بشار يوسف
تعاني سوريا من آثار بيئية مركّبة، عمّقتها سنوات النزاع الطويلة، وضعف البنى التحتية، وغياب تطبيق صارم للمعايير البيئية. وفي ظلّ هذه التحدّيات البيئية المتنامية، تبرز بشكل خاصّ قضية التلوّث الصناعي الذي يؤثّر على الهواء والمياه والتربة على حدّ سواء، ويشكّل ضغطاً كبيراً على الصحّة العامة والاقتصاد الوطني.
تُعدّ صناعة الغزل والنسيج من أهمّ القطاعات الصناعية في سوريا تاريخياً، إذ كانت تمثّل حتى العقد الماضي نحو 46.6% من الناتج المحلي للقطاع الصناعي، وتشكّل 8% من صادرات البلاد، وتشغّل 30% من اليد العاملة الصناعية، مع وجود أكثر من 24 ألف منشأة مختلفة الأحجام، وخاصّة في حلب ودمشق. ومع أن البيانات المباشرة حول كمية الملوّثات الصادرة من هذه الصناعة في سوريا محدودة، فإنّ عمليات الصباغة والمعالجة الرطبة في هذا القطاع تعتبر من المصادر المهمّة للملوّثات الكيميائية في مياه الصرف، وتساهم في إطلاق مركّبات سامّة إذا لم تتمّ معالجتها.
إلى جانب ذلك تتسبّب مصانع المواد الغذائية، من خلال مياه الصرف العضوي والصلب، في تلوّث المياه إذا لم تتمّ معالجتها قبل تصريفها. وفيما يشير ملف بيئي عامّ إلى تلوّث مياه الأنهار بالمواد العضوية (مثل الأمونيا وBOD) التي تجاوزت المعايير الصحية في أكثر من 80% من العيّنات في حوض بردى (2007)، فإنّ جزءاً من ذلك التلوّث مرتبط بالصرف الصناعي غير المعالج، فضلاً عن المخلفات المنزلية.
كذلك تؤثّر الصناعات الكيماوية ومصافي النفط في تدهور نوعيّة الهواء والمياه والتربة. في مدن مثل حمص وحماة، تشير تقارير بيئية سابقة إلى وجود تلوث جدّي في الهواء والمياه بسبب المصافي ومصانع الحديد والصلب والأسمدة، بما في ذلك تراكم مخلفات نفطية قُدّرت بنحو 100,000 طن تهدّد المياه الجوفية. في الوقت الراهن، وتحديداً في المناطق الشمالية والشرقية، تنتشر ما تسمّى بـ”الحرّاقات البدائية” التي تجري فيها عمليات تكرير النفط الخام في ظروف غير منظّمة، ما من شأنه أن يطلق كميات كبيرة من الملوّثات السامة في الهواء، ويُربط ذلك برصد حالات صحية خطيرة في المجتمعات المحلية.
التلوّث في سوريا بالأرقام
وصل معدّل جزيئات الهواء في سوريا عام 2016 إلى نحو 39.43 ميكروغرام/م³ من الجسيمات العالقة حسب تقديرات الأمم المتحدة، كما بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العام نفسه نحو 28.83 مليون طن في مؤشر على حدّة الاعتماد على مصادر طاقة أقلّ نظافة.
في العاصمة دمشق على سبيل المثال، يرجع تلوّث الهواء بنسبة كبيرة إلى انبعاثات المركبات والآليات الميكانيكية، بما في ذلك المصانع غير المرخّص لها، وبشكل عام يؤدي التلوّث الهوائي إلى ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية بين السكان، ولا سيّما في المدن، كما يساهم تلوّث المياه في انتشار الأمراض المعوية وتدهور جودة مياه الشرب نتيجةً لارتفاع تراكيز النترات والكروم الثلاثي في بعض الآبار.
سبل للتقليل من التلوّث الصناعي
بغية التقليل من آثار التلوّث الصناعي، لا بدّ من اعتماد التكنولوجيا النظيفة من خلال الاستثمار في أنظمة معالجة مياه الصرف الصناعي وتقنيات الحد من الانبعاثات، ما من شأنه أن يسهم في التقليل بشكل كبير من تلوّث الهواء والمياه، خاصة في قطاعي النسيج والمواد الغذائية.
علاوةً على ذلك، يجب وضع معايير بيئية صارمة وتنفيذها على جميع المنشآت الصناعية، مع فرض غرامات وعقوبات بيئية رادعة على المخالفين، هو عنصر أساسي لتحسين الالتزام البيئي.
بالتوازي مع ذلك، هناك أهمية بالغة للعمل على تطوير برامج تدريبية خاصة بالصناعيين والعمال حول الممارسات البيئية الجيدة، وتشجيع المسؤولية الاجتماعية للشركات لتبنّي سياسات صديقة للبيئة، وتشجيع إعادة التدوير وتوظيف المخلفات الصناعية وإعادة استخدامها في عملية الإنتاجي (الاقتصاد الدائري)، ما يقلل من الضغط على الموارد الطبيعية ويخفّض من كمية النفايات.
أيضاً، هناك حاجة ملحّة للتحوّل نحو مصادر طاقة أقلّ تلويثاً، مثل الطاقة الشمسية والرياح في المصانع بهدف خفض انبعاث الغازات الدفيئة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
التلوّث الصناعي في سوريا ليس مجرد قضية بيئية تقنية، بل هو قضية حيوية ترتبط بصحة المواطنين واستدامة الموارد الطبيعية والقدرة على إعادة بناء اقتصاد متوازن. يتطلّب الحلّ تضافر جهود كلّ من الحكومة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، لوضع سياسات بيئية عملية تطمح إلى تحويل الصناعة من عبء تلويث إلى شريك في التنمية المستدامة.



