هل بدأت الانتفاضة السورية بالمزارعين الأكراد؟

نادية أسعد / ترجمة لحلاح –

نُشرت هذه المقالة أولاً باللغة الإنجليزية في موقع مجلة حكاية ما انحكت، وتُنشر الترجمة العربية هنا بالاتفاق مع المجلة.

في أوائل عام 2011، وبينما كانت قوّات الأمن السورية تُطلق النار على المتظاهرين في مدينة درعا جنوباً، والمظاهرات الجماهيرية تعمّ أرجاء البلاد، خاطب الرئيس السوري السابق بشار الأسد شعبه بروايته المعتادة عن المؤامرة الخارجية. إلا أنّه، إلى جانب مزاعم الخيانة والتواطؤ مع دول أجنبية ، أعلن الأسد عن سلسلة من التنازلات للمنطقة الزراعية الشمالية الشرقية، ومن أبرزها إصدار قانون لإعادة الجنسية إلى الأكراد عديمي الجنسية في محافظة الحسكة، بعد عقود من تجرّيدهم منها في تعداد عام 1962. كما خفّض سعر الوقود (الديزل) بنسبة 25%، وهو الوقود المُستخدَم في ضخّ المياه الجوفية في الحقول التي لا تصلها الأنهار، ووعد بتعديل المرسوم 49 لعام 2008، الذي كان يشترط الحصول على موافقة أمنية من دمشق لإجراء معاملات العقارات في المناطق الحدودية. كان قد أدّى هذا المرسوم عملياً إلى حرمان الأكراد من السكن اللائق، ما أثّر بشكلٍ حاسم على حقوق الملكية المرتبطة بمعيشتهم وثقافتهم، بما في ذلك حقّهم في شراء وبيع وتوريث الأراضي.

جاء هذا التزامن الغريب بين الأسد والحكومة بعد ما لا يتذكره كثيرون: أنّ أوّل حراك واسع النطاق للانتفاضة السورية كان في شمال شرقي البلاد. 

في 17 كانون الأول 2010، أضرم البائع المتجوّل التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه، ليُنسب إليه الآن إشعال ما يُسمى بالربيع العربي، وفي 28 كانون الثاني 2011، استلهم حسن علي عقلة من البوعزيزي وأضرم النار في نفسه في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا. رغم أنّ احتجاج عقلة لم يلقَ اهتماماً يُذكر، إلا أنّ احتجاجات صغيرة وإضرابات عن الطعام أعقبت ذلك في الشمال الشرقي، مطالبةً بالإصلاح وإلغاء حالة الطوارئ. وفي 12 آذار 2011، خرج الآلاف في مسيرات بشوارع الحسكة لإحياء الذكرى السابعة للانتفاضة الكردية، يوم الشهداء الأكراد، والاحتجاج على حكومة الأسد؛ قبل أيّام قليلة من 18 آذار الذي شهد تحوّل الانتفاضة إلى ثورة شاملة على مستوى البلاد.

«…قال بشار الأسد شيئاً عن منح الأكراد الجنسية وإلغاء القانون رقم 49… لأن الجميع في سوريا توقّعوا أن يكون الأكراد وهذه المنطقة هم من سينتفضون. لذا كان الأكراد أوّل ما تحركت [الحكومة] لمعالجته، «دعونا نحل القضية الكردية حتى نتمكن من التوصل إلى نوع من التسوية معهم»…» – هوشنك، مزارع كردي من الحسكة.

ردّ الأسد على الاحتجاجات قد لامس ما أغفله عقد من الجدل المحتدم حول المناخ والصراع. ففي سوريا، تتشابك القضية العرقية والقضية الزراعية تشابكاً وثيقاً، وهما معاً عنصران لا غنى عنهما لاستقرار شمال شرقي البلاد، بل ولسوريا بأكملها.

“بالنسبة لنا هنا في الشمال الشرقي، وخاصةً بالنسبة للأكراد، فقد عارضنا النظام بشكل عام، سواءً في عهد حافظ الأسد أو بشار الأسد. بعد عام 2004، اشتدّ الموقف بشكل كبير ضد النظام… حتى قبل اندلاع الاحتجاجات في أماكن أخرى، كانت هناك محاولات هنا في الشمال ومناطق أخرى، وكان الشباب مصممين على التحرك والخروج [للاحتجاج]، لكن النظام تجنّب السماح بتصعيد الأمور إلى مواجهة واسعة النطاق هنا. أتذكر أننا خرجنا، وتظاهرت مجموعة كبيرة منا، لكننا لم ندفع الأمر إلى حدّ إثارة انفجار عنيف، لأنه كان هناك بالفعل مضايقات من النظام، وكان الشعور السائد هو أنه إذا اندلع هذا الأمر بالفعل، فسنواجهه نحن الأكراد وحدنا” – إيمان، مزارعة من الشمال الشرقي

