دلير يوسف –
نشر الصحفي عصام الكريم على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك قبل أيام قليلة مقطع فيديو مرعب، يظهر فيه مجرى نهر الخابور جافًا تمامًا، ولا حتى نقطة ماء واحدة.
لا يعرف المرء ما الذي عليه قوله وهو يشاهد النهر على حاله هذه. الخابور الذي توالت على ضفافه حضارات الآراميين والميتانيين والحيثين والآشوريين والأموريين والسريان والكلدان والأكراد والعرب، وما زالت بعض الآثار، مثل تل موزان، شاهدة على تاريخ مرّ من هنا، لا ماء فيه.
لا يعرف المرء ما يقول عن الخابور الذي تغنى به الناس ونسجت حوله القصص والأساطير. النهر الذي سكبت آلهة العصور القديمة بركتهم فيه جفّ. النهر الذي قالت عنه الأغنية الشعبية “الريم هد وسرى دربه على الخابور”، والذي قيل في خضرته وأشجاره آلاف أبيات الشعر، جفّ.
كيف لا، والنهر الأم، الفرات العذب يعاني ما يعانيه، والأخ الصغير، نهر الجقجق، أصبح مسرحًا للنفايات والأمراض؟!
موجات جفاف متتالية
تأتي صور الخابور الجاف لتتم فصل الصور الذي تظهر الجفاف وشح المياه في سوريا، مثلها مثل صور نهر بردى في دمشق، ونهر العاصي في وسط غرب البلاد، وبحيرة ميدانكي في عفرين، وغيرها من المناطق التي تعاني.
يُمكن اعتبار موجة الجفاف الحالية امتداداً لموجات أخرى تضرب سوريا والمنطقة منذ أواسط العقد الأول من الألفية الثالثة، حيث شهدت سوريا منذ العام 2006 جفافاً شديداً أثّر بشكل مباشر على الأراضي الزراعية في المحافظات الشرقية، فانهارت محاصيل القمح والشعير (المحاصيل الأساسية في المنطقة) ما أدى إلى نزوح عدة ملايين من سكان تلك المنطقة إلى المدن الرئيسية كحلب ودمشق، وسكن ما يقارب 600 ألف شخص في مخيمات وبيوت صفيح حول هذه المدن.
اعتُبرت هذه الموجة أسوأ موجات الجفاف في تاريخ سوريا الحديث، وربط بعض المحللين بينها وبين أسباب اندلاع الاحتجاجات ضد النظام الحاكم في أواسط آذار 2011.
في أواخر العام 2020 ضربت سوريا موجة جفاف أخرى استمرت لما يقارب السنتين، ولا سيما في المنطقة الشرقية (الجزيرة) بمحافظاتها الثلاث، الرقة والحسكة ودير الزور. أدت هذه الموجة إلى تحول أراضي زراعية إلى صحراء وأدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بحوالي 80% مقارنة بالفترة التي سبقت موجة الجفاف.
موجة الجفاف الحالية أدت إلى فشل تام في موسم القمح ما أدى بدوره إلى فقدان الأمن الغذائي لحوالي 75% من السوريين والسوريات، إضافة إلى جفاف الأنهار والينابيع والبحيرات ما أدى إلى فقدان الأمن المائي في معظم المناطق السورية، وتضرر الثروة الحيوانية وخروج مساحات زراعية واسعة من الإنتاج.
يُتوقع أن لا تكون هذه هي موجة الجفاف الأخيرة بل أن يتفاقم الأمر في السنوات القليلة القادمة.
التغيير المناخي والتدخل البشري
هذا الجفاف هو جزء من موجة احترار عالمية بدأت في نهايات القرن الماضي، لتبلغ مستويات غير مسبوقة في كل سنة، ما أدى إلى جعل مظاهر متطرفة، كالجفاف والحرائق الواسعة، أكثر تكرارًا، لكن وفي سوريا تحديدًا، برزت أسباب أخرى زادت الوضع السيء سوءًا.
سوء إدارة الموارد المائية عند حكومات نظام الأسد مثلًا، واستخدام أساليب ري قديمة مثل الري بالغمر، والسحب الجائر للمياه الجوفية والعجز الحكومي في التخطيط المائي، ساهمت بشكل كبير في استفحال المشكلة.
كذلك أدت سنوات الحرب الطويلة إلى دمار البنية التحتية المائية وإلى شح الخدمات في المناطق الريفية مما جعلها أكثر هشاشة، فضلًا عن استخدام المياه كسلاح حرب مثلما فعلت تركيا حين سيطرت على مياه نهر الفرات واستخدامها كورقة ضغط، حارمة العراق وسوريا من حصتهما المائية المُتفق عليها.
أثر الجفاف على الناس والزراعة
لا يستطيع المرء أن يحصي آثار الجفاف على السوريين والسوريات، لا على الصعيد النفسي ولا الزراعي والاقتصادي، وقد تكون هذه الكارثة أحد أشد الكوارث على حياة السوريين والسوريات اليومية، وانتشار مقاطع الفيديو التي يبكي فيها الناس من العطش ومن ندرة المياه أصبحت مثالًا على هذه الكارثة.
في كثير من المناطق أصبحت مياه الشرب عملة نادرة، فصار الناس يشربون من آبار سطحية مالحة، أو من مياه ملوثة ما تسبب بانتشار الكثير من الأمراض، ولا سيما بين الفئات الهشة (الأطفال، الأشخاص ذوي الإعاقة، المرضى).
