من يحمي الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء الكوارث؟

ليلى جروج 

أثارت موجات الحرائق المتعددة التي ضربت سوريا منذ بداية العام الجاري مجموعة من المخاوف على المستويين البيئي والبشري، وشهدت مناطق ريفي حماة واللاذقية حالات نزوح بعد اقتراب النيران من المباني السكنية، لكن؛ واجه بعض الأشخاص من ذوي الإعاقة صعوبات تتمثل بوصولهم إلى مناطق آمنة، بالإضافة إلى الضغوطات النفسية والتخوّف الدائم من عدم القدرة على النجاة من جهة، والتسبب بالضرر للأهل من جهة أُخرى، ولم يقتصر الأمر على النجاة بأرواحهم مع ذويهم بل امتد للخوف على مصادر رزقهم وإمكانية خسارتها.

أدت الحرائق التي اندلعت في سهل الغاب خلال شهر آب الماضي إلى حالة من الهلع والخوف الشديدين على الأشخاص ذوي الإعاقة في المنطقة، تقول سارة العلي (اسم مستعار)، وهي مقدمة رعاية لأخيها المصاب بالشلل الرباعيّ، إنه مع اندلاع الحرائق الأخيرة شعر سامر العلي (اسم مستعار) بأنه يشكّل عائقاً أمام عائلته حيث طلب منهم مغادرة المنزل وتركه إذا اضطرهم الأمر للنزوح، وتضيف لمجلة لحلاح: “يعتقد سامر أنه سيكون سبباً في هلاكنا جميعاً، وهي ليست المرة الأولى التي نواجه فيه هذا الأمر، فقد واجهناه مسبقاً عندما ضرب الزلزال سوريا، المشكلة أنه يصبح غير قابلٍ للنقاش ويفقد السيطرة على أعصابه”.

يرى سامر أن أهله يقدمون له الرعاية منذ وقت طويل جداً، وعلى الرغم من أن الحرائق ليست بجديدة على المنطقة، لكن هذه الأخيرة كانت مخيفة جداً وشديدة الخطورة، “لا أعلم إن كان الخوف عليهم أو على نفسي هو ما يقلقني، كانت الحرائق بعيدة نسبياً عن منزلنا، إلا أنني شعرت بخوف شديد من سرعة انتشارها واقترابها من المنازل”، يقول سامر لمجلة لحلاح موضحاً أن الأمر لا يقتصر على الخروج بأمان فقط، بل ما يرافقه من حاجته لسريره وكرسيه الكهربائي الذي يصعب نقله فيه ضمن منطقتهم بسبب صعوبة التضاريس.

أما عن إمكانية خروجه بطريقة آمنة فيرى سامر أن حجم الكوارث الطبيعية يشكّل حالة من الهلع عند معظم الناس، فغالباً ما يحاولون السيطرة على الكارثة إن أمكن ذلك، أو النجاة بأرواحهم، يقول: “تداخلت في رأسي مئات السيناريوهات الوارد حصولها، فقدت قدرتي على النوم، وعشت حالة من القلق وربما الذنب في حال تسببت بتأخر خروج أهلي من المنزل ما قد يؤدي إلى محاصرتنا بالنيران”.

توضح الناشطة شيماء هلال أن الوقع النفسيّ على الأشخاص ذوي الإعاقة بسبب الكوارث شيء مؤكد، “قد يكون بطريقة سلبية عند البعض، بسبب اختلاف طريقة التقبُّل والتعامل مع الحدث، والثقة بالنفس والاعتراف بوجود استعداد نفسيّ لتقبُّل الصدمات، ووجود صلابة نفسيّة”، بالإضافة إلى الإحساس بالذنب وما يرافقه من أفكار قد تراودهم حول مسؤوليتهم عما قد يتعرّض له الأهل من خطر بسببهم.

من جهتها ترى علياء القاضي (اسم مستعار) أن خوفها لم يقتصر على صعوبة تنقلّها بسبب الإعاقة الحركيّة وإنما امتد إلى التفكير بكيفيّة استمرارية قدرتها على الحياة في حال وصلت الحرائق إلى مدينتها سلحب، “جهّز لي أهلي محلاً صغيراً لبيع الملابس؛ لأقضي فيه يومي وليكون مصدراً مستقلاً للدخل، لكن مع اقتراب الحرائق من المنازل راودتني بعض الأفكار حول إمكانية خسارتي لمصدر رزقي البسيط هذا، أو حتى فقدان المنزل الذي جهّزته عائلتي ليناسب إعاقتي بأبسط الطرق”.