يقول  خلف، وهو عضو في إحدى منظّمات المجتمع المدني في شمال شرقي البلاد، إنّ مرسوم الجنسية “لم يحلّ المشكلة الأساسية”. كانت تنازلات عام 2011 “قرارات رمزية أكثر منها فعّالة… في بداية [الانتفاضة]، كان الشعار كرامة للجميع، كرامة، حياة كريمة… منطقة الجزيرة، وهي غنية بالموارد، لكنها كانت في الواقع من أفقر المناطق…”

علم العالم بأزمة الجفاف في سوريا من خلال خطابات أوباما عام 2015 ومقالات توماس فريدمان؛ قصة الحقول القاحلة التي دفعت المزارعين إلى المدن، مُولِّدةً موجة غضب شبابية تفجّرت عام 2011. على مدى السنوات الإحدى عشرة الماضية، شهدنا ازدياداً ملحوظاً في الدراسات التي تربط بين المناخ والصراع، والتي تُشير إلى انتفاضة 2011 في سوريا باعتبارها المثال الأبرز على ما يُمكن أن يُؤجِّجه الضغط البيئي، ولا سيّما الجفاف. وتُشير الردود إلى سوء إدارة المياه، وخفض الدعم، والإصلاحات النيوليبرالية في عهد نجل الأسد، إلى جانب تغيّر المناخ. مع ذلك، لم يسأل أحد من هم هؤلاء المزارعون.

كان العديد من المزارعين من الأكراد، لا سيّما في أقصى الشمال الشرقي حيث يشكّل الأكراد الأغلبية حول المالكية (ديريك). وتُعدّ الجزيرة، الواقعة بين نهر الفرات والحدود التركية والعراقية، بمثابة سلّة غذاء سوريا وحزامها الزراعي منذ منتصف القرن العشرين، فهي أغنى منطقة زراعية في سوريا وسلّة خبزها، إذ لطالما شكّلت الزراعة ثاني أكبر مصدر للدخل من الصادرات بعد النفط الذي كان يُمثّل حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا قبل عام 2011. كما تضمّ الجزيرة أعلى كثافة سكّانية للأكراد، أكبر أقلّية عرقية في البلاد بنسبة تقارب 10% من السكان، ويعيش أكثر من مليون منهم في الشمال الشرقي، مع العلم أن هذا الرقم أقلّ من الواقع نظراً لعدم تسجيل الكثيرين منهم في سجّلات الدولة. وتقع الجزيرة أيضاً على أغنى احتياطيات النفط في سوريا، مما يجعلها ذات قيمة جيوسياسية واقتصادية لا تُقدّر بثمن، الأمر الذي دفع الحكومات المتعاقبة إلى مراقبتها بحرص شديد. ومع ذلك، فقد تمّ تسجيل اتجاه الجفاف في الجزيرة منذ عام 1931. لفهم سبب وصول الجفاف، وخاصة الجفاف الكبير الذي حدث في عام 2007، إلى هذه الحالة -غير المتكافئة عرقياً- ينبغي البدء بكيفية تحول الجزيرة إلى أرض زراعية في المقام الأول.

حتى منتصف عشرينيات القرن العشرين، كانت الجزيرة مرعىً قليل السكان، وظلّت الزراعة والاستيطان الدائم فيها مقيدين بشدة. امتدت المناطق الزراعية الرئيسية المستقرة في حزام ضيق على طول ما أصبح فيما بعد الحدود التركية، من شرق رأس العين باتجاه نهر دجلة، حيث سادت القبائل الكردية، وحول جبل سنجار وعلى طول واديي الخابور وجقجق. كانت هذه المناطق الأخيرة مختلطة عرقياً؛ فجبل سنجار كان يسكنه الإيزيديون في الغالب، بينما كانت وديان الأنهار تحت سيطرة جماعات عربية شبه مستقرة إلى جانب الأكراد والشركس والشيشان والأرمن وغيرهم. وصفها المسؤولون الفرنسيون بأنها “مساحة” خالية من البدو الرحل. وانطلاقاً من هذا الأساس، شرعت الحكومة الفرنسية في فتح الحدود للزراعة من خلال توطين المسيحيين والأكراد من تركيا باعتبارهم فلاحي المنطقة المستقبليين وفقاً لتصورها الخاص.

لم يتشكّل الترسيم النهائي للحدود بناءً على اعتبارات جغرافية فحسب، بل أيضاً على مفاوضات ديموغرافية وتداعيات أمنية ناجمة عن الثورات الكردية في تركيا. فبعد قمع ثورة الشيخ سعيد عام 1925، عبر عدد كبير من اللاجئين الأكراد إلى سوريا الخاضعة للانتداب الفرنسي. وتحت ضغط تركي متواصل وافقت فرنسا مبدئياً على إبعاد المتمردين، وبشكل أوسع المستوطنات الكردية والأرمنية، عن منطقة حدودية تمتد لنحو 50 كيلومتراً، على الرغم من أن هذه القيود لم تُطبق بشكل متسق. وكان لهذا الأمر أهمّية خاصة لأن الحزام الحدودي الشمالي ضمّ بعضاً من أخصب الأراضي الزراعية المعتمدة على الأمطار في الجزيرة العليا. وفي المفاوضات التي تُوّجت ببروتوكول 22 حزيران 1929، سعت أنقرة إلى ضمّ قرى، من بينها قرى في منطقة هيفركان، اعتبرتها ملاذاً للاجئين أو قواعد للمتمرّدين؛ وقبلت فرنسا ببعض التعديلات جنوباً على الحدود، مع حصولها على معظم منطقة “منقار البطة” المتنازع عليها، وعلى حق الوصول إلى نهر دجلة.

