تراجع الزراعة في شرقي سوريا بسبب النزوح والجفاف والبناء العشوائي

في عمر السبعين، يقف صالح الخليل متأمّلاً الأرض التي كانت يوماً مصدر رزقه وعزّته في دير الزور؛ كان يزرع مئة دونم من القمح وخمسة وخمسين دونماً من القطن، وكانت مياه نهر الفرات تجري بسخاء لتعطي الأرض الحياة، وكانت تتوفّر الأسمدة بأسعار معقولة تساعده على العناية بمحاصيله. لم تكن الزراعة بالنسبة له مجرد مهنة، بل حياة وأملاً. كان ينتج ما يكفي أسرته ويبيع الفائض في السوق ليعيش هو وأبناؤه حياة كريمة.

لكن، بعد سنوات الحرب والنزوح القسري من مدينته، تغيّر كل شيء. تحوّلت الأرض الخصبة إلى قاحلة، وانقطع الماء الذي كان ينبوع حياته، وانهارت الأسواق التي كان يبيع فيها. اليوم يقف صالح مثقلاً بالحزن، لا يعرف كيف يروي لأبنائه السبعة وبناته الخمسة، ولأحفاده الثمانية، قصص الزراعة التي كانت تعني له كل شيء، يقول في صمت يقطر ألماً: “لم تعد في جعبتي قصص أرويها لهم، فقد تراجع كل شيء، وبقي الحزن رفيقي”.

بحسب تقديرات لجنة الزراعة في القامشلي، بلغت المساحات المرخصة لزراعة المحاصيل في شمال وشرق سوريا نحو 6.2 مليون دونم، غير أن هذا العام شهد تراجعاً كارثياً في النشاط الزراعي، حيث لم تُزرع سوى 30% من المساحات القابلة للحصاد، بينما تلفت 70% من الأراضي البعلية جراء الجفاف، وصف الفلاحون هذا الموسم بـ “الصفر”، نظراً لعدم إنتاج العديد من الحقول أي محصول.

تشير التقديرات المحلية إلى أن إنتاج الدونم الواحد من القمح كان يبلغ سابقاً نحو 400 كغ، إلا أنه اليوم لا يتجاوز 250–300 كغ، بينما انخفض إنتاج القطن من أكثر من 500 كغ/دونم إلى أقل من 350 كغ في أفضل الحالات. هذا التدهور الحاد يعكس تداخل عدة عوامل، منها الحرب، النزوح، الجفاف، والبناء العشوائي، ما أثر بشكل مباشر على معيشة السكان والأمن الغذائي في محافظتي دير الزور والحسكة.

منذ بداية العمليات العسكرية في عام 2011، تعرّضت البنية التحتية الزراعية في مناطق ريف دير الزور لتدمير واسع النطاق أثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي، فقد طال القصف المكثف شبكات الري المرتبطة بنهري الفرات والخابور، والتي كانت تمثل العمود الفقري لتوفير المياه لمئات الآلاف من الهكتارات المزروعة، كما تضررت السدود والمضخات والآبار التي كانت تغذي الأراضي بالمياه الضرورية لاستمرار الإنتاج الزراعي، مما أدى إلى توقف الكثير منها عن العمل.

إضافة إلى ذلك، تعرّضت المعدات الزراعية والمخازن للقصف والنهب، ما زاد من حجم الخسائر التي مني بها الفلاحون، ووفقاً للبيانات المتوفرة، فقدت المناطق الريفية في دير الزور حوالي 60% من الآبار الارتوازية، وأكثر من 70% من شبكات الري، وهو ما يعكس حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية الزراعية، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة الفلاحين على الزراعة وإنتاج المحاصيل.

كما أن الألغام والقنابل غير المنفجرة التي تنتشر في مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية أدت إلى تلوث التربة وتدهور خصوبتها، وجعلت بعض المناطق غير صالحة للزراعة، سواء بسبب خطر المتفجرات أو لانعدام مصادر المياه، هذا الواقع دفع كثيراً من الفلاحين إلى التخوف من دخول حقولهم. يقول أحد فلاحي ريف الحسكة الشرقي لمحلة لحلاح: “في بعض المواسم كنا نضطر لترك المحصول دون حصاد، الخروج إلى الأرض كان مجازفة حقيقية، وكان لهذا الخوف وغياب الأمن أثر سلبي واضح على الإنتاج الزراعي، حيث أدى إلى تراجع النشاط الزراعي وهجرة العديد من الأراضي التي أصبحت عرضة للتدهور المستمر”.

شهدت محافظتا دير الزور والحسكة خلال سنوات النزاع تفريغاً سكانياً واسعاً في العديد من القرى الريفية، حيث نزح ما لا يقل عن 40% من سكان الريف الزراعي في الحسكة وحدها بين عامي 2012 و2019. هذا النزوح لم يكن مجرد انتقال للأفراد، بل كان فقداناً للأيدي العاملة الأساسية التي اعتمدت عليها الزراعة، وخاصة في المحاصيل التي تحتاج جهداً جماعياً، مثل القطن. مع تقلّص عدد العاملين في الحقول، ارتفعت الأجور بشكل حاد وصل إلى 300%، مما زاد من أعباء الفلاحين وأدى إلى انخفاض ملحوظ في النشاط الزراعي.

