رؤى النايف
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا واحدة من أكثر السنوات الزراعية اضطراباً منذ عقد على الأقل؛ المزارعون الذين اعتادوا التعويل على أمطار الشتاء في زراعة القمح، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع قاسٍ فرضته موجة جفاف شديدة، تزامنت مع ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج وتقلّبات في سياسات الدعم الزراعي، وبين حقول لم تنبت، وأخرى نمت بضعف شديد، بات الموسم الحالي محمّلاً بالخوف والقلق أكثر من أي وقت مضى.
منذ نهاية الخريف، لاحظ المزارعون تأخر الهطولات المطرية التي تشكّل العمود الفقري للزراعة البعلية في المنطقة، وبمرور الأسابيع، تكرّست الصورة: حقول واسعة بقيت على حالها دون أن تظهر فيها بوادر نمو، وأراضٍ أخرى نبت فيها القمح بشكل ضعيف ومتقطّع. في كثير من المناطق، تحوّلت آلاف الدونمات التي كانت في السابق تكتظّ بالسنابل الذهبية إلى مساحات شاحبة لا توحي بأي إنتاج وفير.
يقول المزارعون إن هذا العام يشبه “موسم الانتظار”، حيث ينتظرون المطر ولا يأتي، وينتظرون خضرة الأرض ولا تظهر. ورغم أن العام الماضي سجّل ترخيصاً لزراعة نحو 6.2 مليون دونم في شمال وشرق سوريا، إلا أن الأرقام هذا الموسم لا تعكس واقعاً مشجعاً، خاصة وأن القمح يشكّل 60% من مجمل تلك المساحات.
تكاليف تبتلع أرباح الموسم
الزراعة التي كانت تعتمد بشكل أساسي على جهد الفلاح وخبرته باتت اليوم تحتاج إلى ميزانية كبيرة مع كل خطوة يقوم بها، فالحراثة أصبحت أكثر كلفة بسبب جفاف التربة، وأسعار البذار ارتفعت بشكل لا يتناسب مع دخل المزارعين، فيما باتت الأسمدة الكيماوية عبئاً إضافياً قد يضطر البعض للاستغناء عنه رغم أهميتها في تحسين الإنتاج.
كذلك، ترتفع كلفة تشغيل الآليات الزراعية بسبب الاعتماد الكبير على المازوت، الذي لا يصل للفلاحين دائماً في الوقت المناسب، رغم وجود أربع دفعات مدعومة مخصصة لمزارعي القمح، وفي حال تأخرها يضطر المزارعون لشراء الوقود من السوق بأسعار أعلى بكثير، ما يزيد من قيمة الخسارة المتوقعة حتى قبل بدء موسم الحصاد.
في ريف الشدادي، يقف المزارع صفوان عايد فوق أرضه الممتدة على عشرات الدونمات، ينظر إليها بعين القلق ويقول لمجلة لحلاح: “لم أرَ موسماً أشد قسوة من هذا العام. زرعنا الأرض ونحن ننتظر المطر الأول.. انتظرناه طويلاً.. عندما نثرنا البذار، كنا نعتمد على أمطار منتصف الشتاء لتروي الأرض وتمنح البذار فرصة للنمو، لكن الأمطار تأخّرت، وما نزل منها لم يكن كافياً لإحياء التربة. كثير من البذار بقي تحت التراب بلا حياة، وكأن الأرض أغلقت أبوابها في وجهنا.”



يتحدّث صفوان عن التكاليف التي أثقلت كاهله: “كل شيء صار أغلى؛ الحراثة، السماد، البذار، وحتى أجور العمال.. كنا نحتاج إلى ثلاث حراثات كاملة للأرض، وكل حراثة تكلف ما لا يقل عن ضعف ما كانت عليه قبل عامين. أما السماد، فهو اليوم عبء كبير لا يستطيع كثير من الفلاحين تحمله. وحتى لو استعملناه، لا شيء يضمن أن يعود علينا الإنتاج بما يعوض ما أنفقناه”.