ازدادت حدّة الاشتباكات على المياه والمراعي بعد ترسيم الحدود التركية السورية وتدفّق اللاجئين، واستجاب الضباط والمهندسون الزراعيون الفرنسيون بوضع خطط لتنظيم هذه النزاعات وتوسيع نطاق الزراعة، مع تشجيع زراعة القمح المروي والقطن بشكل متزايد. إلا أن التحوّل الجذري الذي شهدته زراعة الجزيرة حدث عشية الحرب العالمية الثانية وحتى خمسينيات القرن العشرين. فقد حفز الطلب في زمن الحرب على زراعة الحبوب الآلية، بينما مولت رؤوس الأموال القادمة من حلب ومدن سورية أخرى شراء الجرارات ومضخات الري وتوسيع المزارع التجارية الكبيرة. وشارك رواد أعمال مسيحيون، مثل مجموعة أصفر – نجار، بشكل بارز في هذه العملية إلى جانب ملاك الأراضي القبليين العرب والملاك الأكراد. وخلال أربعينيات القرن العشرين وأوائل خمسينياته، أصبحت الزراعة هي القطاع الأسرع نمواً في سوريا؛ وبحلول خمسينيات القرن العشرين، كانت مناطق الجزيرة والفرات قد شهدت طفرة كبيرة في إنتاج الحبوب والقطن. على المستوى الوطني، أدى التوسع السريع للأراضي المزروعة إلى استنزاف كبير للأراضي التي يمكن استصلاحها بسهولة.

كانت الأراضي الحدودية تخضع لرقابة مشدَّدة، بتسلسل قانوني يعود إلى عهد الانتداب، الذي قيّد تملك الأجانب للعقارات في المناطق الحدودية الحساسة منذ عام 1934. وقد طبّق المرسوم التشريعي رقم 193 لسنة 1952 نظاماً شاملاً للعقارات والأنشطة الزراعية في المناطق الحدودية. لم يقتصر هذا النظام، في صيغته الأولى، على الأجانب، بل اشترط الحصول على ترخيص من رئيس الدولة لإجراء معاملات الملكية، بناءً على اقتراح وزير العدل وموافقة وزارة الدفاع الوطني. في تعديلات لاحقة، أُسند الدور المحوري إلى وزارة الداخلية. وكان هذا القانون هو الذي استُخدم لاحقاً كسلاح ضد السكان الأكراد، وهو أصل المرسوم رقم 49 لسنة 2008.

مع قيام الوحدة السورية المصرية (1958-1961)، فرضت الدولة الناصرية قيوداً على ملكية الأراضي بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية، ما سمح للدولة بمصادرة الأراضي الفائضة. ورغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الأكراد مستهدفين عمداً، إلا أنّ هذه السياسات أثرت على ملاك الأراضي الأكراد بشكل غير عادل. ففي الحسكة، كانت المصادرة استثنائية من حيث النطاق؛ إذ صودر 655,526 هكتار، أي ما يعادل 43.3% من إجمالي المساحة على مستوى البلاد. وكانت معظم هذه الأراضي غير مروية أو غير مزروعة، ولم يتم تسجيل سوى 13% من أراضي المحافظة، ما أدّى إلى تباطؤ عملية التوزيع. وبحلول عام 1970، بلغت مساحة الأراضي المُصادَرة على مستوى البلاد 1,513,000 هكتار، إلا أن 306,000 هكتار من الأراضي المصادرة في الجزيرة لم يُعد توزيعها. ومع ذلك، بقيت حصة كبيرة في أيدي الدولة، حيث خُصصت 140 ألف هكتار للمزارع الحكومية، بما في ذلك مجمع مزارع حكومية يمتد على مساحة 36 ألف هكتار تقريباً حول القامشلي. وبحلول أوائل الستينيات، صنّفت الدولة الأكراد صراحةً بـ”اللاجئين”، واستخدمت هذا التصنيف لتبرير مصادرة أراضيهم.

