هل ’’المونة’’ السورية مهددة أيضاً؟

ليلى جروج

يعدّ تخزين المؤن الموسميّة أحد طرق حفظ الطعام التي توارثها السوريون عن أجدادهم، إذ لا تكاد تخلو منطقة سورية من طقوسها الخاصة في صناعة المؤن وتخزينها. 

يتوجّه العاملون في هذه المهنة اليوم إلى تسويقها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن أمامهم قائمة ليست قصيرة من التحديات، فقد ترافقت الصعوبات التقنيّة مع موسم الجفاف الذي ظهر تأثيره بشكل  واضح في سوريا هذا العام، وانفتاح السوق على البضائع الجديدة، واعتماد البيوت البلاستيكية التي تؤدي الى انتشار الخضروات، حتى الموسميّ منها، طوال العام.

من جهة أخرى لا يمكن إهمال الجانب البيئيّ لصناعة المؤن التي تخفّف من هدر الطعام، وتعدّ أحد أهم أشكال إعادة التدوير، عدا عن أنها محفوظة بطريقة طبيعيّة، وتشكّل أساساً ضمن المنزل يخفف من استهلاك المواد المُعلّبة أو الضارة.

تعتمد صناعة “المونة” في سوريا على تحويل الخضروات والفاكهة المزروعة محليّاً إلى مواد قابلة للاستخدام لاحقاً في فصل الشتاء، وهي بحسب مؤسسة مشروع ياسمين للمنتجات الطبيعية، ياسمين الماغوط، صديقة للبيئة، لأنها تعتمد على الإنتاج المحليّ والموسميّ أولاً، وتقلّل من الاعتماد على المواد المستوردة والمعلبات ثانياً، كما تعتمد على المحاصيل الطبيعيّة الخالية من الأسمدة الكيميائيّة والمواد الضارة بالبيئة، إذ تركز في مشروعها على الاستدامة، وتوضح: “نستخدم عبوات قابلة لإعادة الاستخدام، كما اعتمدنا على إعادة التدوير”، وبهذا يتحقق دمج مثاليّ بين الغذاء الصحيّ الآمن بيئيّاً، وبين الاستدامة وتقليل استخدام البلاستيك والمواد الأُخرى التي تضرّ بالأرض والطبيعة.

أما حول مواكبة المهنة لمتطلبات العصر الحديث، ترى الماغوط أن المونة كانت ضرورة في الماضي لحفظ الأغذية بسبب عدوم وجود أجهزة التبريد، أما اليوم فهي خيار ورفاهيّة بنظر البعض، حيث تغيّرت أولويات الناس مع صعوبة وغلاء تحضيرها، ففي الماضي كانت ضرورة للبقاء وحفظ الطعام لوقت نفاده، لذا يختلف الأمر باختلاف طلبات الناس، فمنهم من يبحث عن المنتجات الصحيّة والعضويّة، وبعضهم يهتمّ بالنكهة، والبعض يبحث عن سبل سهلة لتحضيرها في المنزل، ومع إغراق الأسواق بالمنتجات المصنّعة برز دور مواقع التواصل الاجتماعيّ التي فتحت باباً واسعاً أمام الناس لتسويق لمنتجاتهم، وساعدتهم على تجاوز حدود المنطقة المحلية. تقول الماغوط في هذا الصدد: “أصبحت هناك إمكانية للوصول إلى مدن ومناطق مختلفة، وأحياناً حتى لزبائن خارج سوريا”، ما أعطى فرصة أكبر لنشر فكرة المنتجات الطبيعيّة، وتشجيع الناس على العودة للمونة، كما قلّل من كساد وتلف المنتجات في حال لم ينجح تسويقها محليّاً.

بدورها تؤكد اختصاصية التغذية، تهامة الخازم، التي تعتمد على أراضي مصياف لإنتاج المواد الطبيعيّة والعضويّة، على أنه في زمن “الميديا” ازداد وعي الناس بما يخصّ المواد الصحيّة والعضويّة، إذ باتوا أكثر إدراكاً للفرق بين ما تنتجه الشركات من منتجات قد تحوي مواد حافظة، وبين المنتجات المجففة بالشمس أو المحفوظة باستخدام الملح الصخريّ، “وأصبح التسويق أقوى باستخدام كلمات مثل مواد عضويّة أو أورغانيك”.

