سنة على إطلاق لحلاح.. ماذا بعد؟

نحتفل في هذا الأسبوع بمرور سنة كاملة على إطلاق مجلة لحلاح الإلكترونية، أول مجلة بيئية في سوريا. عامٌ مضى، وها نحن، بالحماسة نفسها التي بدأنا بها، ننشر العدد السابع والعشرين. 

بالنسبة لنا، لم تكن هذه السنة عابرة؛ ففي ستةٍ وعشرين عدداً نشرنا 98 تقريراً، و44 مقالة، بالإضافة إلى عشرات الصور والأخبار، حاولنا من خلالها أن نروي حكايات الأمكنة والناس، وأن نفتح نافذةً على ما يجري في بيئتنا، بكل ما فيها من ألم وأمل. كتبنا عن مواضيع عن الجغرافية السوريّة، ولم يحدّنا أيّ شيء من الوصول إلى أيّ منطقة.

تعاوننا مع عدد كبير من المؤسسات البيئية والصحافية في سوريا. حاولنا بكل ما أوتينا من قدرة أن نفتح أبواب التعاون والتشارك، لأنّنا نؤمن بأنّ العمل الجماعي أقدر وأبقى من العمل المنفرد.

لكن ماذا يعني أن نكون مجلة بيئية في سوريا اليوم؟ وكيف نفهم البيئة أصلاً؟

بالنسبة لنا، البيئة ليست مجرّد غابةٍ تحترق  أو نهرٍ يجفّ، ولا محميّةٍ طبيعيةٍ أو طائرٍ مهدّدٍ بالانقراض، ولو أنّنا كتبنا عن كل هذه المواضيع. البيئة هي شبكة الحياة كلّها؛ هي العلاقة المعقّدة بين الإنسان والأرض والماء والهواء والكائنات الأخرى. الإنسان جزء من البيئة، يتأثّر بها ويؤثّر فيها، لكنّه ليس مركزاً لها ولا سيّدها المطلق. حين تختلّ هذه العلاقة، يختلّ كلّ شيء. وحين تُستنزف الأرض، يُستنزف الإنسان معها.

وكيف نفهم الصحافة البيئية؟

لا يمكن أن نكتب عن الحرائق في الغابات دون أن نتحدّث عن الفساد الذي يسهّلها أو يغضّ الطرف عنها. لا يمكن أن نتناول المياه الجوفية من دون أن نقترب من استخدامها كأداة حرب وسيطرة. لا يمكن أن نناقش العمران وتخطيط المدن دون أن نلامس قضايا التهجير والتطهير العرقي. لا يمكن أن نحكي عن البيئة وكأنها معزولة عن السياسة والاقتصاد والعدالة والحرية.

كلّ الأشياء مترابطة، وهنا تكمن أهمية الصحافة البيئية. نحن لا نبحث عن مشاهد خضراء جميلة فحسب، بل عن جذور الخراب وأسبابه، وعن مسؤولياته، وعن إمكانيات إصلاحه. لا معنى لبيئة نظيفة دون إنسان حرّ، ولا معنى لإنسان حرّ في بيئة مدمّرة. الحرية والعدالة والبيئة وجوهٌ لحلمٍ واحد.

ربما كان هذا هو جوابنا، منذ العدد الأول، على سؤال: ما معنى أن نعمل في الصحافة البيئية في أوقات الحرب والموت؟ أن نحلم بمستقبلٍ أفضل، وأن نعمل من أجله، أن نؤمن بأن توثيق الخراب خطوة أولى نحو منعه وأنّ كشف الحقيقة شكلٌ من أشكال المقاومة، وأن نصرّ على أنّ هذه البلاد تستحقّ حياةً تليق بها وبأهلها.

ولماذا لحلاح؟

اللحلاح زهرةٌ برّية تُزهر في مناطق مختلفة من غرب آسيا، وتحمل أسماءً محلية عديدة، ولها أنواع متعددة: لحلاح حوران، لحلاح القدس، لحلاح كوباني، لحلاح طوروسي، لحلاح قلموني، لحلاح كردي… وغيرها. تُزهر معظم أنواعها في أواخر الصيف وبدايات الخريف مبشّرةً بالمطر. ونحن نشبه اللحلاح. ننبت في كل أرض، بأسماء ولهجات وخلفيات مختلفة، لكن بجذرٍ واحد. جميلون نحن مثل هذه الزهرة، ونُبشّر (ونأمل) بمستقبل أفضل لنا ولبلادنا. 

بعد سنةٍ من العمل، لسنا في نقطة النهاية، بل في بدايته. ما نشرناه حتى الآن ليس سوى خطوة أولى في مشروعٍ أكبر: أن نعيد للبيئة مكانها في النقاش العام، وأن نُذكّر بأن الإنسان ليس منفصلاً عن أرضه، وأن مستقبل البلاد لا يُبنى إلا على عدالةٍ تحمي البشر والطبيعة معاً.

نحتفل اليوم، لا بما أنجزناه فقط، بل بما نحلم به أيضاً. نحلم بوطنٍ يعيش فيه الناس بحرية وكرامة وعدالة، في بيئة نظيفة طيبة تمنحهم عطاياها ويمنحونها حبهم وعملهم. نحلم ونكتب ونواصل، ونأمل أن تكون لحلاح باباً للأمل بمستقبل أفضل.

Scroll to Top