في الخامس تشرين الأول عام 1962، حلّ حدثٌ محوري، فقد صدر المرسوم التشريعي رقم 93 لسنة 1962، الذي وقّعه الرئيس ناظم القدسي خلال فترة ما بعد انفصال الوحدة، والذي أمر بإجراء تعداد سكاني عام في الحسكة في يوم واحد. في ذلك الوقت، كان خالد العظم قد حلّ محل بشير العظمة في منصب رئيس الوزراء، ولم يكن حزب البعث قد استولى على السلطة بعد (استولى على السلطة في آذار عام 1963)، لكنه احتفظ بنتائج التعداد فيما بعد. كان على السكان إثبات أنهم أو عائلاتهم قد أقاموا في سوريا منذ عام 1945 على الأقل، ولم يتلقوا سوى إنذار غير كافٍ وفرصة ضئيلة لجمع الوثائق. يشير اقتصار المرسوم على الحسكة، وتأثيره الكردي الكبير، إلى سياسة ديموغرافية قومية عربية أوسع نطاقاً تجاه الحدود الشمالية الشرقية. جُرِّد ما يقارب 120 ألف كردي، أي ما يعادل خُمس سكان سوريا الأكراد من جنسيتهم بين ليلة وضحاها، وصُنِّفوا إما كأجانب ممنوعين من امتلاك العقارات أو التصويت أو شغل الوظائف العامة، أو كمكتومي القيد، غير مسجلين وغير مرئيين قانونياً. امتد الأمر بالوراثة وتضخم بشكل كبير، ليصل عدد الأجانب في محافظة الحسكة إلى أكثر من 300 ألف بحلول عام 2011.

كان المبرّر الأساسي، أو الانطباع السائد عنه، هو أنّ الإصلاح الزراعي سيمكّن الأكراد من الاستحواذ على أفضل أراضي الجزيرة، لذا قامت الدولة استباقياً بنزع حقّهم القانوني في امتلاك أيّ منها، وكان إلغاء التأميم يعني أنّ الأراضي التي يمكن الاستيلاء عليها، أو زراعتها من قبل الدولة، يمكن منحها لآخرين، وتحديداً للعرب، كما حدث لاحقاً مع الكثير منها.

“الجفاف بحد ذاته كظاهرة جغرافية، لا يستهدف الأكراد تحديداً. لكن الأكراد لطالما عانوا من مظالم بسبب السياسات المتبعة ضدهم، من عدم الاعتراف بهم والتمييز الصريح المرتبط بأمور مثل إنشاء الحزام العربي، ومصادرة الأراضي الزراعية، والاستيلاء عليها، وحرمانهم من الجنسية، ومحدودية مشاركتهم في الحكم أو المناصب الرسمية، حتى داخل منطقتهم. كان الجفاف بمثابة طبقة إضافية فوق كل ذلك، وهذه السياسات تحديداً هي التي زادت الضغط عليهم.” – خلف

حتى عندما لم تستهدف سياسات الدولة الأكراد صراحةً أو كانت محايدة اسمياً، فقد فاقمت من نفس العيب، ما أدّى إلى هشاشة مضاعفة للمزارع الكردي. تمثّلت الهشاشة الأولى في تعرّض سبل عيش كل مزارع لانخفاض هطول الأمطار وتقطّعه المتزايد، وسوء إدارة المياه، والسياسات النيوليبرالية التي جعلت التجارة أقلّ استدامة. أما الهشاشة الثانية فهي قانونية، ووقعت مباشرة على عاتق المزارع الكردي. فعندما انخفضت غلة المحاصيل، لم يكن بإمكان المزارع عديم الجنسية التحوّل قانونياً إلى مهنة أخرى أو تسجيل عمل تجاري أو مركبة أو عقار. وبقي الكثيرون كمزارعين مستأجرين يزرعون الأرض التي كانت تملكها عائلاتهم، بينما يدفعون حصة من المحصول للمالك الجديد. إضافة إلى ذلك، أصبحت السياسات التمييزية العرقية الصريحة سياسة رسمية للدولة في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

تعتمد ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية في سوريا تقريباً على الأمطار. تتلقى المناطق الشمالية ما بين 300 و500 ملم من الأمطار سنوياً، بينما تتناقص هذه الكمية بسرعة باتجاه الجنوب لتتحول إلى سهوب. بحلول عام 1965، كانت الحكومة قد وضعت خطة للسيطرة على الحدود وإعادة هيكلة السكان. أدى بناء سد الفرات (1968-1973) وملء بحيرة الأسد إلى تهجير أكثر من 60 ألف نسمة من سكان وادي الفرات، وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، أُعيد توطين حوالي 4000 عائلة عربية في قرى نموذجية شمال الحسكة، على أراضٍ صودرت سابقاً بموجب الإصلاح الزراعي، معظمها من ملاك أكراد. شكلت هذه القرى، التي بلغ عددها حوالي 41 إلى 42 قرية، سلسلة ضمن ممر حدودي مخطط له، يتراوح طوله بين 280 و375 كيلومتراً وعمقه بين 10 و15 كيلومتراً، ويتداخل مع بعض الأراضي الأكثر استقراراً في الجزيرة التي تعتمد على الأمطار. كما قامت الدولة باستبدال أسماء القرى الكردية بأسماء عربية، وخفضت سقوف ملكية الأراضي على طول الأراضي التي تلقت أكبر قدر من الأمطار، مثل “الخط 10“، واستولت على الفائض كملكية للدولة.