أثّر الجفاف الشديد الذي شهدته سوريا هذا العام على المواسم الزراعيّة بشكل عام، ما انعكس على عمل المزارعين، بما في ذلك يعملون في بيع منتجات المونة. ترى زهور جبر، وهي مؤسسة أحد المتاجرالإلكترونيّة التي تختص ببيع منتجات المونة، أن الجفاف أثّر بشكل كبير على المحاصيل، إذ لم يحصل المزارعون على فرصة لزراعة مساحات واسعة بسبب ارتفاع التكاليف، ما انعكس سلباً على ارتفاع أسعار المنتجات بسبب قلّة الإنتاج من جهة ورداءة النوعية من جهة أُخرى. 

أما عن تأثُّر العمل بسبب البيوت البلاستيكية وتواجد الخضار طوال العام، تقول جبر، التي تعتمد على منتجات منطقة سلمية في متجرها: “ببساطة لا تخدم منتجات البيوت البلاستيكية ما يستخدمه الناس للمونة كالملوخية والمكدوس، ولا تغطّي الحاجة الموجودة، كما أنها لا تعدّ بديلاً عنها خلال أيام الشتاء”.

بدورها ترى الخازم أن الجفاف شكّل عبئاً على المزارعين من حيث القدرة على تأمين المياه، وبالتالي عبئاً على التجار، ما أسفر عن زيادة الأسعار على المستهلك، وتنقل تجربتها الشخصيّة مع العملاء لمجلة لحلاح: ” لا أحد يفضّل منتجات البيوت البلاستيكية أو “الأنفاق” بلغة المزارعين، فهي ليست بديلاً عن المنتجات الموسميّة، ولم يكن لها أي تأثير على عملي، بسبب الاعتماد على المواسم في أراضي المنطقة، يعني التين في وسمه، والفليفلة في موسمها، فالمونة لا تصلح بخضار أو ثمار بلاستيكيّة، والسوريون يفضّلون الطعم الأصليّ”. 

من جهتها توّضح ياسمين الماغوط تأثير الجفاف هذا العام على تكاليف المؤن الغذائية، مثل المجففات التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير بسبب قلّة المياه، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الزراعة، ما أثر على الأسعار النهائية، فإنتاج كميات بعض الثمار هذا العام  مثل التين واللوز والجوز وغيرها أقل من السنوات الماضية بكثير، ولا يلّبي الطلب في الأسواق. بالمقابل؛ لم يتشكّل الوعي الكافي بهذه الصعوبات، وفهم الصعوبة التي تترافق مع تأمين مواد طبيعية نظيفة وعضوية رغم هذه الظروف، ما أثّر على الطلب، الذي لم ينعدم ولكنه بات أكثرحذراً، بالإضافة إلى الاستيراد غير المنضبط، إذ أن توافر منتج مستورد رخيص وبجودة قليلة يؤثر على تسويق المنتج المحليّ.

أما فيما يتعلق بوجود الخضار والفواكه طوال العام بفضل البيوت البلاستيكية فترى الماغوط أن هذا الأمر غيّر قليلاً من عادات الناس، إذ “صاروا أقل التزاماً بالمواسم، لكن بالنسبة للمونة ما زالت طقساً أساسياً في البيوت السورية”. 

لا تقتصر تحديات العمل على الجفاف هذا العام فقط، بل تخفيض كميات التخزين للعائلة الواحدة، وعدم توافر دخل ثابت لدى شرائح واسعة من السكان، بحسب زهور جبر، التي تحدثت لمجلة لحلاح عن بعض الصعوبات والتحديات التي يواجهها العاملون في صناعة وتخزين المواد الغذائية، والتي تبدأ بارتفاع أسعار المواد الأوليّة، وعدم توافرها بالجودة المطلوبة، وكثرة المنافسين في الأسواق، وعدم توافر رأس مال، ويُضاف إلى ذلك قلّة الجهات الداعمة والمموّلة للمشاريع المنزليّة، على الرغم من وجود ورش صغيرة تقدّم إنتاجاً ذو قيمة عالية، كما أن الاعتماد على المعدّات البدائية يؤثّر على كميات الإنتاج وعلى وقت تسليم الطلبيات، وتردف: “يأخذ تجفيف الملوخية أو التين بالشمس من أربعة إلى خمسة أيام، عدا عن آلية العمل؛  ففي الريف نعتمد على الحطب وليس الغاز، أما في مناطق أخرى ترتفع الأسعار بسبب الاعتماد على الغاز في عمليات طهي المربى أو سلق الباذنجان”، وتضيف جبر أن المنافسة في السوق غير عادلة لأن المنتجات المنزلية الحقيقية تكون غالية الثمن مقارنة بالتجارية، “حيث يصل سعر الفليفلة النظيفة إلى 85000 ليرة سورية، بينما المخلوطة بالملح وقشور البندورة قد يكون سعرها 35000 ليرة، فيتطلب هذا الأمر سوقاً يعرف قيمة المنتجات الطبيعية وأهميتها”.

