نباتات مهددة بالانقراض في سوريا.. قد تختفي بصمت!

ليلى جروج

يعيد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي نشر مقطع مصوّر لآخر طائر كاواي يبحث عن أنثى للحفاظ على جنسه قبل أن يُسجّل انقراضه عام 2000، ويُعرّف الانقراض بأنه موت آخر كائن حيّ من أحد الأجناس الموجودة على الأرض، إذ ينتهي وجوده على سطح الكوكب من دون القدرة على خلقه من جديد، وعلى الرغم من التطوّر الذي وصلنا إليه، لكن قد تولد أنواع أو تنقرض دون أن يعرف الإنسان عنها أيّ شيء.

عرفنا الكاواي من مواقع الاجتماعي بعد متابعة العلماء له في منطقة سمحت الظروف فيها للعلماء بإجراء أبحاثهم، سمعنا قصصه، وآلمنا ربما النداء الأخير الذي وجّهه، لكن ماذا عن الأحياء التي لا نعرفها؟ التي لا صوت لها ولا قدرة للعلماء والدارسين على الوصول الآمن إلى مناطق تواجدها؟ ماذا عن النبات المنقرض أو المهدَّد بالانقراض؟ هل نعرف شيئاً عن النباتات في سوريا؟ وهل تواجه خطر الانقراض؟

الأستاذ في قسم البيئة والحراج في جامعة اللاذقية، الدكتور زهير الشاطر، يرى أن الحديث عن رقعة انتشار الأنواع النباتية ضروري قبل الحديث عن الأنواع المهددة بالانقراض، فهناك أنواع ذات رقعة انتشار واسعة جداً قد تشمل كل أجزاء العالم، وبالتالي “يمكن أن نرى النوع في أي بقعة من العالم أينما ذهبنا وتدعى هذه الأنواع بالأنواع الكونية Cosmopolitan Species أو قد تكون رقعة الانتشار في قارة فقط، أو إقليم أو منطقة (حوض المتوسط مثلاً) وقد تكون بقعة جغرافية ضيقة جداً من بلد ما فتدعى عند ذلك هذه الأنواع بالأنواع المتوطنة Endemic Species”.

كلما انخفضت رقعة انتشار نوع ما أصبح أكثر حساسية للتهديدات المختلفة، فأي نوع عالمي الانتشار إذا تعرّض لخطر في بلد ما يبقى هناك احتمال لوجوده في مكان آخر، وبالتالي يكون خطر تعرّضه للانقراض أقلّ، وبشكل بديهي تكون الأنواع المتوطنة أكثر تعرّضاً للانقراض بسبب ضيق رقعة انتشارها.

أنشأ الاتحاد الدولي لصون الطبيعة “IUCN” منذ ستينيات القرن الماضي لائحة سُمّيت باللائحة الحمراء، ويتم تصنيف أي نوع في العالم في هذه اللائحة ضمن إحدى هذه الفئات، يوضح الدكتور زهير الشاطر: ” فئة غير مقيم NE، أي نوع لا يوجد تقييم حول تهديده ولابد من إجراء ذلك مستقبلاً، فئة مقيم، وفي هذه الحالة هناك احتمال لإدراجه ضمن إحدى الفئتين: أ. عدم كفاية البيانات DD: أي أن التقييم مازال جار، ويحتاج الى بيانات أكثر للتمكن من وضعه في فئة من فئات التهديد، ب. بيانات كافية:  وبالتالي هو حكماً ينتمي الى إحدى الفئات التالية: منقرض EX، منقرض في البرية EW، مهدد بالانقراض: وفي هذه الحالة يكون ضمن واحدة من الفئات الثلاثة التالية:  مهدد بشكل خطيرCR – مهدد بالانقراض EN – معرض للتهديد (حساس للتهديد) VU- على حافة التهديد NT – ذو أهمية دنيا LC”.