“كانت كل قرية كردية مجاورة لقرية مغمورين [مُعاد توطينها من العرب]، وهي أرض كردية منحتها الدولة لهم… لم يكن النظام يزودهم [الأكراد] بالكهرباء، ولم يكن يمدّ لهم شبكات الصرف الصحي، مما أجبرهم على إخلاء تلك المناطق.” – ممثل عن “غرين نيس”، وهي مبادرة مناخية مقرها شمال شرق سوريا

اتبعت مشاريع الري العامة نمطاً جغرافياً مشابهاً. امتدت أكبر مشاريع المياه السطحية العاملة في الدولة على طول نهر الفرات ووسط نهر الخابور وأسفله. وامتدت بعض البنية التحتية للقنوات شمال وشمال شرق الحسكة، لكن التغطية العامة ظلت محدودة للغاية في السهل الحدودي الشمالي ذي الأغلبية الكردية. وتم التخطيط لمشروع ضخم لضخ مياه نهر دجلة من عين ديوار عبر شمال شرق الحسكة، لكنه لم يُفعّل قط.

كان هناك مشروع ري بالقنوات، وهو خطة لإنشاء قناة من النهر عبر الأرض لخدمة التنمية في الريف. في الأصل، كان من المفترض أن يمر المسار عبر أراضٍ ذات أغلبية كردية؛ لاحقًا، تم تغيير الخطة وتغيير مسارها لتتجه مباشرة نحو المناطق ذات الأغلبية العربية. – إيمان

كان المزارع العربي الذي يزرع أرضاً مروية بالقنوات يدفع مبلغاً زهيداً لري محصوله، بينما يقوم المزارع الكردي الذي يزرع المحصول نفسه للسوق نفسه بضخ المياه من أعماق الأرض بمسافة تصل إلى مئات الأمتار.

“بدأ الناس بالاعتماد على المضخات لاستخراج المياه الجوفية بعد كل هطول للأمطار. وكانوا يأخذون مضخاتهم ويدفعون مبالغ طائلة لاستخراج المياه لحقولهم. ومع استمرار انخفاض منسوب المياه الجوفية، اضطروا إلى مواصلة الضخ، الأمر الذي أصبح مكلفاً للغاية.” – ممثل عن منظمة غرين نيس

بحلول تسعينيات القرن الماضي، كانت الدولة تشجع المزارعين على الاعتماد على المياه الجوفية وزراعة المحاصيل النقدية، وخاصة القطن، من خلال ترخيص حفر آبار أعمق ودعم تكلفة الوقود اللازم لضخها. ارتفع عدد الآبار في سوريا من 53 ألف بئر عام 1988 إلى 124 ألف بئر عام 1994، واستمر في الارتفاع حتى عام 2007؛ وكان ما يقرب من نصفها في محافظة الحسكة. ويعود ذلك إلى فترات الجفاف الشديدة، بالإضافة إلى بناء تركيا سد أتاتورك على نهر الفرات.

لا يزال نهر الفرات، الذي يُمثّل عماد الزراعة في سوريا، يُموّل غالبية المياه السطحية في البلاد، وتسيطر تركيا على تدفقه. وقد دعمت دمشق خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان، الذي اعتبرته تركيا منظمة إرهابية، واستضافت أوجلان في سوريا جزئياً كورقة ضغط للحصول على كميات إضافية من المياه. ومع ذلك، لا تزال الاتفاقيات الرسمية بشأن تقاسم المياه شحيحة. ففي عام 1987، اتفقت سوريا والعراق وتركيا على أن تسمح تركيا بتدفق حد أدنى قدره 500 متر مكعب في الثانية إلى سوريا، على أن تتقاسم سوريا والعراق هذا التدفق، إلا أن هذا الاتفاق لا يزال مهملاً إلى حد كبير حتى اليوم.

في  آذار 2004 اعترف الدستور العراقي المؤقت بالحكم الذاتي للأكراد عقب سقوط صدام حسين، وفي 12 آذار تحولت مباراة كرة قدم في القامشلي بين جماهير كردية وعربية إلى اشتباكات. أطلقت قوات الأمن النار، ما أسفر عن مقتل 36 شخصًا على الأقل، معظمهم من الأكراد. شكلت الاضطرابات التي أعقبت ذلك، والتي عُرفت بالانتفاضة الكردية، إلى جانب المضايقات الأمنية اللاحقة، إحدى أبرز المظالم التي عانت منها المجتمعات الكردية في شمال شرق سوريا والتي تم تذكرها في بداية انتفاضة 2011، مع ذكريات الاستيلاء على الأراضي.

“شعرتُ بأنه [الأسد] كان يُدرك أن الأمور تتجه نحو نقطة الغليان في الشمال. بدا [تنازل الأسد عام 2011] وكأنه إشارة إلى أنه يُدرك أن شيئاً خطيراً قادم، وأنه لم يكن مُستعداً لمواجهتنا مُباشرةً، لأن تجربة 2004 كانت قاسية للغاية… أما بالنسبة لما ظلّ حاضراً في أذهان المزارعين، فإن مصادرة الأراضي هي القضية الأكبر والأكثر استمراراً، لأنها لم تكن مُجرد مسألة حقوق زراعية أو ملكية بشكل نظري، بل كانت تتعلق بالاستخدام الفعلي والوصول إلى الأرض، وهذا ما ظلّ راسخاً في وعي المزارعين… النقطة الثانية هي الوصول إلى الخدمات، مثل تراخيص حفر الآبار، أو ما شابهها من الأمور الإدارية. تاريخياً، كان الوصول إلى هذه الخدمات مُفضلاً للعرب. كانت المعاملات تتم بشكل أسرع وأسهل بالنسبة للمقيمين العرب. كان هناك الكثير من الفساد مُنتشراً في كل هذا، ولكن حتى في ظل هذا الفساد، كان على المُتقدم الكردي عادةً أن يدفع رشوة أكبر لإنجاز نفس الأمر…” – إيمان

