نيران تموز تكشف عن أزمة مناخية تتفاقم بصمت

إبراهيم زرقه

“ما لحقنا نحمل غير أولادنا”، تقول أم جابر، وهي تمسح رماد بيتها المحترق في ريف اللاذقية. في الساعات الأولى من يوم 3 تموز 2025، بدأت شرارة صغيرة في غابات جبل التركمان. ظنّها السكان مجرّد لهو أطفال أو خطأ عابر. لكنّها تحوّلت خلال يومين إلى واحدة من أوسع موجات الحرائق في تاريخ سوريا الحديث.

ليست هذه مجرد حرائق صيفية. ما حصل، وفق خبراء البيئة والمناخ، هو تجلٍّ مرعب لثلاث أزمات متشابكة: تغيّر مناخي مستمر، إرث بيئي مُهمَل، ونظام إدارة عاجز عن المواجهة.

حرائق الغابات في سوريا لم تعد مجرّد ظاهرة موسمية تظهر في نهاية الصيف، بل تحوّلت إلى نتيجة مركّبة لتفاعل مضطرب بين تغيّر المناخ، انهيار الحوكمة، والانهيار الاقتصادي بفعل الحرب الطويلة. وفق دراسة لجامعة ماريلاند (زوبكوفا وآخرون، 2021)، فإن الحرائق التي شهدتها سوريا بين عامي 2019 و2020 خرجت عن نطاقها الطبيعي؛ ففي عام 2019، أدى هطول أمطار غزيرة خلال موسم النمو إلى نمو مفرط للأعشاب والنباتات، ما وفّر وقوداً نباتياً كثيفاً ساعد على انتشار الحرائق. ورغم أن هذا الموسم كان “رطباً”، فقد احترق 4.8% من مساحة البلاد، وهي زيادة بنسبة 2300% عن المتوسط السنوي السابق (0.2%). وفي العام التالي، ورغم تراجع كميات الأمطار، استمرت موجات الحريق بفعل الحرارة القياسية والجفاف، خصوصاً في المناطق الغابية غرب البلاد.

أما تقرير منظمة PAX الصادر عام 2023، فيكشف أن الأسباب وراء الحرائق لم تكن مناخية فقط، بل بشرية واقتصادية أيضاً. الحرب مزّقت البنية الإدارية والرقابية، فانتشرت الحرائق المتعمدة، سواء بدافع التوسع الزراعي أم إنتاج الفحم أو حتى لأغراض عسكرية وانتقامية. كذلك، دفع ارتفاع أسعار الوقود المدنيين إلى اللجوء لقطع الأشجار، خاصة في إدلب وريف حلب، بينما ازدهرت آلاف نقاط إنتاج الفحم (رسمية أو عشوائية) في الساحل السوري، ما ساهم في زيادة الحرائق وتلوّث الهواء. وبينما كانت الدولة في السابق تُخصّص خطوط نار ومراقبة موسمية، فإن غياب هذه الأدوات بعد الحرب جعل السيطرة على النار شبه مستحيلة، وهكذا، لم تعد حرائق سوريا نتاج موسم جاف فقط، بل صارت ظاهرة متعددة الطبقات، تتغذّى على هشاشة المناخ كما تتغذّى على هشاشة الدولة.

في السنوات السابقة، اعتاد السوريون أن تبدأ موجات الحرائق في شهري آب وأيلول. لكن في 2025، اندلعت النيران باكرًا لأول مرة منذ 50 عاماً، بحسب بيانات الأرصاد الزراعية. وذلك يعود إلى سلسلة من العوامل المناخية الحادة، فدرجات الحرارة وصلت إلى 48°C في اللاذقية، مع رطوبة منخفضة لم تتجاوز 11%. إضافة للرياح الجافة الشمالية الغربية والتي تراوحت سرعتها بين 50–70 كم/ساعة، الأمر الذي زاد من سرعة انتشار ألسنة اللهب.

