الآثار المدمرة للتحطيب الجائر في السويداء

ليدا زيدان

“أعتقد أن النتائج خطيرة هنا.. بلدة الكفر تضررت بشكل كبير، مساحات واسعة تحولت إلى أرض قاحلة.. لا أحد يتحدّث عن الأمر وما من طريقة لوقف ذلك”. هكذا يصف طارق البيروتي واقع المناطق الحراجية في السويداء، مساحات واسعة كانت مغطاة بالأشجار الخضراء باتت مدمرة، سنوات متتالية من الجفاف والأزمات الاقتصادية جعلت السكان يلجؤون لقطع الأشجار طلباً للدفء مع انقطاع المحروقات وغلائها.

تستمر عملية قطع الأشجار بشكل ممنهج، وعلى الرغم من أن للجفاف دور في تراجع الكثير من المساحات الخضراء، ولكن الفعل البشري كان أكثر سوءاً، إذ ترك أثره على البيئة مهدداً البنية التحتية الطبيعية، وبين عمليات القطع للأشجار وبيع الخشب خسرت المحافظة جزءاً كبيراً من مواردها الطبيعية وغطائها النباتي.

بدأت ظاهرة تحطيب الأشجار في الظهور خلال السنوات الأولى من الحرب في البلاد مع انخفاض المخصصات من الوقود للعائلات وارتفاع الأسعار، نتيجة ذلك لجأ كثير من أهالي محافظة السويداء إلى تقطيع الأشجار وبيعها، ما تسبب بأضرار كبيرة على الأراضي الزراعية.

رئيس وحدة الكفر الإرشادية، طارق البيروتي، يوضح لمجلة لحلاح أن مشكلة التحطيب في تفاقم: “ازداد التحطيب ضمن الغطاء النباتي المتبقي في المنطقة الحراجية والتي تبلغ مساحتها 510 دونم”، ويضيف البيروتي أن أكثر أنواع الأشجار التي تتعرض للتحطيب هي أشجار السنديان والسرو والصنوبر حيث لم يتبق غيرها في منطقة الأحراج.

يعتبر البيروتي أن  أبرز الأسباب التي تدفع السكان للتحطيب تتمثّل في أزمة الوقود، ويردف: “قلة توفر مادة المازوت للتدفئة وقلة توافر الحطب من الساحل ومادة تفل الزيتون وضعف القدرة المادية لدى غالبية الناس بسبب الهجرة والجفاف وقلة صرف الرواتب.. كل ذلك تسبب بزيادة ظاهرة التحطيب”.

التعديات على أشجار الحراج مستمرة في منطقة الكفر والحراج الأخرى في المحافظة، حيث قاربت المساحات التي تم التعدي عليها 100 دونم في بلدة الكفر وحدها، يضيف البيروتي: “هناك مخالفات، والمخالفة تتضمن كسر أرض الحراج حيث تعتبر هذه الأرض مملوكة لدائرة الحراج، هناك أناس يقومون بحرثها وزراعتها ويزيلون بقايا أشجار السنديان من جذورها”، وهو ما يؤدي لعدم إمكانية نمو هذه الأشجار مرة أخرى، إذ أن جذور السنديان إن بقيت يمكنها أن تنمو إذا لم تتعرض للاقتلاع.

من جهته يبيّن نقيب المهندسين الزراعيين في السويداء، ضاحي الدبس، أن جميع أنواع الأشجار تعرّضت للقطع الجائر، لكن أشجار السنديان والبلوط هي أكثر الأشجار التي تم قطعها: “تشكل هذه الأشجار الجزء الرئيسي والهام من أشجار الحراج وبسبب قابلية خشبها للاشتعال فقد تعرّضت للقطع بشكل كبير، بالإضافة إلى أنواع أخرى مثل اللوزيات والتفاحيات والزيتون”، والأسباب برأيه هي إما بسبب العجز المادي أو بهدف بيع الحطب. يقول الدبس إن هذه الظاهرة ازدادت خلال السنوات الأخيرة والسبب الأزمات الاقتصادية  ولا سيما في السويداء ذات المناخ البارد.

خلّفت ظاهرة قطع الأشجار نتائج سلبية على الحراج ، وبحسب الدبس فإن دائرة الحراج لديها تقارير ميدانية تشير إلى عمليات قطع جائر وتعرية مساحات واسعة في المحافظة لكن “التوثيق الكمي يحتاج إلى مسح دقيق وكادر عمل وفنيين ومن الصعب القيام بذلك نتيجة الظروف الصعبة التي تعيشها المحافظة خاصة بعد أعمال العنف التي بدأت في تموز الفائت”.

هناك بعض الإحصائيات المتاحة لكنها تقريبية وذلك يعود لعدم القدرة على ضبط وقياس الظاهرة فهي متغيرة وبشكل آني، يقول الدبس: “السويداء كانت تمتلك 10 ألف هكتار من الثروة الحراجية بين محميات طبيعية وغابات صناعية ومساحات حراجية خاصة”، وتُقدر المساحة التي تم قطع أشجارها بأكثر من 85% من إجمالي المساحة الكلية، أما بالنسبة لأشجار السنديان المعمرة فقد “تم قطع ما يقارب 95% منها والتي كانت تعتبر من الإرث التاريخي للمحافظة”.

