غسيل أخضر في سوريا!

دلير يوسف

في السنوات الأخيرة أصبح مصطلح “الغسيل الأخضر” جزءاً من اللغة اليومية عند الحديث عن البيئة، سواء كان الأمر دولياً أم محلياً، فهذا المصطلح يشير عادة إلى محاولات تبنّي صورة صديقة للطبيعة دون أن تُرافقها خطوات حقيقية على الأرض. يظهر الغسيل الأخضر عادةً عندما تستخدم مؤسسات أو حكومات أو شركات شعارات الاستدامة لتجميل صورتها أو لتخفيف النقد، بينما يبقى الواقع البيئي بعيداً عن هذه الوعود اللامعة.

بدأ استعمال مصطلح “الغسيل الأخضر” من قبل جاي ويسترفيلد في مقال نشره عام 1986 يتعلق بممارسات معينة في قطاع الفنادق، مدعياً أنّها  تستعمل البيئة من أجل الترويج لنفسها.

في سوريا اليوم، يأخذ هذا المفهوم شكلاً خاصاً ومحمّلاً بتعقيدات إضافية؛ فبلدٌ أنهكته الحرب وشهد تدميراً واسعاً للبنية التحتية وتلوّثاً نفطياً ومشكلات حادة في إدارة المياه والهواء، يجد نفسه محاطاً بخطابات تتحدث عن “تعافٍ أخضر” و”مستقبل مستدام”، لكن غالباً دون خطط واضحة أو بيانات شفافة تثبت هذا التوجه.

فمن  مبادرات تشجير رمزية تُعلن في الإعلام إلى مشاريع إعادة إعمار تتحدث عن معايير بيئية تفتقر إلى آليات رقابة مستقلة، يتزايد الخلط بين الجهود الفعلية وبين محاولات التجميل الخطابي.

نحاول في هذه المقالة أن نبحث في معنى الغسيل الأخضر وكيف يظهر في السياق السوري، محاولين تحليل الفجوة بين الخطاب البيئي المعلن والواقع المعقّد الذي يواجهه البلد اليوم.

لا توجد دراسات أو تقارير كثيرة ومعلنة عن الغسيل الأخضر في سوريا كما هو الحال في دول أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية، لكن يمكن ملاحظة بعض مظاهره في الخطاب الرسمي الحكومي أو الاقتصادي، إذ تُظهر بعض المؤسسات أو المشاريع نفسها على أنها “بيئية”، خاصة عند الحديث عن الطاقة المتجددة أو إعادة التدوير أو التشجير، في حين أن تأثيرها على البيئة ضعيف جداً أو على الأقل غير مدعوم بأرقام فعلية (أو مدعوم بأرقام غير دقيقة).

على سبيل المثال تم إطلاق حملات لزراعة أشجار في مناسبات مختلفة، لكنها كانت أقرب إلى نشاط رمزي أو إعلامي، بينما في المقابل هناك مشكلات كبيرة مثل الجفاف والتلوث الصناعي وتراكم النفايات وغيرها الكثير لا تحظى بالاهتمام اللازم.

بعض المشاريع الاستثمارية (خصوصاً في مجالات الإسمنت أو الصناعات الثقيلة) تتحدث عن “الالتزام بالمعايير البيئية”، لكن في الواقع لا يمكن التأكد مما يُقال، حيث لا توجد مراقبة مستقلة أو شفافية للتحقق من ذلك.

كل الأمور مرتبطة ببعضها، وكذلك الغسيل الأخضر في سوريا، والذي يتقاطع مع الوضع الاقتصادي والسياسي، فتُستعمل البيئة كأداة لإظهار صورة إيجابية أمام جهات دولية أو لجذب تمويل من منظمات مهتمة بالبيئة والتنمية.

وُقعت في سوريا مذكرات تفاهم استثمارية بقيمة مليارات الدولارات في قطاعات النقل والإسكان والسياحة، واستُخدم في الإعلان عن هذه المذكرات كلمات مثل “فرصة استثمارية” و”إعادة إعمار” و”مستقبل أخضر”، لكن التفاصيل التنفيذية مثل “ما هي كمية الطاقة النظيفة المُستخدمة في هذه المشاريع؟” أو “كيف ستتم إدارة النفايات؟” أو “كيف سيتم التحكم في التلوث” بقيت غائبة وغير واضحة وبأفضل الأحوال قليلة.

تقارير كثيرة تقول إن الحكومة تشجّع المستثمرين المحليين لإنشاء شركات متخصصة بإعادة الإعمار، وغالباً ما يترافق الإعلان عن هذه الاستثمارات مع عرض بعض المصطلحات البيئية مثل “الإدارة المستدامة للبنية التحتية” أو “تخفيف الأثر البيئي”، لكن في واقع الأمر فإن التحديات المنهجية كبيرة، فبالإضافة إلى البنية التحتية المتضررة بشكل كبير ونقص التمويل والعقوبات الاقتصادية على سوريا والتي لم ترفع بشكل كامل بعد، يوجد ضعف في الرقابة وتوجد ثقافة فساد زرعها نظام الأسد لسنوات طويلة في المجتمع الذي لم يستطع التخلص منها بعد، مما يجعل التنفيذ البيئي الجيد أمراً صعباً جداً.