تفتقد سوريا بشكل عام للتجهيزات التي تسهم في تسهيل حركة وحياة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتنعدم هذه المزايا في الأرياف بشكل عام، وفي هذا الصدد ترى شيماء هلال أنه لا يمكن الجزم بأن سوريا كلها غير مهيئة للأشخاص ذوي الإعاقة لممارسة حياتهم، لكن قلة قليلة جداً من الأماكن مجهزة لتناسبهم، خصوصاً البنى التحتيّة التي تعدّ الحدّ الأدنى من الخدمات، بالإضافة إلى عدم تقبّل المجتمع للأشخاص ذوي الإعاقة، وعدم وجود وسائل مساعدة ومتاحة بشكل طبيعي وبوقت مرن، وغياب القوانين والسياسات التي تحفظ حقوقهم، “هذه الأمور مجتمعة ستؤدي إلى غياب القدرة على الوصول إلى حقوقهم وبالتالي سينعكس هذا الأمر في حالات الكوارث، بما في ذلك عمليات الإخلاء”.

في حين يرى حسام الديب (اسم مستعار) أن انتقاله على الكرسي المدولب بسبب حالة الشلل النصفي التي ولد بها سببت له أزمة في الخروج من المنزل، لكنه عمل على التأقلم معها بمساعدة زوجته وعائلته، “لكن الوضع اختلف عند اندلاع الحرائق”، يوضح: “أنا احتاج للتنقل على الكرسي بحذر شديد لأن الطرقات وعرة وغير جيدة، وغالباً ما ترافقني زوجتي، لكن عند اندلاع الحرائق اضطررت للخروج مع عائلتي مبكراً من المنزل والانتقال إلى قرية مجاورة”، ويعزي الديب هذا الأمر إلى عدم توّفر أي وسيلة تساعده على التنقل بشكل آمن دون التعرّض للأذى أو السقوط المفاجئ في حال اقتراب الحرائق من قريته، كما يضيف أن الأمر لا يقتصر على الطرقات أو الوسائل المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة في الطرقات، حيث يعتمد الأمر أيضاً على وسيلة النقل التي سيستخدمها، “لا توجد سيارات مجهزة لأتمكن من الصعود بطريقة سهلة، حيث أحتاج إلى شخص ليحملني لأجلس في السيارة، وأحتاج لمكان مخصص للكرسي الخاص بي لنقله معي، وهذا الأمر ليس سهلاً لأنه يتطلب شخصاً قوياً ليحملني إلى السيارة وهو ما لا تستطيع زوجتي فعله بمفردها.. ساعدني ابن عمي وهو سائق تاكسي بحملي وإيصالي إلى القرية المجاورة، لكن لا أعلم مدى قدرته على نقلي مجدداً في حال تكرر الأمر”.

 ليست الحرائق أولى الكوارث الطبيعيّة التي ضربت سوريا، فقد سبقها زلزال السادس من شباط عام 2023، والذي تأثرت فيه بشكل كبير كل من محافظات إدلب وحماة وحلب واللاذقية، وقد عانى السوريون في كل من سوريا وتركيا من نتائج الزلزال، ومع تكرار كارثة الحرائق عادت إلى أذهان الأشخاص ذوي الإعاقة حالة الهلع وفقدان الخدمات والإغاثة والإنقاذ التي من الممكن أن تساهم في حمايتهم أو التقليل من الأضرار عليهم. ترى علياء القاضي أن الأمر يعود ربما إلى عدم وجود قاعدة بيانات خاصة تشمل كامل الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا، “لن تعرف فرق الإنقاذ من تلقاء نفسها أن هناك شخص من ذوي الإعاقة في هذا المنزل أو غيره، ولا يمكن أن نلقي اللوم عليهم في هذا الأمر، لكن من الجيد أن يؤخذ أمر الأشخاص ذوي الإعاقة بطريقة مدروسة أكثر من قبل الحكومة أو المنظمات العاملة على الأرض”.