تعتبر مشكلة الري أبرز التحديات التي تواجه صفوان، إذ على الرغم من اعتماده على بئر ارتوازية لسقاية جزء من أرضه، إلا أن تشغيل المضخة يحتاج إلى المحروقات، ويوضح: “دفعات المازوت المدعومة تصل متأخرة، أحياناً بعد أن تكون الأرض قد عطشت. في هذه الفترة الحساسة، مجرد يومين من التأخير يعني تضرر المحصول”. اضطر صفوان هذا العام لشراء كميات من المحروقات من السوق كي يتجنّب خسارة كل شيء، لكن الفرق الكبير في السعر كفيل بأن يجعله يدخل الموسم خاسراً حتى قبل بدايته.
أما فيما يتعلق بالتسعيرة الجديدة التي حددتها الإدارة الذاتية لشراء القمح يقول صفوان: “السعر المحدد للطن حتى مع الدعم لا يغطي ما ندفعه,, عندما نحسب تكلفة الوقود، والحراثة، والعمال، والبذار، والأسمدة… نجد أن الربح شبه معدوم.. نحن لا نطلب الكثير، نريد فقط سعراً عادلاً يساعدنا على الاستمرار”، ويحذر من أن بقاء الوضع على ما هو عليه سيحول دون تمكّن كثير من المزارعين من زرع المساحات نفسها العام المقبل، وبعضهم قد يترك الزراعة نهائياً: “نحن أبناء الأرض، نعرف صعوباتها ونصبر عليها، لكن هذا العام كان أقسى من قدرتنا على الاحتمال، إن لم يتحسّن الوضع، فسيأتي وقت لا نجد فيه سنابل تكفينا”.
سياسات شراء القمح
حددت الإدارة الذاتية سعر شراء القمح هذا الموسم عند 420 دولاراً للطن الواحد، مع 70 دولاراً كدعم إضافي، وعلى الرغم من أن هذه الأسعار قريبة من سعر السوق العالمية، إلا أن المزارعين يعتبرونها غير متناسبة مع التكاليف المحلية المرتفعة، خاصة مع غياب استقرار أسعار المحروقات والمواد الزراعية.
كما يشكّل إلزام المزارعين بشراء البذار من المؤسسات الرسمية وبيع الإنتاج لها نقطة خلاف بين كثيرين، الذين يرون أن ذلك يحدّ من قدرتهم على التحكم في عملية الزراعة، ويجعلهم مرتبطين تماماً بقرارات لا يشاركون في وضعها.
الظروف الحالية تجعل من الصعب التنبؤ بموسم إنتاج جيد، فالمزارعون الذين يعتمدون على الزراعة البعلية مهددون بخسارة جزء كبير من محاصيلهم، بينما يواجه أصحاب الأراضي المروية تكاليف عالية قد تجعل أرباحهم هامشية أو معدومة، ومع تراجع الإنتاج المحتمل، تظهر مخاوف من تأثير ذلك على الأمن الغذائي في المنطقة، خاصة أن القمح يعد من أبرز السلع الأساسية التي يعتمد عليها السكان.
يواجه المزارعون اليوم معركة مزدوجة: معركة مع الطبيعة بسبب الجفاف، ومعركة مع الظروف الاقتصادية التي تجعل من الزراعة مهمة محفوفة بالمخاطر، ورغم الجهود المبذولة لدعم الموسم، يبدو واضحاً أن الإجراءات الحالية تحتاج إلى تطوير حقيقي يشمل توفير الوقود في الوقت المناسب، وتعديل تسعيرة شراء القمح بما يتناسب مع الواقع، وتقديم خطط دعم زراعية فعّالة، فمن دون حلول جذرية، سيبقى موسم القمح في شمال وشرق سوريا مهدداً، وسيبقى المزارعون، مثل صفوان عايد، يقفون على حافة خسارة لا يستطيعون تحمّلها.