شهدت سوريا بين عامي 2007 و2009 أسوأ موجة جفاف في تاريخها المسجل. تلقت القامشلي ربع متوسط هطول الأمطار الذي شهدته بين عامي 1961 و1990، بينما لم تتجاوز نسبة الأمطار في دير الزور 12%. وعلى الصعيد الوطني، فقد نحو 800 ألف مزارع وراعٍ مصادر رزقهم. وبحلول منتصف عام 2009، قدرت وزارة الزراعة أن ما بين 40 و60 ألف عائلة غادرت المناطق المتضررة من الجفاف. كانت هذه أكبر موجة نزوح كردي من الجزيرة، حيث أشار المهاجرون إلى كل من الجفاف والمضايقات الأمنية التي أعقبت عام 2004.

هكذا، حلّ الجفاف الذي ضرب البلاد عام 2007 على أناسٍ كانوا محاصرين مسبقاً. لم يكن من النادر أن تتجاوز ديون المزارع الصغير قيمة أرضه، ولم تُقابل طلبات الإعفاء من الفوائد خلال فترة الجفاف بأي استجابة تُذكر. كانت عمليات إعادة جدولة القروض، وتوفير المدخلات الزراعية، ودفعات المحاصيل تتم عبر البنك الزراعي، حيث كانت الرشوة والعلاقات الشخصية هي التي تحدد النتائج.

«عندما تتراكم الفوائد، تصبح عبئاً ثقيلاً… لقد مثّلت إعادة الهيكلة بحد ذاتها مكسباً غير متوقع للعاملين في البنك التعاوني الزراعي، الذين تلاعبوا بالحسابات… لم يكن هناك أحد، على الإطلاق، مدين بأقل من عشرة ملايين ليرة… ما ساعد خلال فترة الأزمة هو أن هذه الديون ظلت مقومة بالليرة السورية، وعادت قيمة الدولار. كانت المحاصيل تُشترى بالدولار خلال فترة الإدارة الذاتية. لذا، ساعد هذا العامل المزارعين على تصفية أو سداد التزاماتهم تجاه البنك الزراعي. وإلا، لو كان رجال الأسد لا يزالون موجودين اليوم، لكانت الحكومة في جميع المناطق الكردية، تحت ذريعة الديون القائمة، قادرة على رفع دعاوى قضائية والاستيلاء على هذه الأراضي من أصحابها…» – هوشنك

منذ عام 2005، خفضت الدولة أيضاً دعم الوقود والغذاء لتحقيق التوازن في الميزانية، مما ألحق الضرر الأكبر بالمزارعين الذين يعتمدون على المياه المضخوخة، حيث ارتفعت أسعار الديزل سبعة أضعاف؛ بل يرى البعض أن صدمة الدعم كانت أشد وطأة من الجفاف نفسه. ففي عام 2008 خفضت الدولة الدعم بشكل أكبر، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 257% بين عشية وضحاها. ثم صدر المرسوم رقم 49 لعام 2008، الذي يشترط الحصول على موافقة أمنية من دمشق لأي نقل ملكية في المناطق الحدودية، وهي موافقة حصل عليها العرب بينما رُفضت بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأكراد.

مع ذلك، وخلال كل هذا، كان الغضب، سواءً من جانب المزارعين أو من جانب الأقليات العرقية، موجهاً نحو الدولة، لا نحو المزارعين العرب المجاورين. ويُعدّ التوتر العرقي الحاد الذي ساد في السنوات اللاحقة نتاجاً واضحاً للحرب؛ فحتى الآن، عندما يستذكر المزارعون شمال شرق البلاد ما قبل العام 2011، فإن الخوف الذي يصفونه ينبع مما حدث بعد ذلك.

“أرى أن الحكومة السورية السابقة كانت السبب الرئيسي [للأزمة في الشمال الشرقي]. قبل عام 2011، كانت المنطقة تعاني من أزمة وهجرة، وقد تم تعمد عدم تقديم أي دعم للمزارعين لحث الناس على الهجرة من المناطق الكردية وإخلاء المنطقة”. – غرين نيس

لم يكن الجفاف وحده سبباً في إفراغ القرى، ولا سوء الإدارة، بل عقود من المظالم المتراكمة التي لم يكن فيها فصل الزراعة عن الهوية العرقية أمراً ممكناً. ورغم فشل تنازله، عندما لجأ الأسد إلى إصدار مراسيم الجنسية وتحديد أسعار الوقود في العام ٢٠١١، كان التاريخ يعيد نفسه، ويعالج نقاط الضغط المجتمعية التي كانت حكومته تُفاقمها بنشاط.