كذلك فإن التصريحات الرسمية الحكومية دائماً ما تُشدّد على “إعادة البناء مع مراعاة المعايير البيئية”، لكنها غالباً لا تنشر دراسات جدوى أو معلومات مفصلة توضح كيف سيتم الالتزام بهذه المعايير. وفي المشاريع التي يُقال عنها “مواطنية” أو “نموذجية” غالباً ما تركز على الجانب الرمزي أكثر من الجانب الفيزيائي (كمية الطاقة النظيفة، الانبعاثات، إدارة المياه/النفايات، إلخ).

هذه الأمثلة السابقة تجعلنا أقرب لتصديق رواية الغسيل الأخضر، لأسباب وعوامل نحاول اختصارها في النقاط التالية:

  • غياب الشفافية والمصداقية: عدم وجود تقارير مستقلة توضح الأداء البيئي الفعلي، عدم وجود مؤشرات قابلة للقياس.

  • تركيز على الصورة الإعلامية: الإعلان والتسويق أكثر من العمل الفعلي، مثلاً إطلاق حملات إعلامية، مؤتمرات، استقطاب مؤثرين للترويج.

  • الاعتماد على الخطابات العامة دون خطط تنفيذ مدققة.

  • العوائق العملية: البنية التحتية المتضرّرة، نقص الموارد المالية، العقوبات التي تحد من إمكانية استيراد تكنولوجيا نظيفة أو الاستثمار في البنية الخضراء.

مثلما ذكرنا ينبع الغسيل الأخضر في سوريا من مجموعة عوامل مترابطة، أولها غياب الشفافية والرقابة البيئية المستقلة، ما يسمح بتمرير تصريحات أو مبادرات “خضراء” دون وجود بيانات تثبت فعاليتها.

يضاف إلى ذلك الضغط السياسي والإعلامي لتقديم صورة إيجابية عن مشاريع إعادة الإعمار، حيث يلجأ بعض الفاعلين إلى استخدام لغة الاستدامة كوسيلة لتحسين الانطباع العام بدل تحسين الأداء البيئي نفسه.

كذلك يلعب الوضع الاقتصادي المتردي دوراً مهماً؛ إذ تصبح الاستدامة في بعض الأحيان مجرد شعار يُسهّل الحصول على تمويل أو دعم، خصوصاً في ظل حاجة البلاد الشديدة للاستثمارات. ولا يمكن تجاهل ضعف الوعي البيئي العام، وقلّة التعليم البيئي، وندرة مؤسسات المجتمع المدني القادرة على محاسبة الجهات التي تمارس هذا الأسلوب.

تتجاوز آثار الغسيل الأخضر حدود التضليل الإعلامي لتترك بصمة سلبية على البيئة والمجتمع. فعندما تُطرح مشاريع على أنها “مستدامة” بينما هي غير ذلك، تتفاقم مشاكل التلوّث والموارد المتضرّرة بدل معالجتها. كما يؤدي الغسيل الأخضر إلى تعطيل الخطط الجادّة، لأن صناع القرار والجمهور يظنون أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح بينما الواقع مختلف تماماً.

على المستوى الاجتماعي، يخلق هذا السلوك شعوراً بعدم الثقة تجاه أي مشروع بيئي لاحق، حتى تلك التي تُبنى على أسس سليمة.

أما على المستوى الاقتصادي، فيمكن أن يوجّه الغسيل الأخضر التمويل النادر نحو مبادرات تجميلية لا تحقق أثراً حقيقياً، بينما تبقى المؤسسات التي تعمل بجدية دون دعم كافٍ. وفي المحصلة، يُؤخر الغسيل الأخضر مسار التعافي البيئي ويعيق بناء رؤية مستدامة حقيقية لمستقبل سوريا.

هكذا يبقى الغسيل الأخضر تحدياً صامتاً يختبئ خلف الشعارات اللامعة والوعود الكبيرة، لكنه مع ذلك يترك أثراً واضحاً على الطريق الطويل نحو تعافٍ بيئي حقيقي في سوريا. فبين واقع منهك بالبنى المدمّرة والموارد المستنزفة، وبين خطاب يَعِد بالاستدامة دون أن يقدّم أدلته، يصبح التمييز بين الجهد الفعلي والتجميل المقصود مسؤولية مشتركة. وما لم تُدعَم الوعود بخطط قابلة للقياس، ورقابة مستقلة، ومشاركة مجتمعية واسعة، سيظل الغسيل الأخضر حاجزاً يمنع البلاد من استعادة توازنها البيئي.

بناء مستقبل مستدام لا يبدأ بالشعارات، بل بالاعتراف بالواقع، وامتلاك الشجاعة للتحوّل من لغة التجميل إلى لغة الفعل. ذلك، كما نظن، هو الطريق الوحيد نحو بيئة سليمة وسوريا أكثر قدرة على النهوض.

Scroll to Top