هل يسقط العاصي بعد كل هذا التمرّد؟

ليلى جروج

خلال الشهر الفائت تم تداول فيديوهات وصور لجفاف نهر العاصي بشكل كامل للمرة الأولى منذ نصف قرن تقريباً. الجفاف كان أمام أعيننا جميعاً، لكننا قرّرنا ألا نراه، وبالتأكيد لم يجفّ العاصي بين ليلة وضحاها، لكنّنا تجاهلنا كلّ النداءات التي وجهها لنا.

كلمة عاصي في اللغة العربية تعني “المتمرّد”، فخلافاً لمعظم الأنهار في المنطقة التي تتدفّق من الشمال إلى الجنوب، يشقّ العاصي طريقه من الجنوب إلى الشمال؛ ينبع من سهل البقاع في لبنان ويتّجه شمالاً بين لبنان وسلسلة جبال لبنان الشرقية، وبدخوله سوريا بالقرب من بلدة الهرمل، يواصل شمالاً عبر مدينتي حمص وحماة ويعبر سهل الغاب الخصب، ثم يشّكل الحدود بين تركيا وسوريا لحوالي 31 كيلومتراً، لينعطف غرباً داخل تركيا ويصبّ أخيراً في البحر الأبيض المتوسط.

تحمل الأنهار قصصاً وحكايا، نتناقلها طالما تستمرّ بالجريان، تقول واحدة من تلك الحكايا إن “قناة العاشق” الأثرية -وهي واحدة من مئات القنوات الرومانية في مدينة سلمية ومحيطها التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن الأوّل للميلاد- قد سمّيت بهذا الاسم لأن أمير سلمية في ذاك الوقت بناها بطول 150 كم لتكون مهراً لمحبوبته ابنة أمير أفاميا.

كذلك هناك النواعير، صديقة حماة ورمزها، والتي يعود استعمالها في سوريا إلى الفترة الكلاسيكية والهلنستية وحتى إلى الفترة النبطية، وأول تسجيد للناعورة موجود على قطعة من الفسيفساء من مدينة أفاميا القديمة. على ماذا ستميلين يا حماة إذا توقّفت “ناعورتك السودا” عن الدوران؟ إذا جفّ العاصي؟ إذا توقّف شريكك في العصيان عن التمرّد؟

القناة والنواعير ومئات الشواهد ما تزال قائمة حتى اليوم لتقول لنا إن الحضارة تُبنى حول الأنهار وعلى ضفافها، وإن ما قرأناه في كتب التاريخ والجغرافيا لم يبعد عن بيوتنا سوى أمتار معدودة، من شمال سوريا إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، تمرّ الأنهار والروافد، شيّدت الحضارة في يوم من الأيام، تتالت الممالك، سقط من سقط، ومات من مات، وبقيت الأنهار وآثارها قائمة، متحديّة حتى الظروف الطبيعية، التي دمّرت جزءاً منها، لكنها لم تفنى بل بقيت، لكن اليوم ربّما نحن نشهد فعلاً انهيار الحضارة.

اختلفنا مع حمص على العاصي أيضاً، كما اختلفنا على حلاوة الجبن، والناعورة، تقول إحدى الدعابات عن هذا الأمر، إن حمصيّاً أراد أن يبني الناعورة بنفسه، فصنعها بشكل جميل، لكنها لم تعمل، ما اضطره لاستدعاء حمويّ بسبب ما يُعرف عن الحمويين  إتقانهم لصناعة النواعير، فضرب الناعورة، فتحرّكت، وقيل وقتها: “ضربة معلم الكار بألف ولو شلفها شلف”. 

ليست الآثار والنواعير وحدها ما تربط الناس بالعاصي، فقد أطعم النهر مئات العائلات بفضل أسماكه، فمهنة الصيد منتشرة في معظم المدن والبلدات التي تشكّل مساره داخل الأراضي السورية. من الناس من اصطاد وجبة له ولعائلته، ومنهم من تحوّل من الصيد كهواية إلى مهنة تقتات من بيعها عائلات بأكملها، يواجهون جميعاً اليوم خطر فقدان هذا الأمر، بسبب الجفاف الكبير الذي حلّ بالنهر، والتلوّث الذي سبقه، والذي أدّى إلى انخفاض نسبة الأسماك فيه، مثل الكرب والسلور المحلي والمشط والعاشب، التي تشكّل مصدراً غذائياً واقتصادياً للسكان، فيما تفاقم الوضع بسبب انتشار أنواع غازية مثل السللور الإفريقي، الذي يفترس بيوض الأسماك المحلية ويهدد التنوّع البيولوجي.