يتطلّب تصنيف أي نوع في إحدى هذه الفئات مجموعة معايير، بحسب الشاطر، حيث تحتاج إلى بحث وتقصٍّ متكرّر حول بيولوجية النوع، وإعداده ضمن جماعاته ضمن إطار زماني يتناسب مع نشاط النوع (نهاري أو ليلي، شتوي أو صيفي، …)، ومكاني (في جميع الأماكن المفترضة لانتشاره). يصف الشاطر هذه العملية بالدقيقة والمجهدة، ويضيف: “تحتاج خبرة وامكانيات ليست قليلة، كما يتم تحديث القائمة دورياً بحيث أن هناك أنواع تدخل حديثاً في التقييم وأخرى تتغير فئتها أو تحافظ عليها”.

يتيح موقع اللائحة الحمراء إمكانية معرفة وضع أي نوع من حيث التهديد، عبر إدخال اسم النبات أو الحيوان، يضيف الشاطر: “يعطي الموقع صفحة النوع التي تضم الفئات المذكورة أعلاه مع تحديد الفئة التي ينتمي إليها، ويضع مختصر لعنوان الدراسة التي قامت بتصنيف النوع تحت الفئة المذكورة، فالأرز اللبناني مثلاً هو نوع مدرج تحت فئة حساس للتهديد ويظهر في الموقع بهذا الشكل”.

  

يشير الشاطر إلى أن القلق يبقى أقلّ تجاه أغلب الأنواع الموجودة في سوريا -التي تم تقييمها عالمياً من حيث التهديد وهي أنواع واسعة الانتشار- من تلك المتوطنة في سوريا، والتي لا توجد في أي مكان آخر، “هذه الأنواع بحاجة إلى تقييم سريع، ولا يمكن الانتظار من جهة خارج سوريا أن تقوم بتقييمها”، ويضيف: “لكن؛ التقييم حسب معايير IUCN نادر في سوريا حتى الآن، ولم تكن هناك سياسة حكومية للسير في هذا الاتجاه بل إن العلاقة مع IUCN كانت في حدها الأدنى وربما ما تزال”، ويطرح مثالاً عن الأنواع النباتية في سوريا، فمن أصل ما يقارب 1100 نوع نباتي مسجل في محافظة اللاذقية، هناك 832 نوعاً – بشكل تقريبيّ- مدرج في فئة غير مقيم في اللائحة الحمراء، وبعض هذه الأنواع قد يكون نادراً أو متوطناً وقد ينقرض قبل التمكّن من إدراجه في إحدى الفئات.

يستبعد الشاطر وجود أنواع نباتية تم تقييمها على أنها منقرضة في سوريا من خلال عمل جدّي يتبع معايير IUCN، لكن من خلال خبرته يذكر أن العديد من الأنواع قد تحتمل أن تكون مهددة، ويقول عن تجربته الشخصية في التقييم: “ولكن ما شاركت بتقييمه فعلياً حسب معايير IUCN هو سوسن نصير وهو نوع متوطن في أعالي الجبال الساحلية وبعد عمل مجهد تم وضعه عام 2016 في فئة مهدد بشكل خطير”.

على الرغم من عدم وجود قائمة تحدد رقعة انتشار النباتات المهددة بالانقراض في سوريا، يشدد الشاطر على ضرورة استهداف الأنواع المتوطنة المعروفة أولاً، ويرجع انقراض الأنواع إلى مجموعة أسباب بحسب المراجع العالمية، مثل تخريب الموائل؛ فالنوع الذي يعيش في الغابة، سيختفي إذا اختفت الغابة، سواء بالقطع أو الحريق، كذلك النوع الذي يعيش على ضفة مجرى مائي، سيختفي بدوره إذا تم تجفيف هذا المجرى. السبب الثاني المعروف عالمياً هو الأنواع المدخلة، فهي عملية خطيرة بحسب الشاطر، الذي يقول: “يمكن لنوع أجنبي أن يستبعد نوعاً محلياً ويقضي عليه. وهذا الموضوع مُهمَل لدينا إلى حد كبير، وما يزال بإمكان أي مشتل إدخال أي نوع دون ضوابط أو شروط”، بالإضافة إلى ذلك هناك أسباب أخرى تؤدي إلى انقراض الأنواع أو تهديد وجودها مثل التلوّث، والتغير المناخي، وغير ذلك من الأسباب التي ترتبط بشكل مباشر بالنشاط البشري.