دون أن ننسى أن غياب الأمطار الربيعية المعتادة  أبقى الأعشاب يابسة وقابلة للاشتعال باكراً. هذه الظواهر ليست جديدة، فوفقاً للباحث د. عبد الرحمن صالح، فإن الفترة الممتدة بين عامي 1998 و2019 كانت الأكثر جفافاً في التاريخ السوري الحديث، بناءً على مؤشري الجفاف SPI وRDI. مؤشر SPI (Standardized Precipitation Index): يقيس شحّ الأمطار مقارنة بالمتوسط المناخي. مؤشر RDI (Rainfall Deficiency Index): يأخذ بعين الاعتبار النقص المطري وارتفاع درجات الحرارة معًا. الدراسة بيّنت أن SPI انخفض إلى -2.1 في بعض مناطق الساحل، ما يعني “جفافاً حاداً ومزمناً”. أما مؤشر RDI، فكان أكثر تشاؤماً بسبب تسارع الاحتباس الحراري، مشيراً إلى أن 90% من الأراضي الزراعية السورية باتت تحت خطر الجفاف المتكرر.

منذ الثمانينات، تبنّت الحكومات المتعاقبة برامج تشجير واسعة، خاصة بعد الحرائق المتكررة. لكنها لم تعتمد دائماً على الخبرات البيئية المحلية. تم زرع أنواع دخيلة مثل: الأوكاليبتوس: شجرة سريعة النمو تستهلك حتى 70 ليتر ماء يومياً، تجعل التربة أفقر، و الباولونيا: تُعرف عالمياً كنبات غازي، تنمو بسرعة كبيرة لكنها تحترق بسرعة أكبر. وبالمقابل تم إهمال أنواع محلية أكثر تكيفاً مثل السنديان والبطم، وهي أقل عرضة للاشتعال وتحافظ على توازن النظام البيئي، حسب صالح.

في غضون 10 أيام فقط، التهمت الحرائق ما يزيد عن 15,000 هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، وامتدت من ريف اللاذقية إلى حمص وطرطوس وإدلب، حتى أن منطقة قسطل معاف لم تعد موجودة فعلياً. أكثر من 120 منزلاً تحوّلوا إلى رماد، والمزارع المحيطة لم تعد تصلح حتى للرعي. 

الغابات لا تعود كما كانت بسبب موت موت التربة السطحية وغياب البذور الأصلية، عدا عن زيادة احتمالات التعرية والانهيارات الأرضية وانقراض أنواع حرجية محلية مثل أرز لبنان والبلوط الشرقي. ستخلف الحرائق ضياعاً للمحاصيل فقد حصل خسارة 40% من أشجار الزيتون في بعض المناطق. واحترقت محاصيل التبغ والخوخ والتفاح في مناطق الزراعة البعلية. أيضا تأثرت الحياة البرية فق سجل فقدان لكائنات نادرة مثل ثعلب الرمال، بومة الحظيرة، غزال الجبل. لذلك ينبغي إصلاح البنية التحتية للإطفاء، من خلال تزويد فرق الدفاع المدني بمعدّات مناسبة. وتدريبهم على إنشاء “خطوط نار” استراتيجية.

كما يجب إعادة تصميم الغابات؛ وذلك إزالة الأشجار الغازية تدريجيًا. ومن ثم إعادة التشجير بأنواع محلية مقاومة للجفاف. وعلى الحكومة إنذار مبكر ومراقبة، سواء باستخدام الأقمار الصناعية ونماذج SPI/RDI لتوقع خطر الحرائق. وربط البيانات بمراكز تحذير محلية. ومن الضروري إشراك المجتمع من خلال إشراك السكان المحليين في حماية الغابات، وتحويل القرى إلى نقاط رصد مبكر وتدريب شبابها على الإطفاء الأولي.

“الحرائق ليست قضاءً وقدرًا. إنها نتيجة لإهمال طويل وتجاهل للعلم”، يقول د. عبدالرحمن صالح، الذي اختُتمت دراسته بجملة لافتة: “حين تختفي الأشجار، لا تختفي معها الظلال فقط، بل تختفي الحياة”.

Scroll to Top