حوّلت الحرب المياه إلى سلاح والبنية التحتية إلى رهينة، وتناوبت السيطرة على سدود الفرات كغنائم استراتيجية. أُغلقت محطة علوك، التي كانت تُزوّد ما يقارب مليون شخص بالمياه في محافظة الحسكة والمناطق المحيطة بها، حوالي 36 مرة خلال فترة الحرب، نتيجةً لمزيج من الأضرار العسكرية، والإغلاقات المتعمدة، وقيود الوصول، والمساومات المتبادلة بين الكهرباء والمياه. وقد زاد كل انقطاع من حدة المخاوف على أسس عرقية. كما أدت الحرب إلى هجرة الأكراد نحو الشمال الشرقي، حيث فرّوا من المذابح العرقية في المدن، الكثيرين منهم مروا عبر الشمال الشرقي فقط في طريقهم للخروج من سوريا. تشير إيمان إلى أن “الظروف هنا لم تكن جاذبة بما يكفي لعودة الناس. فقد ارتفعت الأسعار، ولم يتحسن الوضع بما يكفي، لذا اتجه الكثير ممن كان بإمكانهم العودة مباشرةً إلى كردستان العراق أو إلى أوروبا. ونتيجةً لذلك، حدث انخفاض حقيقي في عدد السكان على مستوى الأجيال والتركيبة السكانية في المنطقة”. وقد أدى هذا إلى نقص حاد في العمالة الزراعية.

أضاف أحد العاملين في غرين نيس أن “الفئة السكانية التي بقيت [في الشمال الشرقي] وتعمل في الزراعة هي في الغالب من تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر. وللأسف، لم تدعم الإدارة الذاتية قضية الزراعة، فمثل نظام [الأسد]، فكرت في مصالحها الخاصة، واشترت القمح والبذور بأسعار لم تُفِد المزارع. وتشهد الشوارع حالياً احتجاجات ضد القانون الذي صدر بشأن أولوية القمح. يعاني المزارع من سنوات عديدة من الجفاف، ثم موسم واحد فقط يستطيع فيه تعويض خسائره جزئياً. ويُبرر ذلك بأن الزراعة غير مضمونة وغير مربحة. وقد بدأ الناس ببيع أراضيهم لإعادة استخدامها لأغراض أخرى. وهذا سيضر بسوريا على المدى الطويل لأنه لن يكون هناك مساحات زراعية كافية”.

إلا أن أكثر الفترات تدميراً للزراعة كانت فترات عدم الاستقرار والتحول، حيث كان الصراع على السيطرة على الأراضي محتدماً في ظل غياب حوكمة مستقرة لتنظيم الزراعة. وشملت هذه الفترات الفوضى المبكرة، وتقدم تنظيم داعش، وصعود الإدارة الذاتية بقيادة الأكراد، وعملية دمج الإدارة الذاتية الأخيرة في الدولة الجديدة برئاسة الشرع.

“كانت السنوات الماضية كارثية على سوريا عموماً، وعلى شمال شرقها خصوصاً. غياب الرقابة، وغياب السلطات، أو وجود سلطات متعددة، أتاح لكل طرف التهرب من المسؤولية. على سبيل المثال، استُخدمت مصادر المياه في شمال شرق سوريا للضغط على الإدارة الذاتية، وفي النهاية تكبّد السكان المحليون أكبر الخسائر. والآن، ازدادت الفوضى في المرحلة الانتقالية. على مدى خمسة عشر عاماً، لم نجد من هو مستعد لمعالجة جذور المشكلة.” – غرين نيس

في خضمّ مكافحة تضرر التربة والآبار وخطوط الكهرباء، أدى غياب الرقابة الفعّالة إلى تدهور القوانين، وكان للمياه الجوفية أثرٌ بالغٌ على وجه الخصوص. فقد استُنزف نحو 60% من احتياطيات المياه الجوفية في شمال شرق سوريا، وجفّ نصف الآبار التقليدية تقريباً في ريف الحسكة وحلب. وتفاقم الوضع بسبب ثلاث موجات جفاف بين عامي 2006 و2021، ثم جفاف 2024-2025 الذي شهد أدنى معدل هطول أمطار مُسجّل منذ 60 عاماً. إضافةً إلى ذلك، ومع انتشار الألواح الشمسية الرخيصة التي تُشغّل الآن الآبار غير المرخصة، أصبح استخراج المياه أسهل وأقل خضوعاً للرقابة من أي وقت مضى.