لم يقتصر أثر النزوح على نقص اليد العاملة، بل شمل أيضاً تحويل مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية إلى مناطق إقامة مؤقتة للنازحين، ففي محيط الحسكة، شُيّدت مخيمات على أراضٍ كانت مخصصة سابقاً لزراعة القمح، كما أشار أحد النشطاء المحليين من القامشلي. هذا التحوّل أدى إلى تغييرات جذرية في استخدام الأراضي الزراعية، وأثر سلباً على التوازن الاقتصادي والاجتماعي في تلك المناطق، حيث فقدت المجتمعات الريفية جزءاً كبيراً من نشاطها الزراعي، ما زاد من هشاشة الأمن الغذائي وتدهور سبل العيش.

شهدت مناطق شمال وشرق سوريا، ولا سيما منطقة المالكية/ديريك، تراجعاً غير مسبوق في الموارد المائية نتيجة تداخل عوامل طبيعية وسياسية، أبرزها الانخفاض الحاد في معدلات الهطول المطري، وقيام تركيا بقطع مياه الأنهار العابرة للحدود، ففي بعض سدود المالكية، لم يتجاوز التخزين المائي لعام 2025 نسبة 10–15% من السعة القصوى، بينما جف نهر الخابور بنسبة 80% تقريباً، ما انعكس بشكل خطير على الواقع الزراعي.

بين عامي 2018 و2021، جفّ نهر الخابور بشكل شبه كامل، فيما تراجع منسوب نهر الفرات بصورة حادة، مما دفع الفلاحين إلى الاعتماد المكثف على المياه الجوفية، هذا الاعتماد المفرط أدى إلى استنزاف الطبقات الجوفية، فجفت أو تملّحت العديد من الآبار، وزادت صعوبة الزراعة تكلفتها، خاصة في ظل غياب الحلول البديلة.

كما ساهم التغير المناخي في تفاقم الأزمة، حيث أدى اختلال مواعيد الأمطار وقصر مواسمها إلى إرباك الدورة الزراعية التقليدية، خصوصاً في زراعة القمح والشعير، ففي موسم 2022 مثلاً، لم يتجاوز متوسط إنتاج القمح في الحسكة 250 كغ للدونم مقارنة بـ 450 كغ قبل عام 2011.

ويمثل القمح المحصول الاستراتيجي الأهم في منطقة الجزيرة السورية، لكن موجات الجفاف والانحباس المطري أدت إلى تراجع كارثي في إنتاجه، ووفقاً لبيانات الهيئات الزراعية المحلية، انخفض إنتاج القمح في الحسكة من 805 آلاف طن عام 2020 إلى أقل من 210 آلاف طن في موسم 2024–2025، أي بتراجع يزيد على 74%، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي في المنطقة.

شهدت المناطق المحيطة بالمدن الكبرى في شمال وشرق سوريا، لا سيما دير الزور والقامشلي والحسكة، توسعاً عمرانياً غير منظم خلال سنوات الحرب والنزوح، حيث تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة إلى أحياء سكنية عشوائية. هذا التحول كان نتيجة مباشرة لتدفق آلاف العائلات النازحة إلى أطراف المدن، ما أدى إلى تجريف أراضٍ كانت تنتج مئات الأطنان من القمح والقطن سنوياً، لتُستخدم لاحقاً كمساكن مؤقتة أو دائمة.

غياب التخطيط العمراني ساهم في تفتيت الحقول إلى مساحات صغيرة لا تتجاوز أحياناً دونماً أو اثنين، ما جعل استثمارها بالآلات الزراعية غير مجدٍ، وأفقدها قيمتها الاقتصادية والإنتاجية، وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 15% من الأراضي الزراعية القريبة من المدن تحولت إلى سكن عشوائي بين عامي 2012 و2022.

إلى جانب ذلك، أدى شق الطرق الترابية وبناء المساكن وسط الرقعة الزراعية إلى تعطيل شبكات الري والصرف التقليدية، يقول مهندس زراعي في مديرية الزراعة بالحسكة: “شق الطرق وبناء البيوت وسط الأراضي عطّل قنوات الري القديمة”، هذا الوضع زاد من صعوبة إيصال المياه إلى الحقول، و فاقم من أزمة الجفاف والتصحر.

هذا التوسع العشوائي لا يمثّل فقط تهديداً مباشراً للأمن الغذائي، بل يشكّل تحولاً خطيراً في استخدام الأرض، حيث تفقد المنطقة تدريجياً توازنها بين الريف الزراعي من جهة والسكن غير المنظم من جهة أخرى، في ظل غياب سياسات حقيقية تعيد الاعتبار للأرض كمورد حيوي لا يمكن تعويضه.

مثلما يقف صالح الخليل، في عقده السابع، عاجزاً عن رواية حكاية أرضه لأحفاده، كذلك تقف الزراعة في الجزيرة السورية على شفا الاندثار، ما لم تُتخذ خطوات جدية وسريعة لحمايتها، فالزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي ذاكرة جماعية، وهوية ريف، وأمل أجيال قادمة. إن الزراعة في دير الزور والحسكة لا تحتاج فقط إلى مياه وأسمدة، بل إلى سياسة واعية، وإرادة إنقاذ، وإيمان بأن الأرض التي أعطت يوماً، ما زال فيها ما يستحق الحياة.

Scroll to Top