ومثلما أسلفنا، فإن الجفاف كان سبباً من بين عديد الأسباب التي أدت إلى نزوح ملايين السوريين والسوريات، ومع تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار، زادت نسبة الفقر ونسبة الأشخاص المعتمدين على المساعدات الإنسانية.
هذا دون أن نذكر الاحتكاكات والمشكلات الاجتماعية الحاصلة بين المجتمعات النازحة والمجتمعات المضيفة.
تراجع الإنتاج الزراعي جعل سوريا، المكتفية غذائياً في بدايات الألفية، مستورداً دائماً للقمح والشعير والقطن والبقوليات، وهي الزراعات التقليدية في سوريا منذ مئات (أو آلاف) السنوات.
أدى الجفاف إلى تصحّر واسع في الأراضي الزراعية، دون وجود خطط لمحاولة إعادة استغلال هذه الأراضي، كما أدت إلى خسارات هائلة في الثروة الحيوانية، بسبب نفوق المواشي إما لقلة المياه أو لسوء جودتها، ولسوء الغذاء.
كل هذا أدى بدوره إلى ازدياد نسبة البطالة لأنّ آلاف الفلاحين فقدوا أعمالهم وأراضيهم، مما أدى إلى زيادة الضغط على الاقتصاد الوطني.
أكتب كلّ هذه المعطيات وأنا أفكر بأثر الماء في المخيلة الشعبية وفي قصص الحب التي عاشها الناس على أطراف أنهار الخابور والفرات والعاصي وبردى، أفكر في الأغنيات الشعبية وأقول لنفسي: ربما انتهى عهد أغنيات الحب وأغنيات الحصاد. كل هذا تحوّل إلى صحراء.
المبادرات المحلية والحلول
لا شك أن ما تواجهه الحكومة الانتقالية ليس بالأمر اليسير. ترك لنا الأسد بلاداً خراباً: مدن مهدمة وتفكك اجتماعي واقتصاد منهار وصراعات عسكرية. لن تستطيع الحكومة الانتقالية ولا ألف حكومة أخرى أن تحل كل مشكلات سوريا لوحدها ولا سيما البيئية منها. سوريا تحتاج إلى جيرانها، وإلى دول العالم، ولكن قبل كل ذلك تحتاج إلى أولادها وبناتها.
رأينا العجز في مواجهة حرائق الغابات، واضطرار الناس إلى إخماد الحرائق بيديها، واضطرارنا إلى طلب المساعدة من جيراننا الأتراك والأردنيين واللبنانيين والأوروبيين. نحن جزء من هذا العالم ولسنا منفصلين، وهذا ما يظهر عند المصائب البيئية. الحدود هشة ولا معنى لها، الجفاف في العراق يؤثر على الجفاف في سوريا، كما حرائق سوريا هي امتداد لموجة حرائق ضربت كل دول المتوسط.
على كل حال، أعتقد أنّ كلّ السوريين والسوريات مسؤولين، علينا أن نقبل بأن المشكلة البيئية في سوريا تواجهنا كلّنا بنفس القدر. الجفاف في الجزيرة يعني جوع الناس في ريف دمشق، وحرائق الساحل تعني تدهور بيئي في درعا، وهكذا.
نرى مبادرات شعبية هنا وهناك للمساعدة في الحد من آثار التغيرات البيئية التي تضربنا دون رحمة، فمثلًا شكلّت مبادرة شعبية لحل أزمة المياه في النبك، ومبادرة شعبية لزرع ريف القامشلي بالأشجار، أو مبادرات التشجير في ريف دمشق والسويداء، أو حملات تنظيف الأنهار والشوارع، وغيرها من المبادرات هنا وهناك، ما يخبرنا عن شعور الناس المباشر بحاجتهم إلى الحركة قبل فوات الأوان.
لكن تبقى هذه الحلول قاصرة، من وجهة نظر شخصية، وغير قادرة على حل المشكلة. نحتاج إلى حلول جذرية مثل تحديث طرق الري، وحصاد مياه الأمطار عبر خزانات وسدود صغيرة محلية، وإصلاح شبكات المياه المتسرية.
تحتاج سوريا إلى إعادة تأهيل للمناطق المتضررة وإلى زراعات تساهم في تثبيت التربة، وإلى الاعتماد على الزراعة العضوية، وإلى تشجيع الاعتماد على الطاقة البديلة، فضلاً عن حملات توعوية في الأرياف والمدارس والجامعات والجوامع والكنائس، حملات توعية ضد الحرائق العشوائية مثلاً أو حملات توعية عن مخاطر رمي النفايات في الأنهار وغيرها.
تحتاج سوريا إلى وضع خطة وطنية بيئية شاملة تعتمد على سياسات بيئية تنقذ مستقبل البلاد، كما تحتاج إلى التعاون مع دول الجوار. كذلك يجب الاعتماد على الشباب والنساء، كمحركات وحوامل أساسية للتغيير المنشود.
لكن أولاً وقبل كل شيء أن يتم زرع حسّ المسؤولية لدى الناس على اختلاف انتماءاتهم. هذه الأرض لنا وللأجيال القادمة. هذه المياه لنا وللأجيال القادمة. وهذا الهواء لنا وللأجيال القادمة. وإن لم نحسن معاملتها فلن يبقَ لنا بلاد نتصارع عليها مثلما نفعل اليوم.



