مغامرة زراعة الكمون في منبج

رؤى النايف

تواجه زراعة الكمون في منبج بريف حلب تحديات متشابكة جعلته من أكثر المحاصيل الزراعية مخاطرة، وذلك في ظل اعتماد المزارعين شبه الكامل على الأمطار غير المنتظمة، ما يعرّض المحصول للجفاف عند تأخر الهطولات، أو لأضرار كبيرة في حال هطول أمطار غزيرة ومفاجئة، ولا سيما خلال مراحل الإزهار وقرب الحصاد، حيث تؤدي الرطوبة الزائدة إلى انتشار الأمراض الفطرية وتعفن الجذور. 

تزداد هذه المشكلات مع طبيعة بعض الأراضي الثقيلة وضعف الصرف الزراعي، في وقت يرفع فيه نقص مصادر الري وارتفاع أسعار الوقود من كلفة الري التكميلي، ليشكّل عبئاً إضافياً على الفلاحين.

يشير أحد المزارعين في منبج (طلب عدم ذكر اسمه) إلى أن زراعة الكمون، حتى في المواسم الجيدة، بالكاد تحقق مردوداً مجزياً، إذ لا يتجاوز إنتاج الهكتار الواحد نحو 300 كيلوغرام في أفضل الأحوال، ويوضح أن كلفة الإنتاج باتت مرتفعة منذ بداية الموسم بسبب غلاء المازوت، حيث تصل كلفة فلاحة الأرض والبذار باستخدام الجرار إلى نحو 50 دولاراً للهكتار، دون احتساب أجور اليد العاملة. 

هناك أيضاً تكاليف شراء البذار التي تُباع بالكيلو من خانات الأعلاف والبذار، ويحتاج الهكتار الواحد إلى قرابة 35 كيلوغراماً، بينما بلغ سعر الكيلو هذا العام نحو 4 دولارات، إلى جانب تكاليف الأسمدة والمبيدات وأجور التعشيب اليدوي. ومع حلول موسم الحصاد، تتضاعف المصاريف، إذ يُحصد الكمون يدوياً، ثم يُجمع ويُنشر ليجفّ، قبل أن تُستخدم الفرّازة لاستخراج البذار، ما يزيد من الأعباء المالية التي يتحمّلها المزارعون. 

المزارع نوّه في حديثه للحلاح إلى أن شحّ الأمطار في الموسم الماضي أدّى إلى خسائر كبيرة، حيث اضطر كثير من المزارعين إلى ترك محاصيلهم في الأرض دون حصاد بعد فشلها بالكامل.

في هذا السياق يرى المهندس الزراعي، عمران الغالب، أن الحدّ من تراجع زراعة الكمون يبدأ بالاختيار الصحيح للتربة، مشدداً على ضرورة زراعته في أراضٍ خفيفة إلى متوسطة القوام، جيدة الصرف، والابتعاد عن الأراضي الطينية الثقيلة التي تحتفظ بالرطوبة وتشكّل بيئة مناسبة لانتشار الأمراض. 

كما يؤكّد على أهمية الالتزام بالدورة الزراعية وعدم زراعة الكمون في الأرض نفسها قبل مرور عدة سنوات، لما لذلك من دور في تقليل الإصابات المرضية، ويضيف الغالب أن تقليل الخسائر ممكن عبر إدارة التكاليف منذ بداية الموسم، من خلال تحديد موعد زراعة دقيق يتناسب مع الهطولات المطرية المتوقّعة لتجنّب الريّ قدر الإمكان، واستخدام بذار نظيف ومجرّب من مواسم سابقة بدل الاعتماد على البذار التجارية مرتفعة الثمن، مع الالتزام بالكميات المناسبة. 

كذلك يشدّد الغالب على أهمية التعشيب المبكر والميكانيكي إن أمكن، واستخدام الأسمدة بشكل مدروس وفق حاجة التربة، إلى جانب تشجيع التعاون بين المزارعين في تنظيم الحصاد وتأمين الفرّازة بشكل جماعي، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي المحلي.

في ضوء هذه التحدّيات، تبدو زراعة الكمون في منبج اليوم أمام مفترق طرق، بين الاستمرار كمحصول نقدي تقليدي يعتمد عليه كثير من السكان المحليين، أو التراجع تحت ضغط التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج، ويجمع المزارعون على أن إنقاذ هذا المحصول لا يكون بالاعتماد على الحظّ أو المواسم الجيدة فقط، بل من خلال إدارة زراعية واعية، واختيار التربة المناسبة، وترشيد النفقات، وتوفير دعم فني وإرشادي حقيقي للفلاح، بما يضمن تقليل الخسائر وتحقيق حدّ أدنى من الاستقرار الزراعي في المنطقة.

Scroll to Top