صحافة بيئية في زمن الانحطاط

دلير يوسف

يقول منشور لأحد أصدقائي يروّج فيه لصفحة مجلة لحلاح الجديدة على منصة “فيسبوك” إنه “وفي قلب كل الخراب، في ناس عم تفكر لبكرا وبعد بكرا..”، وهو يقصدنا نحن، العاملين والعاملات في المجلة.

دفعتني هذه الجملة إلى التفكير في معنى ما نفعل، ونحن وبلادنا نعاني من الموت والخراب والحصار. ما نفع ما نفعل؟ ما نفع ما نقول؟ وعلى الرغم من أنّنا، ومنذ إنشاء لحلاح، كتبنا مقالات عديدة، وناقشنا ضمن الفريق معنى ما نفعل في هذا الزمن، الذي أسميه عصر الانحطاط، وقد أكون قاسياً على زماني الذي أحبّ، لكن ربّما في إعادة الكلام إفادة لنا ولمن يقرأ.

قرأت منذ قليل خبراً يقول إن 13 طفلاً قضوا بسبب الجوع خلال شهر واحد في مخيم واحد في السودان، ومنذ سنتين لا تنقطع أخبار المجاعة والحصار في غزة الحبيبة، ومنذ أسابيع تصلنا تباعاً أخبار معارك وحصار السويداء. الناس في كل مكان في بلادنا التعيسة يُقتلون ويُهجّرون ويُعاقبون بالجوع والعطش والاعتقال والتعذيب والإهانة والإذلال، فكيف إذاً نحكي عن البيئة والأشجار والبذور والماء وسط هذا المشهد المُثقل بالخذلان والدمّ؟

هذا سؤال مُلّح بالنسبة لنا، نسأله لأنفسنا كلّ حين، لكن يبدو حين نُسأله كاتّهام ضمنيّ: تكتبون عن البيئة والدماء لم تجفّ بعد؟ هذا ترفٌق لا يليق بنا. لكنّنا نرى الأمر على نحوٍ آخر. وسأحاول شرح وجهة نظرنا في السطور التالية.

نكتب عن البيئة لأنّ الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تفتك بالأرض أيضاً، وتحرق الغابات، وتسمّم الأنهار، وتجفّف الآبار، وتزرع القنابل بدل الحبوب، ولأنّ الحصار ليس سياسياً فقط، بل بيئيّ أيضاً. في السويداء، كما في غزة، كما في دارفور، الأرض نفسها تُحاصر.

حين تُقطع المياه عن مدينة، أو تُحرق محاصيل قرية، أو تُستخدم الجبال كقواعد عسكرية بدل أن تكون مراعي للحيوانات مثلًا، فإننا لا نتحدّث فقط عن البيئة، بل عن العدالة، وعن الحقّ في البقاء.

البيئة ليست موضوعاً منفصلاً عن الحرب، بل جزءٌ منها. في غزة، تلوّثت المياه وتلوّث الهواء، ودُمّرت البنى التحتية البيئية. في سوريا، أُحرقت الغابات، وأُهملت الزراعة، وتلوّثت التربة بسبب الأسلحة. في السودان، أدى النزوح الجماعيّ إلى استنزاف الموارد في مناطق اللجوء. هذه أمثلة فقط، تُظهر لنا أنّ البيئة ضحيّة مباشرة للحرب، وأنّ الناس يتألمون بسبب ذلك.

البيئة ليست هامشاً، إنها قلب الحياة وعمق المعركة، معركة الحقّ في الحياة، فمن يملك الماء يملك القرار، ومن يملك البذور يملك المستقبل، ومن يعرف كيف يصمد في/مع الأرض يعرف كيف يعيد إعمار تلك الأرض.

البيئة أساس الصمود، حتى في ظل الحصار والمجاعة والحرب. الناس يزرعون ليبقوا أحياءً، لأنّ مصادر الغذاء المحلية تصبح حاسمة، مثلما خبرنا مثلاً في أيام حصار الغوطة الشرقية منذ العام 2013 وحتى 2018، حيث شهدنا كيف تعود المجتمعات للاعتماد على الأرض، أي أنّ الحديث عن البيئة هو حديث عن أدوات البقاء، لا حديث ناتج عن رفاهية.

في مجلة لحلاح لا نفصل بين البيئة والسياسة، بين النبتة والإنسان. نكتب عن البيئة لأنها مرآة للصراع، ونافذة للنجاة، وذاكرة أخرى للجريمة. نكتب عن البيئة لأنها تمنحنا لغات بديلة للحديث عن الخسارة، وأدوات بديلة للصمود.

نكتب لأن العدالة البيئية هي جزء من العدالة الإنسانية، فحين يُحرم الناس من المياه النظيفة، أو من الغذاء الناتج عن أراضٍ ملوثة أو محروقة، فإننا نتحدّث عن انتهاكٍ لحقوق الإنسان، والصحافة البيئية تكشف هذا الانتهاك، وتربط بين الظلم السياسي والدمار البيئي، وهو ما لا تفعله دائماً الصحافة السياسية أو العسكرية.

الصحافة البيئية قادرة على كشف الجرائم بطريقة مختلفة، مثلاً: كيف تُستخدم المياه كسلاح في الحصار، وعن كيف تلوّث الجيوش والميليشيات الأراضي والهواء، وكيف تُحرم المجتمعات من مصادرها الطبيعية.

في لحلاح نحاول أن نمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، للمزارعين والرعاة والنساء في الريف والناشطين والناشطات البيئيين، وللمجتمعات المُهمّشة بيئياً واقتصادياً، والذين غالباً ما يتم تجاهلهم.

لو انتظرنا انتهاء الحروب، أو انتهاء أيّ شيء، لنبدأ الاهتمام بالبيئة، قد لا يبقى شيء نهتم به. نحن بحاجة إلى التفكير في اليوم القادم وما بعد اليوم القادم، تماماً مثلما قال صديقي في منشوره. نحن نحتاج إلى رؤية بيئية للصمود والنجاة وليس فقط انتظار “السلام” الذي قد لا يأتي.

نرى في لحلاح خاصة، وفي الصحافة البيئية عامة، نوعاً من المقاومة وإصراراً على أن نرى الصورة الكاملة، لا فقط انفجاراتها. نرى فيها عدسة أخرى لتحليل الواقع، وربّما أداة للتفكير في النجاة منه.

Scroll to Top