تواجه عملية التوثيق في سوريا مجموعة من التحديات، أبرزها التحديات الميدانية التي تعيق عمل فرق البحث والتوثيق، فأثناء عمليات البحث والرصد، قد تواجه الفرق مشكلة الوصول إلى النوع وتحديد موائله بدقة، وهو عمل يسبق تحديد درجة تهديده، وما يزال عدد كبير من الأنواع خارج التقييم. كذلك يشكّل غياب الفرق المتفرّغة في وزارتي البيئة أو الزراعة للرصد والتوثيق عائقاً أمام ضمان استمرارية هذه العملية، التي تسير بشكل فرديّ غالباً أو بدعم ضعيف جداً، بحسب الشاطر، كما أثّرت الأوضاع الأمنية والاقتصادية على سير الأبحاث وتوثيق الأنواع النباتية، يقول الشاطر في هذا السياق: “الأوضاع الأمنية والاقتصادية هي تحدٍ كبير للعمل الحقلي، ولكن هناك جهد كبير يجب أن يُبذل قبل الخروج للعمل الحقلي وهو لم يتم حتى الآن”.

غياب البرامج أو المبادرات الوطنية التي تهدف إلى حماية النباتات المهددة بالانقراض أو استعادتها، يؤدي أيضاً إلى انعدام الجهود المنظمة التي تهدف إلى تحديد الأنواع ومهدداتها، وما يتبعه من التواصل بجهد وبدرجة عالية من الوعي مع الناس لحمايتها، والذي سيسهم في تعزيز دور المجتمعات المحلية والمزارعين في الحفاظ على الأنواع النباتية الأصلية. “في أغلب الأحيان يساهم المجتمع المحلي في انقراض الأنواع بسبب الجهل والحاجة، حيث يتم سنوياً اقتلاع وبيع عدد كبير من أنواع الفصيلة السحلبية (الأوركيدات)، والتي تتعرض لتهديد كبير وتصنف في كثير من أنحاء العالم على قائمة الأنواع المهددة بالانقراض دون وجود رقيب على ذلك”، يوضح الشاطر. 

لا توجد سياسة واضحة معلنة حول تطوير قاعدة بيانات على المستوى الوطني، لتكون مصدراً موثوقاً حول النباتات المهددة بالانقراض، وضمان استمرارية البحث من قبل الجهات المعنية، “حتى أنه لا توجد فلورا رسمية حكومية، وهي الخطوة الأساسية في أي عمل لصون التنوع وحمايته”، والفلورا الموجودة حالياً هي مبادرة فردية من د. موفق الشيخ علي  والتي تحتاج إلى دعم كبير بحيث يمكن الاستفادة من العمل الأساسي الذي تقوم به كقاعدة بيانات تسهم لاحقاً في تطوير إجراءات وبرامج حماية الأنواع من الانقراض.

يقترح الدكتور زهير الشاطر على الجهات المعنية أن تتبنى هذا الموضوع على شكل برنامج وطني يحدد الأولويات وخطوات العمل وبمشاركة جميع الجهات، بهدف دعم سياسات حماية النباتات المهددة، وضمان استمرارية التنوّع الحيوي النباتي في سوريا على المدى الطويل. كما يوّجه رسالة إلى السوريين بشكل عام حول أهمية الحفاظ على النباتات الأصلية السورية ودورها في البيئة المحلية: “التنوع الحيوي هو جزء من تراث البلاد، وهو أساس التراث الطبيعي، وبالتالي حمايته والحفاظ عليه هو عمل وطني بامتياز. هناك جهد مهمّ يجب أن يُبذل من قبل صنّاع القرار ثم يتم إكماله من قبل المواطنين والمزارعين”.

Scroll to Top