بدورها ترى ياسمين الماغوط أن المواد التي تُستخدم للمونة بحاجة إلى أن تكون ذات جودة عالية، وهذه المواد صعبة التأمين اليوم لأن الزراعة تواجه صعوبات مثل الجفاف وعدم توّفر تسهيلات كالمحروقات والبذور الجيدة، إضافة إلى ظهور المنتجات التجارية المستوردة أو المعلّبة محليّاً، وإن كانت أقل جودةً، ما يجعل أبرز الصعوبات هو ارتفاع أسعار المواد الأوليّة، وصعوبة النقل والشحن، وتضيف: “لهذا نحاول أن نسوّق للمنتج المحلّي الذي دخل في منافسة غير عادلة مع منتجات تجارية مغلّفة بشكل جذّاب لكن جودتها أقلّ، لذلك اعتمدنا على التغليف بطرق صديقة للبيئة”.

تشير الماغوط إلى أن هذه المهنة قد تكون مهدّدة إذا لم تحصل على دعم حقيقيّ يتجاوز المبادرات الفرديّة لرعاية ودعم المزارعين والسيدات العاملات، “لكن في الوقت ذاته هي طقس مستمر، لأن الناس ترتبط عاطفيّاً بهذه العادات”، أما الحفاظ على الجودة والمواد التي فعلاً مصدرها الأرض ومزروعة بشكل آمن للإنسان والبيئة، فيتطلب وجود سياسات تدعم هذا الأمر من جهة وتأخذ بعين الاعتبار حماية البيئة أيضاً. 

“تعدّ صناعة المؤن السنوية جزءاً من الحفاظ على التراث السوريّ”، تقول الخازم، التي تشيد بدور النساء في توارث هذه العادات والخبرات بجودة وإتقان للعمل، إذ حافظن عليها إلى أن أصبحت اليوم عملاً من المنزل للناس، ومصدر رزق لهم. كما تؤكّد على الاختلاف بين المدن والمناطق السورية من حيث نوعية الثمار، “فمثلاً التين الموجود في مصياف يختلف جداً عن التين الموجود في دمشق من حيث جودة الثمرة وحلاوتها وخصوصاً للمربيات”، وتلعب البيئة المناسبة لكل شجرة أو شتلة دوراً كبيراً في نوعيتها.

أما ياسمين الماغوط فتقول لمجلة لحلاح: “تحضير المونة ليس طريقةً لحفظ الغذاء، بل شكل من أشكال التراث السوري اللامادي الحيّ والمتناقل عبر الأجيال، كل وصفة فيها حكاية وذاكرة وطريقة انتقلت بخبرة سنين من العلاقة مع الغذاء والأرض، وكانت خلاصة لفهم عميق لاحتياجات الجسد”. 

تجدر الإشارة إلى أن النساء هن العمود الفقريّ لهذه العملية، والمسؤولات عن نقل المعرفة والخبرة، حيث يحوّلن صناعة المؤن من عملية تحضير غذاء إلى طقس عائليّ واجتماعيّ وأحياناً احتفاليّ، مثل مواسم القمح والمكدوس، “كنت حريصة بمشروعي على توثيق الطرق الأصلية لتحضير المؤن وتجميعها من أكثر من مصدر من السيدات الأكبر سناً من مناطق مختلفة”، تقول الماغوط.

في النهاية، وعن تميّز كل منطقة سوريّة بطرق حفظ المؤن، ترى الماغوط أن امتداد سوريا على مناطق متنوّعة بطبيعتها، وأنواع الغطاء النباتيّ والثروة الحيوانية فيها، أدّت إلى تميّز كل منطقة بمنتجاتها، “مثلاً الساحل السوريّ غني بالزيتون والعسل ومربيّات الحمضيات والمكدوس والحبوب والبرغل إضافة إلى الفواكه المجففة، أما الشمال فمشهور بالفستق الحلبيّ والقمحيات، والجنوب بالعنب والفواكه المجففة والمربيات، والوسط بالمجففات والفريكة وغيرها”، حتى طرق الحفظ تختلف تبعاً للمناطق وبيئتها، فهناك مناطق تفضّل التجفيف، ومناطق التمليح أو التخليل، بالإضافة إلى الحفظ بالتبريد والتفريز، “وهذا التنوّع هو سرّ جمال المونة السورية وويحافظ على المائدة ملوّنة وغنيّة”.

Scroll to Top