رؤى النايف
بعد سنواتٍ من القحط الذي أنهك الجغرافيا السورية، حمل شتاء 2025-2026 مشهداً استثنائياً أعاد للأذهان زمن الوفرة المائية؛ حيث لم تكن الهطولات الأخيرة مجرد زخّات عابرة، بل تحوّلت إلى “انتفاضة مائية” شاملة كسرت صمت المجاري الجافة وأعادت الروح إلى الأنهار والجداول التي توقّفت لسنوات، لترسم لوحة من الانتعاش بدأت من أقاصي الجزيرة مروراً بقلب دمشق ووصولاً إلى الساحل.
شهدت المحافظات السورية تدفّقاً غير مسبوقٍ للمياه، حيث استعادت الأنهار زخمها في مشهدٍ أعاد الأمل للسكان والمزارعين؛ ففي منطقة الجزيرة سجّل نهر الخابور في الحسكة عودة تاريخية للتدفق مع نهاية عام 2025 وبداية 2026، مدفوعاً بسيول جارفة من الوديان المغذّية ما أنقذ آلاف الهكتارات الزراعية، وفي العاصمة وريفها فاض نهر بردى في منطقة الربوة بقوة تدفق لافتة، بينما استعادت شلالات بيت جن عنفوانها الطبيعي وتدفّق ينابيعها الجبلية. كذلك في المنطقة الوسطى، شهدت بلدة غرناطة في ريف حمص الشمالي فيضاناً لنهر العاصي غمر الأراضي الزراعية المحيطة، في حين سجل نهر أبو قبيس في ريف حماة معدلات جريان عالية جداً أعادت الحياة للنظم البيئية المحلية. أما في الساحل السوري، عاد نهر الكبير الشمالي في اللاذقية للتدفق بغزارة، مما ساهم في رفع مناسيب السدود والينابيع الساحلية التي تغذي مئات القرى.

مفعول “الغسل” وفجوة الجفاف التراكمي
عن هذا التحوّل، يوضّح المهندس الزراعي، محمد العبد، لمجلة لحلاح أن الأراضي السورية تمرّ حالياً بمرحلة “غسيل طبيعي Leaching” بالغة الأهمية؛ حيث تعمل المياه الغزيرة المتغلغلة في مسامات التربة على إذابة الأملاح المتراكمة نتيجة الجفاف الطويل، ودفع العناصر السامة بعيداً عن منطقة الجذور، ما يعيد التوازن الكيميائي للتربة ويمنحها قدرة أعلى على تهوية الجذور وتنشيط الأحياء الدقيقة.
إلا أن العبد يضع هذه التطوّرات في سياقها الدقيق، مؤكّداً أن هذا الانتعاش -رغم قوّته- لا يعني نهاية أزمة الجفاف، وفي وصف دقيق لواقع الحال، وفيما يخصّ التمييز بين البهجة البصرية للجريان السطحي وبين التعافي الحقيقي للموارد، يؤكّد أنّ ما نشهده هو استجابة لحظية لا تلغي إرث الجفاف الثقيل، ويردف: “علينا أن ندرك وجود فجوة زمنية وتقنية بين الانتعاش السطحي وبين تعافي المخزون الاستراتيجي المنهك. السنوات العجاف الماضية لم تجفّف المجاري فحسب، بل خلقت ما يُعرف بالعجز المائي التراكمي في طبقات الأرض العميقة، ووصلت بالتربة إلى مرحلة من التصحّر البنيوي؛ حيث تفقد المسامات قدرتها على الاحتفاظ بالمياه وتصبح الطبقات الجوفية أشبه بإسفنجة جافّة جداً تحتاج لوقت طويل لتبدأ بالامتصاص مجدداً”.
يضيف: “إن ما نراه اليوم من فيضان لبردى والخابور والعاصي هو ري سخي للطبقات السطحية وجريان للمجاري المائية، وهو أمر ممتاز لغسل التربة وتنشيط الزراعات الموسمية، لكن الخزانات الجوفية العميقة (Aquifers) لا تزال تعاني من فقر دم مائي حاد، وهي بحاجة إلى ضغط مائي هائل وكميات مضاعفة من الأمطار المستمرة لتصل إلى مرحلة التشبع الحقيقي وتعود لرفد الينابيع بشكل دائم”.

شروط الاستدامة والتعافي
يشدّد المهندس محمد العبد على أنّ الأرض السورية لا تزال “عطشى” في أعماقها رغم المظهر المبلل لسطحها، مشيراً إلى أن الرهان الحقيقي يكمن في “ديمومة الهطول” لا في “كثافته اللحظية”، لأنّ “استمرار الهطولات بنمط منتظم وموزّع زمنياً حتى نهاية فصل الربيع هو الشرط الوحيد لتعويض النقص الحاد في المياه الجوفية”، لافتاً إلى أن استدامة هذا التعافي يتطلّب خريطة طريق واضحة
نحن لا نحتاج لعواصف عابرة بقدر حاجتنا لمواسم متتالية من هذا العطاء لترميم ما دمّره الجفاف التراكمي. كما يجب أن يترافق كرم الطبيعة مع تحرّك بشري ذكي، عبر تفعيل مشاريع “حصاد المياه” وتطوير السدود الصغيرة والمتوسطة، لضمان تحويل هذا الانتعاش الموسمي من مجرّد حدث عابر إلى استقرار مائي دائم يحمي مستقبل الأمن المائي والغذائي السوري، ويحصّن البلاد ضد تقلّبات المناخ المتطرّفة في السنوات القادمة”.