وفقاً للدبس هناك عدة محميات طبيعية في السويداء، وهي محمية “الضمنة” والتي تبلغ مساحتها حوالي 600 هكتار، ومحمية “اللجاة” البالغة 2000 هكتار، ومحمية “الرحى” 148 هكتار، ومحمية “الكفر” 271 هكتار، و”سهوة بلاطة” 186 هكتار، بالإضافة لوجود محميات في حبران، مياماس، قنوات، مفعلة، سليم، مصاد وعتيل وجميعها تحتوي على أشجار طبيعية نادرة وقد تم الاعتداء عليها بشكل جائر.

لا يتوقّف تأثير قطع الأشجار على الخسائر في التنوع النباتي والغطاء الطبيعي، بل يمتدّ ليترك آثاراً مدمّرة على البيئة، خاصة في منطقة جبلية مثل السويداء، إذ أن عدم وجود الأشجار يؤدي إلى انزلاقات في التربة خاصة بعد الهطولات المطرية كما يسبب ذلك غياب الطبقة السطحية من التربة والتي تعتبر الأغنى بالمواد الغذائية كما يمكن أن يتسبب بانخفاض نسبة المياه الجوفية إذ أن وجود الغابات ينظّم عملية تخزين المياه في الأرض ويساعد في امتصاصها.

يعتبر الدبس أن الخسائر البيئية يمكن تصنيفها إلى خسائر مباشرة مثل “إزالة الغطاء النباتي وتآكل التربة وفقدان مراقد الغطاء النباتي المعمر وانخفاض قدرة المساحات على احتجاز الماء ما يؤدي إلى انخفاض إنتاجية التربة وتآكلها”. كما يسبب قطع الأشجار نوعاً آخر من الخسائر وهو ما يسمىه بالخسائر المناخية فنتيجة قطع الأشجار  يتم إطلاق الكربون المخزن ويقلل قدرة المنظومة على امتصاص co2. من جهة ثانية يعتبر الدبس أن هذه الظاهرة تخلف آثاراً اجتماعية واقتصادية “تتمثل بفقدان القيمة السياحية والطبيعية وزيادة هشاشة المجتمعات الزراعية أمام الجفاف والتصحر”.

هذا وتعتبر الأنواع التي تتعرض للقطع ذات قيمة بيئية عالية إذ أن أشجار البلوط والسنديان هي أشجار معمرة ولها قدرة كبيرة على تخزين الكربون كما أنها تساهم في دعم التنوع النباتي والحيواني مثل الطيور وبعض الحيوانات البرية، بالإضافة لكونها تساعد في تعديل مناخ المنطقة مثل احتجاز الرطوبة وتقليل سرعة الرياح ومنع انجراف التربة ما يجعل فقدانها له أثر سيء طويل الأمد.

عمليات القطع تؤثر أيضاً على المناخ المحلي وتسبب نقصاً في الرطوبة وزيادة في درجات الحرارة مع زيادة احتمالية التصحر والجفاف، وقد يمتد هذا التأثير ليشمل اختفاء أنواع نباتية وحيوانية وبحسب الدبس لا توجد تقارير مفصلة عن هذا الأمر ولكن هناك انخفاض ملموس في بعض الأنواع “نتيجة فقدان الموطن والتغيرات المناخية” ويضيف أن هذا الأمر يحتاج للعمل مع المنظمات والأفراد المهتمين لإصدار قائمة مفصلة بالأنواع التي اختفت خلال العامين الأخيرين.

الأحداث الأخيرة في المحافظة والحصار الذي تم فرضه عليها تسببا بنقص كبي ر في المواد الأساسية ومن ضمنها المحروقات، ما انعكس بشكل سلبي وزاد من انتشار ظاهرة التحطيب خاصة مع اقتراب فصل الشتاء. يتابع الدبس: “بكل تأكيد الحصار فاقم من أزمة المحروقات بالإضافة لضعف الوضع الاقتصادي الذي دفع الكثير من الأسر إلى الاعتماد على الحطب للتدفئة والطبخ”.

كما أن بعض الأسر تسعى لتأمين دخلها من بيع الحطب ما أدى لزيادة التحطيب الجائر للثروة الحراجية. يقول البيروتي إن الطن الواحد من حطب السنديان بلغ سعره 4 مليون ونصف هذا العام، ومع غياب القوانين التي تضبط ذلك وغياب العمل المؤسسي هناك عجز عن ضبط الظاهرة. بحسب الدبس فإن “دور النقابة محدود في هذا المجال بسبب وجود دوائر توكل لها هذه المهام ومن المقترح أن تقوم النقابة بحملات توعية للمزارعين والمواطنين بالتنسيق مع مديرية الزراعة والبلديات والمنظمات الدولية”.

يشير الدبس أنه من الضروري توفير بدائل طاقة، وبالرغم من الضعف في الإمكانيات تسعى النقابة لتدارك الآثار المدمرة حيث نظّمت حملات إعادة تشجير لأنواع محلية كما أنها تساهم في عملية تفعيل الضابطة للحد من هذه الظاهرة غير قانونية والتي تعتبر ظاهرة قديمة-حديثة تحارب الثروة الحراجية منذ العام 2014.

Scroll to Top