بشار يوسف –
في قمّة المناخ COP30 التي انعقدت مؤخّراً في البرازيل، أكّد رئيس الفترة الانتقالية، أحمد الشرع، في كلمته على ما بات جليّاً للجميع: سوريا تواجه أزمة بيئية غير مسبوقة، تتداخل فيها عوامل التغيّر المناخي مع آثار النزاع المستمر منذ أكثر من عقد. هذا الواقع من شأنه أن يدعو للتفكير -أكثر من أيّ وقتٍ مضى- في إعادة إعمار مستدامة ترتكز على العدالة المناخية وحقوق الفئات الأكثر ضعفاً.
سوريا تعيش اليوم أسوأ موجة جفاف منذ عقود، وأصبح من الصعب تجاهل حجم التأثيرات البيئية على الحياة اليومية للسكان؛ المساحات المزروعة تتراجع ما يسبّب انخفاضاً كبيراً في كمية المحاصيل الأساسية، أعداد الماشية تتناقص بسبب شحّ المياه وعدم توفّر العلف، بينما تتصاعد الحاجة إلى استهلاك المياه للأغراض المنزلية.
الجفاف ليس مجرّد مشكلة بيئية؛ إنّه أزمة إنسانية واجتماعية واقتصادية. يتعرّض سكان الريف، الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، للضغوط الأكبر، في حين تواجه المدن بدورها تحديّات تتعلّق بتأمين المياه النظيفة والخدمات الأساسية.
لكنّ الأزمة السورية ليست فقط داخلية ولا تقتصر على التغيّر المناخي، إذ أن البعد الجيوسياسيّ للمياه يفاقم الوضع. تركيا، التي تتحكّم في منابع نهر الفرات عبر السدود، تؤثر بشكل مباشر على كميّة المياه المتدفّقة إلى سوريا، في حين أنّ الاحتلال الإسرائيلي في هضبة الجولان يحدّ من قدرة البلاد على الاستفادة من مصادر المياه الاستراتيجية في الجنوب. هذه العوامل تجعل من إدارة الموارد المائية تحدّياً معقّداً يتطلّب حلولاً متوازنة بتعاون دولي وإقليمي.
بالطبع، الحلول التقليدية والمساعدات قصيرة المدى لم تعد كافية، بل هناك حاجة ماسّة إلى استثمارات مستدامة تركّز على الطاقة المتجدّدة والبنية التحتية الخضراء. لذلك من الضروري أن تكون مشاريع إعادة الإعمار جزءاً من استراتيجية شاملة تتضمّن حماية البيئة وتمكين الفئات المُهمّشة، فالعدالة المناخية في هذا السياق ليست مجرّد مفهوم نظريّ، بل إطار عمليّ لتوجيه السياسات بحيث تكون أكثر نفعاً.
العدالة المناخية، كما تعرّفها الدراسات، تعني توزيع أعباء المناخ ومنافعه بشكلٍ عادل بين الأفراد والمجتمعات والدول، مع مراعاة الفئات الأكثر تعرّضاً للأضرار. في سوريا، النساء مثلاً في المناطق الريفية يتحمّلن أعباءً إضافية نتيجة نقص المياه والموارد، حيث يقمن بجمع المياه، رعاية الماشية، والعمل في الزراعة في ظروف صعبة للغاية. لذا يُعتبر إشراك تلك الفئات في تصميم المشاريع البيئية والتخطيط لإعادة الإعمار يُعد خطوة حاسمة نحو تحقيق العدالة البيئية.
من منظور عمليّ، هذا يعني أن استراتيجيات التكيّف الزراعي يجب أن تتبنّى تقنيات مقاومة للجفاف، مثل استخدام نظم ريّ حديثة تقلل من الهدر. كما يجب أن يشمل الاستثمار في الطاقة مشاريع متجدّدة تسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتدعم المدن المستدامة، لتكون بيئة معيشيّة قابلة للتحمّل على المدى الطويل. تعزيز هذه المبادرات يتطلّب حواراً إقليمياً نشطاً مع الدول المجاورة لضمان تدفّق المياه بشكل عادل، ويستدعي أيضاً إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في التخطيط والتنفيذ على حدٍّ سواء.
الطريق ليس سهلاً. البنية التحتية المدمّرة بعد سنوات الحرب، العقوبات الدولية، وتحدّيات التمويل، كلّها عوامل تجعل من الصعب تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس بسرعة، لكن، مما لا شكّ أن دمج العدالة المناخية في إعادة الإعمار يوفّر فرصة لتجنّب تكرار الأخطاء السابقة التي أدّت إلى استنزاف الموارد وزيادة الفقر والهجرة الداخلية، وبالنظر إلى تجارب مماثلة، يتّضح أن إعادة الإعمار بعد النزاعات يمكن أن تكون فرصة لإعادة تصميم البنية التحتية بطريقة أكثر صموداً واستدامة. ففي جنوب السودان مثلاً، استُخدمت مشاريع الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء للمجتمعات الريفيّة، مع مراعاة ظروف النزاع والصراع. هذه التجربة وغيرها تُظهر أن الاستثمار الذكيّ يمكن أن يكون أداةً لتحقيق التنمية المستدامة، حتى في بيئاتٍ صعبة ومعقّدة.
كما أنّ العدالة المناخية تمتدّ إلى ما هو أبعد من حدود الدولة، لتشمل العدالة بين الأجيال، فحماية حقوق الأجيال القادمة في بيئة صحيّة وآمنة يتطلّب اعتماد سياسات مستدامة اليوم، بحيث لا تصبح الموارد الطبيعية أكثر ندرة في المستقبل. هذا يشمل المياه، التربة، والغابات، التي هي أساس الحياة الزراعيّة والاقتصادية للبلاد.
في سوريا ما بعد الأسد، يتمثّل التحدي الحقيقيّ في الربط بين الالتزامات الدولية والواقع المحليّ. لا يكفي الإعلان عن الالتزام بالاتفاقيات الدولية كما أشار الشرع في كلمته، بل يجب أن يترافق ذلك باستراتيجيات واضحة للتنفيذ، وتمويل كافٍ، فضلاً عن آليات محاسبة دقيقة. يجب أيضاً، بالإضافة إلى ما سبق، أن تكون برامج إعادة الإعمار قابلة للقياس، بحيث يمكن تقييم مدى التزامها بالعدالة المناخية، وعدد المشاريع التي تستهدف الفئات المهمَّشة، ونسبة الطاقة المتجددة المطبّقة في كل مشروع.
أخيراً، لا بدّ من التشديد على أنّ أزمة الجفاف في سوريا ليست مجرّد تحدٍّ بيئي، بل امتحان لقدرة الحكومة والمجتمع الدولي على دمج العدالة المناخية في سياسات التنمية والإعمار، بحيث يمكن من خلال ربط الالتزامات الدولية بالواقع المحلي أن تتحوّل سوريا من الدمار والمعاناة إلى نموذج لإعادة الإعمار المستدامة؛ نموذج يحمي البيئة، يدعم المجتمعات الأكثر ضعفاً، ويؤسّس لمستقبل أكثر عدلاً واستدامة.