بدورها ترى سارة العلي في السياق ذاته أنه يجب تخصيص رقم خاص بالأشخاص ذوي الإعاقة وتعميمه على المخاتير والجهات المحلية، “من الممكن أن يكون هناك خطوط ساخنة أو أرقام تخص الأشخاص ذوي الإعاقة ونحن لا نعرفها بسبب نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ ونحن لا نستخدمها أصلاً، لذلك يجب تعميمها على المجتمع المحلي من بلديات ومخاتير لنتمكن من الوصول إليها”، كذلك فإن فتخصيص قسم من الطوارئ أو الإسعاف للأشخاص ذوي الإعاقة قد يسهم في التخفيف عن الفرق العاملة على الأرض التي تعمل على استيعاب الكارثة بالدرجة الأولى.

أما حسام الديب فيرى أن المجتمع المحلي لا يقصّر في حماية الناس جميعاً، وهو عرف اجتماعيّ عام، وخصوصاً بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، لكن الوضع يصبح أكثر خطورةً في حالات الكوارث الطبيعيّة والأزمات، لأنه لا يوجد تنسيق وتخطيط مسبق للتعامل مع هذه الكوارث، خاصة أن أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة غير معروفة بشكل دقيق من جهة، ولأن البلاد منهكة على كافة المستويات من جهة أخرى، “لكن من الجيد أن يدرك الناس جميعاً، وخاصة المنظمات غير الحكومية، أن السلة الصحية أو الغذائية ليست دائماً الحل للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة”، ويعتبر الديب أن هناك سوء فهم واضح حول أن الأشخاص ذوي الإعاقة “مساكين” أو يحتاجون معونات فقط، لكن الحقيقة أن المجتمع يحتاج إلى تغيير هذه الفكرة أولاً، وعلى المنظمات والحكومة العمل معاً على مشاريع حقيقية تخص تأهيل الطرقات والمؤسسات والقوانين لتخدم جميع الناس بما في ذلك الأشخاص ذوي الإعاقة.

كذلك يؤكد سامر العلي على نظرة المجتمع السلبية للأشخاص ذوي الإعاقة: “ولدت في حالة أدت إلى كوني من ذوي الإعاقة، لكن هذا لا يعني أنني أحتاج طعام أو شراب أو معونة بعد انتهاء الكارثة، ربما ما احتجت إليه عند اقتراب الحرائق هو الاطمئنان إلى أنني سأكون بخير مع عائلتي، وأن خروجي من المنزل هو أمر سهل ومؤمّن مثل أي إنسان”، ويضيف العلي أن فكرة المعونة غير مفهومة بالنسبة له، خاصة بعد انتهاء الكارثة، “ربما جميع المنازل السوريّة تحتاج إلى مساعدات في ظل الأوضاع الحاليّة، لكن لا يعني أن المعونة هي كل ما يحتاجه الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا”. 

“أعتقد أن وزارة الكوارث والطوارئ وفرق الدفاع المدني على اطلاع أو بصدد تطوير طرق للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة” تقول شيماء هلال، وتضيف أن المسؤولية المجتمعيّة تتمثل بتعزيز دور الأشخاص ذوي الإعاقة، والتركيز على التوعية بحقوقهم وواجباتهم. 

أما أهم واجب على الحكومة، من وجهة نظر هلال، هو تطبيق الاتفاقية الدوليّة الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة عام 2007، مشيراً إلى أن “التوقيع على الاتفاقية غير ملزم؛ لكن طالما شاركت سوريا بالتوقيع عليها فمن الجيد تطبيق البنود التي تشملها لحفظ حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الكوارث الطبيعيّة”.

الجدير بالذكر أن المادة 11 (حالات الخطر والطوارئ الإنسانيّة) من الاتفاقية تنص على تعهد الدول الأطراف وفقاً لمسؤولياتها الواردة في القانون الدوليّ، بما فيها القانون الإنسانيّ الدوليّ وكذلك القانون الدوليّ لحقوق الإنسان، باتخاذ كافة التدابير الممكنة لضمان حماية وسلامة الأشخاص ذوي الإعاقة المتواجدين في حالات تتسم بالخطورة، بما في ذلك حالات النـزاع المسلّح والطوارئ الإنسانيّة والكوارث الطبيعيّة.

Scroll to Top