الحرب الصامتة في سوريا: كيف يهدد الجفاف المدمر التعافي بعد الصراع

مادة مترجمة – ديبيكا ماتانج –

ندرة المياه، وفشل المحاصيل، وانعدام الأمن الغذائي، هذه الضغوط الثلاثة المستمرة التي كانت في السابق عاملاً مساهماً بارزاً في الاضطرابات الاجتماعية التي تحولت إلى حرب أهلية في سوريا، تلوح الآن كعوائق أمام طريق البلاد الشاق نحو التعافي. بعد شتاء 2024-2025 الأكثر جفافاً، تواجه سوريا حالياً أسوأ موجة جفاف منذ 36 عاماً، تظهر بوضوح من خلال الفشل المتكرر في المحاصيل الزراعية والأزمة الغذائية الوشيكة. ورغم أن هذا المأزق مألوف، إلا أنه يطرح نفسه من منظور جديد، مما يزيد من حدة المصاعب الحالية التي يواجهها شعب منهك أصلاً جراء الحرب الأهلية المطولة.

بين عامي 2006 و2011، عانت سوريا من جفاف مطول ناجم عن سنوات من سوء إدارة الموارد. وتفاقم الجفاف بشكل خاص في عام 2008، عندما انخفض إنتاج القمح، الضروري للأمن الغذائي ودعم برنامج الخبز المدعوم في البلاد، من أربعة ملايين طن إلى ما يزيد قليلاً عن مليوني طن. مما اضطر الحكومة إلى استيراد 1.6 مليون طن لتلبية الاحتياجات المحلية. وتفاقمت هذه المحنة البيئية نتيجة سلسلة من الأحداث المترابطة التي أحدثت آثاراً متتالية، مما ساهم في زعزعة استقرار سوريا الهش في خضم اضطرابات الربيع العربي التي اجتاحت دول الجوار منذ كانون الأول ٢٠١٠.

تزامنت إجراءات التقشف الاقتصادي، التي اعتُمدت عام 2005 مع الجفاف، وأدت إلى إلغاء تدريجي سريع لدعم الوقود والأسمدة، مما دفع سكان الريف المُحتاجين إلى الهجرة إلى المدن. وأدى النزوح والاكتظاظ في المراكز الحضرية إلى ارتفاع حاد في البطالة، إلى جانب انعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع. وتفاقمت هذه التوترات لتساهم في انتفاضة اجتماعية اندلعت شرارتها بعد اعتقال وإساءة معاملة متظاهرين مراهقين في السادس من آذار 2011 في مدينة درعا جنوب غرب البلاد، التي أصبحت في نهاية المطاف “مهد الثورة السورية”.

نشأ ضعف الزراعة في سوريا من حقيقة أنها، على الرغم من مناخها شبه الجاف، اعتمدت بشكل كبير على مياه الأمطار بدلاً من بنية تحتية فعالة للري. في بداية الصراع، كان حوالي 67% من إجمالي الأراضي المزروعة في البلاد و53% من حقول القمح تعتمد على مياه الأمطار. اعتباراً من العام 2024 زاد هذا الاعتماد، حيث شكلت الزراعة البعلية 75% من جميع المحاصيل. على الرغم من أن الحرب أدت إلى فقدان البنية التحتية الحيوية، إلا أن نظام الري كان قديماً بالفعل، من حقبة ما قبل الحرب، حيث هيمنت عليه تقنيات سطحية غير فعالة، مما أدى إلى هدر كبير للمياه والاستغلال المفرط لأحواض الأنهار الرئيسية. علاوة على ذلك، ظلت محافظاتها الرئيسية المنتجة للقمح، بما في ذلك محافظة الحسكة، التي تعتبر سلة القمح في سوريا، تعتمد بشكل أساسي على الأمطار، ولا تكملها سوى الأنهار الصغيرة، مما يجعلها شديدة التأثر بظروف الجفاف.

