رؤى النايف
في عالم تتسارع فيه وتيرة التغير المناخي وترتفع فيه معدلات الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة، يصبح الرجوع إلى جذورنا البيئية القديمة أكثر من مجرد حنين إلى الماضي؛ إنه ضرورة ملحّة لفهم كيف استطاع أجدادنا أن يحققوا توازناً حقيقياً بين احتياجاتهم وحماية الطبيعة، فقد تربّت الأجيال القديمة على عادات بسيطة لكنها كانت تحمل في جوهرها احتراماً عميقاً للموارد الطبيعية، وإحساساً فطرياً بالمسؤولية تجاه البيئة.
اليوم، بينما يواجه أطفالنا تحديات معقدة كالتلوث، تغيّر المناخ، وتراجع المساحات الخضراء، نكتشف أن تلك الممارسات القديمة ليست مجرد ذكريات، بل حلول واقعية يمكن إحياؤها وتطويرها لتصبح جزءاً من تربية الأجيال الجديدة.
لانا عبدي، الميسّرة في إحدى المنظمات البيئية بمدينة القامشلي، تقول لمجلة لحلاح: “حين نتأمّل العادات البيئية التي تربّى عليها آباؤنا وأجدادنا، ندرك أن معظمها لم يكن نتيجة حملات توعية أو تدخلات رسمية، بل كانت ثمرة فطرة سليمة وإحساس عميق بقيمة الموارد. كان الإنسان أكثر قرباً من الأرض، يعرف إيقاع الطبيعة، ويشعر بأن أي إسراف سينعكس عليه فوراً”. هذه القيم، رغم بساطتها، تحمل مبادئ استدامة سبقت عصرها، ولذلك فالعودة إليها اليوم ليست خطوة للخلف، بل هي “قاعدة ضرورية لبناء وعي بيئي جديد”.
تضيف عبدي أنه من خلال الجلسات التوعوية والنقاشات التي تُقام للأطفال والأهالي، “نلاحظ أن كثيراً من السلوكيات البيئية التي نحاول ترسيخها اليوم كانت جزءاً طبيعياً من الحياة في السابق؛ نحن نعمل على تعليم الأطفال كيفية احترام الماء، والحد من الهدر، وفرز النفايات، والعناية بالنباتات، لكن هذه المفاهيم كانت سابقاً جزءاً من التربية اليومية داخل كل بيت من دون الحاجة لشعارات أو حملات”، وتتابع: “عندما نتحدث مع الأهالي، نذكّرهم بأنهم تربّوا على عادات بسيطة لكنها عميقة المعنى”، مثل إصلاح الأدوات بدل رميها، وإعادة استخدام الأغراض بطرق مختلفة، والاعتماد على الزراعة المنزلية في الساحات والأسطح، وهي ممارسات تقلّل النفايات وتقوي علاقة الإنسان بالأرض.
اليوم، ومع كثرة الاستهلاك وسهولة الاستبدال، تراجعت هذه العادات، وأصبح الأطفال أقل ارتباطاً بالطبيعة. تشرح عبدي أن المقارنة بين الماضي والحاضر تُظهر الحاجة الملحة لتعزيز تلك القيم: “في الماضي كان البلاستيك نادراً، والنفايات أقلّ حجماً، والحركة اليومية تعتمد على المشي بدل المركبات. اليوم، أمام وفرة المواد وسرعة الشراء، أصبحت البيئة تدفع الثمن، لذلك نحاول من خلال جلساتنا أن نعيد إحياء تلك القيم في الذاكرة التربوية للأهالي، ونعلّم الأطفال أن الاستدامة ليست مفهوماً جديدًا، بل جزء من إرث عاشه أجدادهم بطريقة فطرية”.
تبيّن عبدي أنها لا تدعو للعودة إلى الماضي كما هو، بل للاستفادة من تلك الممارسات الحكيمة التي تشكل أرضية يمكن البناء عليها. “فإذا استطعنا أن نعيد للأطفال قيمة الأشياء، ونرسّخ فيهم احترام الماء والطبيعة، سنكون قد وضعنا خطوة مهمة نحو جيل أكثر وعياً ومسؤولية تجاه بيئته”.
كيف نعلّم أطفالنا هذه العادات اليوم؟
تؤكد الكثير من التربويات على أن بناء وعي بيئي لدى الأجيال الجديدة لا يتحقق عبر الدروس النظرية فحسب، بل من خلال ممارسات يومية يختبرها الطفل ويعيشها ضمن بيئته القريبة. وفي ظل التحديات البيئية المتزايدة، تبرز أهمية المدرسة والأسرة في تعزيز قيم الاستدامة وترسيخ السلوكيات الصحيحة منذ الطفولة.
