسب الشيخ علي.

يمكننا تفادي ما يترتب عن الحرائق وانجراف التربة بأكثر من طريقة، وتتمثّل إحداها في الحل الوقائي. يصف الشيخ علي ذلك بأنه “المحافظة على الغطاء النباتي سواء على مستوى الأشجار والغابات وحتى الغطاء العشبي على مستوى سفوح الجبال في المناطق الأقل غزارة مطرية”، وهذا يمكن أن يحدث أيضاً في البادية التي قد تتعرّض لانجراف تربتها تحت الشدّات المطرية العالية وتشكّل السيول، وتلعب دوراً في ذلك طبيعة ترب البادية “عالية المحتوى من كربونات الكالسيوم التي تتشبع بسرعة وتنتبج وبالتالي لا تسمح لمياه الأمطار بالتغلل بعيداً في التربة ما يسبّب سيولاً وانجرافات”.

أما الحل الإسعافي فيمكن استخدامه بعد حدوث الحرائق، من خلال ترك الغابات المحروقة لترمم جراحها بنفسها والسماح للغطاء النباتي، حتى العشبي منه، بأن يعود بشكل تدريجي ويمسك بالتربة، وهذا يساعد على تجهيز التربة مرة أخرى لحضن شجيرات أو أشجار “تتم زراعتها بطريقة جراحية دقيقة حتى لا تفقد التربة تماسكها”.

من المهم الإشارة إلى أن فقدان التربة وانجرافها وتعريتها وما يترتب عليه من خسارة خصوبة الأرض يعني بالضرورة حدوث خسائر اقتصادية عبر “فقدان ريعية مباشرة وغير مباشرة للأرض” كما يعني خسائر بيئية مباشرة لجزء من التنوع الحيوي النباتي والحيواني”، ويتابع الشيخ علي: “يمكن أن يضاف إلى ذلك خسائر غير مباشرة بما تسهم فيه التربة والغطاء النباتي من عمليات تبادل أوكسجين وامتصاص غاز ثاني اوكسيد الكربون وتعديل الحرارة مكانياً وغيرها من الخسائر”.

Scroll to Top