ليلى جروج –
يكاد لا يتوقّف العمل باتجاه دعم القضايا البيئية في سوريا، على الرغم من الإدراك المسبق للصعوبات التي تحيط بهذا الأمر، ومن بين المبادرات الجديدة التي لا تزال في طور الإطلاق، مشروع “تدوير-تك”، الذي بدأ بالفعل باستقبال طلبات التطوّع، في محاولة للبدء بتنفيذ الخطط والوصول إلى النتائج المعلن عنها، دون تجاهل التحديات الكثيرة.
يمكن لزائر صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمشروع أن يشاهد مجموعة من الرسائل التوعوية المنشورة، مثل ضرورة الاهتمام بالسماد المنزلي وإعادة تدوير البلاستيك وغيرها. صاحب الفكرة ومؤسس المشروع، عبد العزيز الدريد، يوضح لمجلة لحلاح أن “تدوير-تك” يُعنى بإعادة تدوير النفايات وإدارتها، عبر تقنيات موجودة داخل سوريا أو غير موجودة بعد، ويضيف: “نسعى لأن نتمكّن مستقبلاً من إدارة النفايات واستخراج الطاقة منها أو إعادة استخدامها، فالمشروع الآن قيد الانطلاق، ليحاول البحث عن مكان أكثر أمناً، ويساهم في تحقيق العدالة البيئية”.
سيبنى المشروع، بحسب الدريد، على التعامل مع المجتمعات المحلية، وعلى جيل الشباب، منوّهاً إلى أنّ “المشروع لن يغيّر سوريا في ليلة وضحاها إلى دولة خضراء بيئية، لكن هذا لا يعني التوقف عن السعي والمحاولة.. المشروع سيحاول النهوض تدريجياً من العمل على بناء الفكر البيئي، وصولاً إلى أهم الجوانب وهي تأمين فرص عمل حتى ولو كانت ضيقة النطاق”.
تعتبر دراسة الدريد للكيمياء ومتابعة مرحلة الدراسات العليا والهندسة الكيميائية خلال مرحلة الدكتوراه بذات الاختصاص أحد دوافعه لتأسيس هذا المشروع، إلى جانب واجبه تجاه المجتمع والبيئة والأرض والمكان الذي خرج منه. يقول: “تشكّل الحالة البيئية المزرية للمنطقة بشكل عام، وفقدان الأمن البيئي والعدالة البيئية للأجيال الحالية والقادمة، أحد أهم الدوافع للعمل على المشروع”.
أهداف المشروع
يهدف المشروع إلى العمل على تغيير السلوكيات الجمعية للمجتمع السوري في الأمور التي تخصّ إدارة النفايات والأمن البيئي بشكل عام. “بالتأكيد لن نخاطب الناس بطريقة قد يعتبرونها رفاهية أو كلام فارغ، بهذه الحالة سنقابل بالرفض”، يبيّن الدريد ويتابع: “الحديث عن القيم البيئية من الأحاديث الحساسة التي تتطلّب انتباهاً للطريقة المستخدمة، لأن فهم الآخر للمواضيع يرتبط بطريقة عرضها”.
سيعتمد المشروع على عدة طرق لتحقيق هذا الهدف؛ منها الزيارات الميدانية للمتطوعين، ونشر فيديوهات قصيرة عبر الإنترنت تقدّم معلوماتٍ بسيطة، “كما سنعمل على إدخال فكرة ’’صفوف أونلاين’’ لربات المنازل، للعمل على تغيير السلوكيات السورية انطلاقاً من المنازل، مثلاً استخدام الزجاج بدلاً من البلاستيك لصناعة المخللات”، يقول الدريد.
يتمثّل الهدف الثاني للمشروع في الضغط على الجهات المعنية، سواء أكانت وزارة أم حكومة أو أي جهة معنية بسنّ القوانين وتشريعها، بهدف العمل على قوانين تؤمّن بيئة تُدار فيها النفايات بشكل آمن.
بينما الهدف الأبعد والأسمى بالنسبة لعزيز الدريد، والذي يتطلّب يداً عاملة ودعماً مادياً، فهو العمل على استغلال النفايات، وألا يقتصر الأمر على توعية الناس، ومطالبة الحكومة بالتشريعات، بل العمل على استغلال النفايات بشكل حقيقي، يقول: “عبر العمل مع الأشخاص الذين يعملون أصلاً في هذا المجال، واختيار موقع لنتمكّن من الفرز الصحيح، يمكن نقل هذه النفايات إلى حالة أخرى، التي قد تكون طاقة، أو إعادة استخراج مواد أولية منها”.
التمويل على رأس قائمة التحديات
يشكّل إقبال الناس على العمل التطوعي خلال الفترة الحالية تحديّاً كبيراً، فالوضع المعيشي الصعب يدفع الناس للبحث عن فرص عمل مأجورة، أكثر من الفرص التطوعية، كما أن الافتقار إلى كوادر بشرية في اختصاصات مختلفة يعدّ أيضاً عائقاً أمام نمو الفريق. يرى الدريد أن الاختصاصات القانونية أو البيئية من شأنها أن تساهم في رفع قوة المشروع على مختلف المستويات، كما أن عدم استقرار الحالة العامة في سوريا يشكّل تحدياً كبيراً أيضاً.
يحاول الدريد تدارك مشكلة التمويل عبر التقديم على المنح، لكن هذا الأمر يتطلّب تسجيل المشروع كجمعية داخل سوريا، “وهو ليس بالأمر الصعب اليوم، فأمور ترخيص الجمعيات واضحة”. كما يضع خططاً مستقبلية ليتحوّل المشروع إلى التمويل الذاتي خلال فترة من الزمن. يقول الدريد في هذا السياق: “سنسعى إلى إنشاء شراكات على الأرض، وإلى صناعة منتجات محدّدة، أو بيع خدماتنا إلى شركات أخرى قد تحتاج خدمة تتعلق بإدارة النفايات”، ويردف: “لا نحبّذ البدء بالعمل بطريقة عكسية، في البداية يجب بناء اسم المشروع عبر تمويل أو منح من هيئات تعنى بالبيئة وتتابع النتائج على الأرض”.
يعوّل مشروع “تدوير- تك” على الانتشار وضمان الوصول إلى الناس، وبناء الثقة معهم للتواصل مع المشروع للتطوّع، ورفع الوعي الجمعي السوري بضرورة فرز نفاياتهم المنزلية الخاصة، وبناء قاعدة شعبية للمشروع في سوريا.
لكن؛ تبقى مسألة محدودية التمويل، وعدم وضوح طرقه، مع تهميش الجمعيات والمشاريع البيئية العاملة على الأرض داخل سوريا من تمويل المنظمات الدولية، وعدم إدخالها ضمن الخطط السنوية لها، أحد أشدّ التحديات خطراً على هذه الأعمال، لأنها تهدّدها بالإيقاف، في الوقت الذي تبدو فيه سوريا بأشد الحاجة لمبادرات مماثلة.