تُعدّ المخاوف البيئية عنصراً أساسياً في النزاعات المسلحة، وسمةً لا غنى عنها في تداعياتها، إذ تُطيل أمد المعاناة الإنسانية المُستمرة لمجتمعات ما بعد النزاع وتُفاقمها. في حالة سوريا، أدّت أزمة المناخ المُتفاقمة والدمار البيئي الناجم عن سنوات الحرب الطويلة إلى استمرار المعاناة الإنسانية، مما أدى إلى طمس الحدود بين المخاوف الأمنية “التقليدية” و”غير التقليدية”.

خلال آخر ذروة لهطول الأمطار، بين تشرين الثاني 2024 وآذار 2025، شهدت البلاد انخفاضاً ملحوظاً في معدل هطول الأمطار، حيث انخفض بنسبة 54% عن متوسطه طويل الأمد، مسجلاً بذلك النصف الأول من هذا العام أشد مواسم البلاد جفافاً منذ العام 1997. علاوة على ذلك، ومع تزايد شح الأمطار عاماً بعد عام، تعاني أنهار سوريا الرئيسية، مثل الفرات والعاصي والخابور، من تناقص تدريجي في تدفق المياه، مما يجعلها غير صالحة للري. وتتفاقم هذه المشاكل البيئية المستمرة بسبب الفقر المدقع في سوريا وتدهور البنية التحتية للمياه.

وفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، يُقدر أن 66% من السكان يعانون من فقر مدقع، أي أقل من الحد الدولي البالغ 2,15 دولار أمريكي للفرد يومياً. وقد جعلت قرابة ١٤ عاماً من الحرب ثلثي السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، بينما يُكافح 90% منهم لتوفير الضروريات. لذلك، فإلى جانب جفاف الأنهار، يُقلل المزارعون، الذين يواجهون قيوداً مالية مزمنة، من الري لخفض التكاليف، ويعتمدون بشكل أكبر على مياه الأمطار، وهي مقامرةٌ فشلت فشلاً ذريعاً هذا العام.

أخيراً، أدى النزوح القسري لسكان سوريا إلى تمزيقهم عن مجتمعاتهم بشكل لا رجعة فيه، وأحبط آمالهم في إعادة توطين حقيقية. لا يزال 26% من السكان نازحين داخلياً، ومن غير المرجح أن يعودوا بأعداد كبيرة، نظراً للمخاوف الأمنية المستمرة، والأهم من ذلك، بسبب نقص البنية التحتية والخدمات الأساسية. من بين ستة ملايين نازح، عاد حوالي 500,000، بينما لا تزال الغالبية العظمى منهم مهجّرة، وقد تنقطع صلتهم بأرضهم بشكل دائم.

لقد دفع الأثر التراكمي لهذه الضغوطات سوريا إلى أزمة زراعية أشدّ خطورة من أسوأ جفاف عام 2008، بل وحتى سنوات الصراع. فبعد فترة وجيزة من التعافي المعتدل، من المتوقع أن ينخفض محصول هذا العام إلى ما دون أدنى مستوى له في زمن الحرب عام 2018، وهو 1,2 مليون طن، ليصل إلى 1,1 مليون طن فقط. لذا، فإن ما يشهده السوريون الآن أشدّ وطأة، وينذر بكارثة وشيكة قد تجعل دولةً كانت تعتمد على نفسها في إطعام سكانها، تعتمد بشكل مفرط على الواردات.

في مواجهة التهديد المباشر بالعنف المسلح، تبدو مشاكل التكيف البيئي والمناخي ثانوية وبعيدة المنال. وبمجرد أن تهدأ الأعمال العدائية، كما يحدث في النهاية، تبرز هذه العواقب غير المباشرة والخفية لتشعل حرباً جديدة على شعب منهك. من المهم الإشارة إلى أن سوريا لا تزال تشهد اشتباكات عنيفة في مناطق مختلفة من البلاد، وهو ما يمتزج بالأزمة البيئية المستمرة ليشكل تحدياً معقداً. لذلك، يجب على أي جهد لتحقيق الاستقرار بعد الحرب أن يعالج نقاط التقاطع هذه دون أي تحيز، من أجل بناء سلام دائم ومرن.

Scroll to Top