خالد العبود –
على الرغم من صغر بيتها، إلا أنه كان قصراً. جميع جاراتها أَجمعْن على ذلك، رغم الرفاهية التي كنّ يعشنها. لم يكن أيّ بيت في الحارة يخلو من شتلة ياسمينة من ياسمينات أم أحمد، ولا من “مجنونة” تتسلق برنداته، إلا وكانت من بنات “مجنونة” أم أحمد.
كانت تُحوِّل اللاشيء إلى شيء. تصنع البراويز والزخارف من مخلفات البلاستيك وحقائب الدعاية الملونة، ثم اشترت ماكينة خياطة من نوع سنجر، وأخذت تُعيد تشكيل الملابس القديمة أو التي تلفت أجزاء منها، بأناقة. ذات مرة، لبستُ من تصميمها معطفاً في مسرحية “أبو القاسم الطنبوري” في المدرسة. كان المعطف مصنوعاً من معطف نسائي قديم، وبالصُدفة كان لإحدى قريبات زميلتي. ضحكتْ حين رأته، لكنها صفقت لدوري طويلاً.
تذكرت كل هذا وأنا أتابع أخبار البيئة وتكريم الناشطين والناشطات مثل غريتا تونبرغ، التي يعني اسمها في الثقافة الأوروبية رمزاً للنقاء والجمال البسيط. بدأت غريتا إضرابها المدرسي في العام 2018 للمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة ضد التغير المناخي، لتُلهِم بعدها حركة “Fridays for Future” التي جمعت ملايين الشباب حول العالم.
في سوريا، نحن بحاجة لأمثال غريتا لا شك… لكننا بحاجة أكبر لأمثال أم أحمد. نساء مارسن حماية البيئة قبل أن تصبح “موضة”، ونشرن مفاهيم التدوير دون مؤتمرات أو تمويل. نحن بحاجة لهؤلاء كي يُشكّلن قوى ضغط حقيقية على السياسات، كما فعلت غريتا في صرختها الشهيرة أمام قادة العالم خلال قمة الأمم المتحدة للعمل المناخي في نيويورك عام 2019، حين قالت: “لقد سرقتم أحلامي وطفولتي بكلماتكم الفارغة”.
ربما نكون محظوظين، فنحن بصدد إعادة بناء كل شيء، بعدما ترك لنا النظام البائد وطناً “على العظم”. حان وقت البحث عن أمثال أم أحمد في القرى والمدن والأرياف السورية، لنتعلم منهن/هم، وندعمهن/هم، ونستعيد من خلالهن/هم علاقتنا الطبيعية مع الأرض.
وردة على قبر أم أحمد، التي غادرتنا بصمت في عام 2020.