“يعتمد غالبية سكان شمال شرق سوريا على مياه الأمطار، حيث كانوا يزرعون محاصيلهم التي تعتمد عليها. وعندما انقطع المطر، وانخفض منسوب المياه الجوفية بشكل حاد في السنوات الأخيرة، بدأت هذه الأزمة مع اندلاع الانتفاضة، مما أتاح للناس فرصة التهرب من المسؤولية. وبسبب الثورة ضد الحكومة، اندلعت ثورة أخرى ضد الأرض. بدأ المزارعون بحفر آبار يصل عمقها إلى 500 متر، بالتزامن مع ازدياد الفساد الذي مكّنهم من فعل ما يحلو لهم دون ترخيص أو رقابة من أي جهة، فأصبح حفر الآبار فوضوياً. كما واجهنا مشكلة أخرى، وهي أن بعض المزارعين كانوا يحفرون بئراً أو اثنتين عن طريق الرشوة أو العلاقات السياسية، وما إلى ذلك. بعد سقوط النظام وبدء دمج الإدارة الذاتية مع الحكومة المؤقتة، لم يعد هناك قانون. بدأ الناس بحفر الآبار على مسافات متقاربة، لأنهم وجدوا فرصة للقيام بذلك دون الحاجة إلى ترخيص، قبل أن تتدخل السلطات الحكومية وتضع القوانين وتفرض التصاريح. كل هذا يؤثر بشكل كبير على السكان. زيادة منسوب المياه الجوفية في المنطقة. صحيح أن منسوب المياه الجوفية قد ازداد هذا العام، لكن كثرة الآبار ستؤدي إلى كارثة في المنطقة.” – غرين نيس

لا تشكل الزراعة حالياً سوى 12% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك لا تزال تعيل 6.7 مليون سوري. انخفض إنتاج القمح، الذي كان يُقدّر بنحو خمسة ملايين طن مع فائض تصديري قبل عام 2007، إلى حوالي مليون طن بحلول عام 2025، وهو ما لم يعد كافياً لتلبية الاحتياجات المحلية. ولا تزال مضخات الديزل تشكل عائقاً كبيراً. وعندما تساوت أسعار الوقود بين عشية وضحاها مع بقية سوريا، عانى شمال شرق البلاد من أزمة مياه وكهرباء، وعادت الاحتجاجات لتملأ الشوارع. ورغم أن الأمطار الغزيرة التي هطلت في أوائل عام 2026 رفعت نسبة الزراعة إلى 86% من النسبة المستهدفة وفقاً للتوقعات الرسمية، إلا أنها جاءت على فترات أقصر وبغزارة أكبر. ثم شهد شهر أيار من عام 2026 فيضانات أثرت على حوالي 85% من دخل المزارعين، وأدت إلى توقف 85% من أنظمة الري عن العمل.

“لقد ضرب هذا الفيضان فجأة، ولم تُتخذ بعدُ الإجراءات اللازمة لحماية الناس… في الوقت الذي كانت فيه الفيضانات تجتاح هذه المنطقة، كانت هناك أيضاً حرائق في الحسكة. هذه المنطقة مُعرَّضة باستمرار للكوارث والحرائق والفيضانات، ولا يوجد استعداد، ولا مشاريع للتكيف مع تغير المناخ، ولا تعويضات. لم تُعوِّض الإدارة [المستقلة] ولا الحكومة المزارعين عن الجفاف… وقد تواصلنا مع العديد من الجماعات المحلية التي أخبرتنا أن الناس لا يثقون بنا، ويقولون: “تأتون، تأخذون تقاريركم وتغادرون، تأخذون الدولارات على حسابنا ولا نراكم مرة أخرى”، هذا هو مدى عمق انعدام الثقة، سواء تجاه المنظمات غير الحكومية أو تجاه الحكومة، بسبب غياب الثقة بين المجتمعات.” – خلف

أقرّت السلطة الانتقالية الجديدة في سوريا، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 13، حقوق عديمي الجنسية من أصل كردي، إلى جانب مبادرات رمزية أخرى كالاعتراف بعيد النوروز، رأس السنة الكردية، كعيد وطني، ورفع الحظر عن تدريس اللغة الكردية في المدارس. إلا أنّ القطاع الزراعي لم يشهد أيّ تطوّرات مماثلة، بل واجه مشكلة في أسعار القمح وتأخّر الدفع. فبحلول أوائل تشرين الأوّل، كان المزارعون الذين سلّموا محاصيلهم خلال الصيف لا يزالون ينتظرون مستحقّاتهم، بعضهم منذ ثلاثة أشهر. وعندما يتحدّث مزارعو شمال شرق البلاد عن مخاوفهم، يذكرون العودة إلى الوضع السابق، بما في ذلك سوء إدارة الموارد والإهمال والفساد والسياسات الزراعية التمييزية عرقياً، أكثر من ذكرهم للجفاف أو تغير المناخ.

“حاول بشار الأسد إعادة الجنسية للأكراد كحلٍّ لبعض القضايا، على سبيل المثال يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع استرضاء الشعب والإدارة الذاتية بمنحهم الجنسية. كان لهذا أثرٌ مؤقت، لكنه لم يدم طويلاً. بعد هجرة الكثيرين وبيعهم أراضيهم، لم تعد هذه القرارات تُؤتي ثمارها فوراً، لأن القضايا التي تسعى لمعالجتها تراكمت آثارها. – غرين نيس

بالتالي فإن درس قرن من الزمان في الجزيرة هو أن أي شخص يريد الاستقرار في الشمال الشرقي، أو في سوريا بشكل عام، سيتعين عليه الإجابة على كلّ المسائل العرقية والبيئية في آن واحد، لأن المزارعين لم يُمنحوا رفاهية فصلهما.

Scroll to Top