ترى معلمة علوم في إحدى المدارس الابتدائية بمدينة الحسكة (طلبت عدم ذكر اسمها) أن نقل العادات البيئية السليمة إلى الأطفال يتطلب أكثر من تقديم إرشادات أو تكرار النصائح، فالطفل بحاجة لأن يعيش السلوك، وأن يراه متجسّداً في محيطه، وأن يشعر بأنه جزء من حياته اليومية وليس واجباً ثقيلاً يُفرض عليه، فالتربية البيئية تبدأ من القدوة، عندما يرى الطفل أهله يطفئون الأنوار غير الضرورية، أو يخففون استخدام الماء، أو يخصصون وقتًا للاعتناء بالنباتات، فإنه يستوعب السلوك من دون أن نشرح له كثيراً، فالسلوك الذي يُمارَس أمامه يترسخ أقوى من أي درس نظري نلقّنه.
وتضيف: “يمكن جعل السلوك البيئي تجربة ممتعة وملهمة، من خلال أنشطة بسيطة تجمع بين المتعة والفائدة، كأن يزرع الطفل نبتة صغيرة ويتابع نموها يومًا بعد يوم، أو يشارك في إعادة تدوير الأشياء داخل المنزل بطريقة مبتكرة، أو يصنع شيئاً بيديه من مواد مستعملة. هذه التجارب تبني علاقة حقيقية بين الطفل وبين البيئة”.
منح الأطفال مسؤوليات صغيرة يشعرون من خلالها بالإنجاز يساهم في ترسيخ السلوك الصحيح، كإسناد مهام بسيطة مثل فرز النفايات، أو سقاية النباتات، أو التأكد من إطفاء الأجهزة غير المستخدمة، يمنح الطفل إحساسًا بأنه قادر على إحداث فرق، وهذا الشعور وحده كفيل بترسيخ السلوك المستدام.
كما ترى المعلمة أن التكنولوجيا رغم أنها أحد أسباب التشتت عند الأطفال يمكن أن تكون وسيلة مفيدة إذا استُخدمت بشكل سليم، إذ هناك تطبيقات تعليمية ممتعة، ومقاطع قصيرة تشرح بطريقة بسيطة أثر السلوكيات الجيدة والسيئة على البيئة. إذا وُظفت هذه الأدوات بشكل صحيح يمكن أن تتحول إلى مصدر وعي لا إلى عائق.
وتختم بالقول: “لا يمكن أن نبني وعيًا بيئياً من دون علاقة عاطفية بين الطفل والطبيعة. الرحلات الخارجية، والنزهات، والتعرّف إلى النباتات والحيوانات، كلها تزرع في الطفل شعورًا بالانتماء للطبيعة. والحب هو أساس الحماية؛ فمن يحب شيئًا يحافظ عليه.
العادات لمواجهة التحديات
لم تعد التحديات البيئية اليوم بسيطة أو محصورة في نطاق المنزل، بل أصبحت شاملة وتحتاج إلى حلول تتناسب مع تطوّر الحياة. ولذلك، فإن تطوير العادات القديمة لتصبح جزءاً من منهج حياة مستدام يعد خطوة ضرورية، فترشيد الماء والكهرباء يمكن أن يتحوّل إلى إدارة رشيدة للموارد من خلال استخدام تقنيات ذكية تنظم الاستهلاك وتقلل الهدر، وفكرة إعادة الاستخدام يمكن تطويرها إلى مفهوم “الاقتصاد الدائري” الذي يشجع على إصلاح الأشياء وإعادة تصنيعها وإطالة عمرها بدل التخلص منها سريعاً.
كما يمكن تحويل الزراعة المنزلية إلى مشروع صغير يعزز الأمن الغذائي الأسري ويُشرك الأطفال في عملية الإنتاج، مما يرسخ قيم الصبر والمسؤولية. والتكنولوجيا، رغم كونها أحد أسباب الاستهلاك المفرط، يمكن تسخيرها لحماية البيئة عبر أدوات ذكية وحلول رقمية تساعد على التقليل من الهدر.
أما المبادرات الجماعية، فهي تمنح هذه الجهود بعدًا اجتماعيًا، فحملات التنظيف والمشاريع البيئية المدرسية ومبادرات تبادل الأدوات والملابس جميعها تخلق روح تعاون تُسهم في بناء مجتمع واعٍ ومتماسك.
إن إحياء العادات البيئية القديمة ليس رجوعًا إلى الوراء، بل هو تقدم واعٍ نحو مستقبلٍ أكثر استدامة، فالقيم التي عاش عليها الجيل السابق تحمل في جوهرها حلولًا حقيقية لأزمات اليوم، وتعليمها لأطفالنا يعني بناء جيل أكثر قدرة على اتخاذ خيارات مسؤولة تجاه البيئة، كما يمكن أن تتحول هذه العادات إلى ثقافة راسخة تُسهم في حماية كوكبنا وتضمن لأطفالنا مستقبلاً أخضر أكثر أمناً واتساعاً.