من ريف حمص، مروراً بأراضي حماة، إلى ريفها الشمالي وسهل الغاب، إلى إدلب، تشكّل هذه المساحة جزءاً كبيراً من المساحة الزراعية في سوريا، التي يتعرّض قسم كبير منها لخطر الانقراض بسبب جفاف النهر، عدا عن خسارة العاملين والعاملات في المجال الزراعي للعمل الذي يعتاشون منه، والذين واجهوا سابقاً خطر الجفاف وقلّة الأمطار، بالإضافة إلى تهديد الأعمال التي تتبع الزراعة، كبيع البذار والأسمدة، حصاد المواسم، وتنظيف الأراضي وغيرها.

كُتبت الأغاني لنهر العاصي، ولطالما شكّلت لنا “والله لعبّي الجرة من ميّتك يا عاصي..” و”ميّتنا عاصي حماة، شرب الأفندية” تساؤلات حول صلاحية هذه المياه بالتحديد للشرب، فالعاصي مستنقع أخضر، قد يتغيّر لونه بعد المطر، لكنّه ليس رقراقاً شهياً، إذ تحوّل النهر إلى مكبّ للنفايات، وإلى مصبّ لمياه الصرف الصحي، ولو أنه نُظّف بشكل دوري لما تراكمت الأوساخ فيه بهذه الطريقة، لكن ماذا تفيد الكلمات العابرة بعد كل هذا التلوّث وكل هذا الخراب؟ 

كم أتمنى لكلّ أصدقائي أن يصادفوا مشهد فيضان الساروت على طريق “حماة- محردة” بعد هطول المطر بكثافة لأيام متواصلة، أو مصادفة شبّان من حماة يرمون بأنفسهم في النهر بجانب الناعورة مفتخرين بقدرتهم على تطبيق “الشكة الحموية”، التي تعتبر خطرة جداً وتهدد حياة منفّذيها، لكنها كانت تحدياً لكل شيء، كأنّ الشباب يقولون نحبّ هذا العاصي بكل مافيه.

ولدتُ في مدينة تطلّ على نهر العاصي، تعلوه قليلاً، يفصلها عن جزء من الريف الشمالي لمحافظة حماة، ارتبط بأعيادنا وأفراحنا، نغنّي له في الفصح وفي الباعوث، نقول: “زيد يا عاصينا زيد يا محلى ليالي العيد”، تغنيها حمص أيضاً!

ارتبط أيضاً بأحزاننا، وفقدنا، ودموعنا، نغنّي له في الأحزان والفقد، نقول: “رح حلّفك بالوفا بالله ويا هالعاصي.. محبوب قلبي ورد ولّا على نيّة!”

يرافقنا العاصي في سهراتنا، وفي أيّامنا العادية، متنزّهنا المحبّب، برائحته الكريهة، ومساره الجاف، بلونه الأخضر أحياناً، والبني في أحيان أخرى، وبلسعات بعوضاته المؤلمة. لم أعرفه رقراقاً أو خالياً من زهرة النيل، أبعدتنا الحرب عنه، لكننا نعرفه ويعرفنا. حاولتُ أن أتخيّله عندما كانت تُستخدم مياهه للشرب والاستحمام والغسيل والطبخ والتعارف والعلاقات الاجتماعية، حاولتُ أن أفهم المسار الذي مشته جدتي وجدّتها من قبلها لحمل مياهه يومياً إلى البيت، هل حقاً كان صالحاً للشرب! 

في مكان بعيد من ذاكرتي، هناك صورة عن النهر كنهر، وعن قلعة شيزر التي تقابله، عن صوت ناعورة حماة التي تهدهد -على خشونة صوتها- للمدينة كي تنام بسلام، ربما كان فعلاً عنيناً، كانت الناعورة تعنّ كل تلك الفترة، واليوم سكتت!

لا نختار أماكن ولاداتنا، وكسوريين ربما لعنّا سراً وعلناً هذه الأماكن، لكن؛ في أعماق روحي، وبكامل وعيي، لن أكون أكثر امتناناً من الولادة، إلا للعيش بجانب النهر، بجانب العاصي، أوّل المتمرّدين، وأرجو ألا يكون آخر الثائرين على كل هذا الجنون في العالم.

نحن أبناؤك الطيبون يا عاصي، لأجلنا -هذه المرّة أيضاً- كن بخير!

Scroll to Top