ليدا زيدان –
تمتلك نبتة الحنّاء (الحنّة بالعامية) تاريخاً مميزاً في بلادنا، إذ أنها ترتبط بشكل وثيق بالعادات والتراث الثقافي كرمز للزينة والجمال، فقد اعتادت أمهاتنا وجداتنا على إجراء طقوس خاصة، تُعرف بـ”حفلة الحنّة” في اليوم الذي يسبق يوم الزفاف: على وقع الدفوف والأغاني الشعبية، يجتمع أهل العريس في بيت العروس، وتبدأ طقوس الحنّة التي تستخدمها النساء في الرسم على يدي العروس، لأنها في كثير من الثقافات الشرقية، ترتبط بالجمال والخير والحماية والاحتفال والفرح والأنوثة والاتصال الروحي بين الزوجين.
عبر التاريخ اكتسبت هذه النبتة مكانة خاصة، وأصبحت معادلاً للفرح، ولا تتوقّف استخداماتها عند هذا الحدّ، فالعديد من النساء يستخدمنها كمادة طبيعية لتلوين الشعر، وما زالت متداولة في مجتمعاتنا حتى الآن.
فوائد بيئية وتجميلية
تُعدّ نبتة الحنّاء من الأشجار الصغيرة أو الشجيرات دائمة الخضرة التي تمتلك أزهاراً صغيرة ذات رائحة عطرة، ومن الممكن أن يكون لونها أبيض أو وردياً فاتحاً، ولها فوائدها العلاجية والتجميلية، وكغيرها من النباتات تلعب دوراً في التوازن البيئي وحماية التربة من التصحّر ومنع انجراف التربة، كما أنها تُعتبر من النباتات المقاومة للجفاف والظروف المناخية القاسية والحرارة.

يُستخدم الحنّاء بشكل أساسي بهدف التزيين من قبل النساء، حيث تضعه النساء في بعض الثقافات على كفوفهن قبل الزواج، ويربطن أيديهن بقماش لتثبيته حتى اليوم التالي، كما يرسمن النقوش والوشوم على الوجه واليدين.
كذلك يعتبر الحنّاء من المواد التي تُستخدم لتلوين الشعر، وكانت النساء قبل انتشار التجميل والصبغات الكيميائية تعتمد عليه بشكل كبير في تغيير ألوان شعرهن، واستمرّت هذه العادة لفترة طويلة، قبل أن تبدأ بالاختفاء في السنوات الأخيرة.
ياسمين الحسين، التي تقيم في ريف القامشلي، تمتلك موهبة في الرسم، ثم بدأت باستخدام “الحنّة” للتعبير عن فنها. تقول لمجلة لحلاح: “بدأت بالرسم بالحنة على أيدي الفتيات في المناسبات، وكان ذلك بالنسبة لي امتداداً لشغفي بالفن الذي يرافقني منذ طفولتي ومع الوقت أصبح هذا عملي”.
اضطرت ياسمين للتوقف عن عملها بسبب زواجها وإنجابها، وبعد أن أصبحت أماً لأربعة أبناء عادت لتمارس المهنة بشكل مختلف، وتوضح: “الرسم بالحنة أصبح مصدر رزق لي، إذ أنني أعمل في مركز تجميل يعود لإحدى السيدات وذلك بسبب عدم قدرتي على فتح مركز خاص بي، واختصاصي هو الرسم بالحنّة بحسب طلبات الفتيات”. تبدأ أسعار الرسم بالحنة من 25 ألف ليرة سورية وقد تصل إلى 500 ألفا، وتختلف بحسب الطلب، ورغم انتشار الوشوم الحديثة إلا أن بعض الفتيات ما زلن يفضلن الرسم الرسم بالحنة على أيديهن واستخدامه لتلوين شعرهن.

صبغة طبيعية بألوان محدودة
عن الفروقات بين الحنّاء كمادة لتلوين الشعر والصبغات الكيميائية، يقول الدكتور الصيدلاني، سمير أبو عيطة: “تعتبر الحنّة من الناحية الصحية أفضل للشعر من الصبغات الكيميائية، لكن مؤخّراً بدأت تظهر صبغات جديدة لا تحتوي على الأمونيا تقريباً مثل الحنّة. لا يمكننا الجزم أيّهما أفضل، هناك أشياء طبيعية جيدة وأيضاً أشياء مصنّعة كيميائياً جيدة كذلك الأمر”.
أما عن أسباب تراجع استخدامات الحنّاء كمادة لتلوين الشعر يضيف أبو عيطة لمجلة لحلاح: “لا نستطيع أن نعود إلى الطبيعة في كلّ شيء لأن العلم يتطوّر وهناك دوماً ما هو جديد في علم الكيمياء”، ويضيف عن رأيه بمادة الحنّاء: ” بالأساس جداتنا وأمهاتنا استخدموا الحنّاء قبل تواجد الصبغات وكانت صحية جداً ولا تحتوي على مواد كيميائية، كانوا يلوّنون الشعر إمّا بالأسود أو الأحمر أو البني، لكن اليوم هناك فتيات يرغبن بألوان مختلفة، لذلك نرى التوجّه للصبغات الكيميائية أكبر”.

كما تحدّث الدكتور أبو عيطة عن التأثيرات السلبية والإيجابية للحنّاء والصبغات الكيميائية، مبيّناً أن التأثيرات تختلف بحسب الشخص: “كل حالة لها خصوصيتها، قد تؤدي مادة لنتائج ناجحة جداً مع شخص لكنها تفشل مع شخص آخر. هذا الشيء له علاقة بالبشرة، ومن هنا تأتي أهمية استشارة طبيب الجلدية”.
كذلك يؤكد العيطة على أن الأفضلية تبقى لكل ما هو طبيعي، مزكداً على أنه “لا شك في أن الصبغات الكيميائية ذات تأثير سلبي، إذ تدخل فيها مادة الأوكسيدان، وهي مادة كيميائية يمتصّها الجلد وتترك آثاراً سلبية، لكن ذلك يختلف ذلك من شخص لآخر”.
صناعة منزلية لاستخدامات متنوعة
تشرح السيدة سامية، التي تجاوزت الخمسين من العمر، لمجلة لحلاح كيف تقوم بصناعة “الحنّة” منزلياً، حيث يتم جمع أوراق نباتات الحنّاء في موسم الربيع إذ تكون بأفضل حالاتها، وتُنشر على قطعة قماش في مكان جاف دون تعريضها للشمس بشكل مباشر، وتستمر عملية التجفيف لخمسة أيام كحد أقصى، ثم يتم تكسيرها وتحويلها لقطع صغيرة ومن ثم تُطحن الأوراق لتتحوّل إلى مسحوق ناعم يسهل استخدامه.
تؤكد سامية من واقع خبرتها أن “الحنّة” تفيد في علاج الشعر، لأنها تساعد في تقويته وتحسين نموه، كما تعتبر مادة مضادة للبكتيريا والفطريات.
في بعض المجتمعات المحلية، تُستخدم “الحنّة” في معالجة التهابات الجلد، بالإضافة إلى الجروح والحبوب، كذلك تُستعمل كمهدئ لألام الرأس عن طريق وضعها على المنطقة الجبهية لتخفيف الألم.
مؤخّراً أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” نبتة الحنّاء والتقاليد المرتبطة بها في 16 بلداً عربياً في قائمة التراث غير المادي.



