ليلى جروج –
عشر سنوات دون رعاية، عشر سنوات تحت القصف، وبعض النباتات الطبية بقيت متجذّرة في أولى الحدائق الطبية التي أسّسها الدكتور عبد العليم بلّو، المشرف على حديقة النباتات الطبية ومختبر أبحاث التصنيف النباتي في كلية العلوم بجامعة حلب.
كان ذلك منذ زمن في عندان شمال حلب بحوالي 7 كم، أما اليوم فيأخذنا الدكتور عبد العليم في رحلة داخل حديقة الأنواع النباتية الطبيّة في جامعة حلب، التي باتت اليوم مختبراً حيّاً، تمنح الطلاب فرصة للاطلاع والتعلّم والتوثيق، وتحفظ أنواعاً مختلفة من النباتات، وتسهم في دعم أبحاثهم وتنميتها.
قصة حديقتين
من شغف شخصيّ للدكتور بلّو بدأت الفكرة منذ أكثر من عشرين عاماً، بغية خلق مساحة صغيرة لتجربة زراعة النباتات الطبية التي درسها أكاديمياً، ومع مرور الوقت توسّعت لتشمل أنواعاً متعددة من الأعشاب الطبية المحلية والمدخلة. قد يبدو الأمر متعباً وضرباً من الجنون لكن المداورة بين الري المنتظم، والتسميد العضوي، واقتلاع الأعشاب الضارة، كفيل بالحفاظ على النباتات الطبية.
يصف روتينه بأسلوب حياة أكثر من كونه عبئاً أو حملاً ثقيلاً، يقول: “بدأت منذ عام 2007 بزراعة بعض النباتات، وفي عام 2016 قمت بتخصيص مساحة داخل كلية العلوم لزراعة شتلات وبذور النباتات الطبية، وفي عام 2017 تمّ افتتاحها كحديقة ومشتل النباتات الطبية”.
حديقة جامعة حلب تطوّرت وتوسّعت بهدف أساسي هو التعليم، حيث تُستخدم الحديقة كمكان لتدريس الطلاب، يتعلمون فيها مبادئ التصنيف النباتي، ويتعرفون على النباتات الطبية وخصائصها عن قرب، ويتعلمون أسماءها العلمية وفصائلها النباتية واستخداماتها الطبية. كما وسّعت القدرة على البحث العلمي، يقول عن ذلك: “بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية ولطلاب الدراسات العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، يمكن أن تؤمّن الحديقة المادة النباتية لإجراء بعض البحوث والدراسات العلمية”.

أهمية النباتات الطبية
تُعرّف النباتات الطبية بأنها الأنواع النباتية التي تحتوي على مركبات كيميائية طبيعية فعّالة حيوياً، مثل الفينولات والفلافونويدات وهي مركبات مضادات أكسدة قوية، والتربينات والزيوت الطيارة وهي مضادة للميكروبات والالتهابات، والقلويدات وهي مسكنة ومضادة للسرطان، والصابونينات وهي مضادة للالتهاب وخافضة للكوليسترول، والتانينات وهي قابضة ولها دور في حماية الأنسجة.
تتعدد الأسباب التي ترفع من أهمية النباتات الطبية بحسب بلّو كونها مصدر للأدوية المشتقة من مركبات نباتية مثل الأسبرين من الصفصاف، والديجيتالين من نبات الديجيتاليس، كما تفيد الوقاية والعلاج فتساعد في الوقاية من أمراض القلب، السكري، السرطان، والالتهابات المزمنة، وهي مضادات أكسدة طبيعية تحمي الخلايا من الإجهاد التأكسدي والأمراض المرتبطة به مثل السكري والسرطان والشيخوخة المبكرة.
بينما تتركز الأهمية الاقتصادية للنباتات الطبية في صناعة الأدوية العشبية والمكملات الغذائية، يقول: “تشكّل سوقاً عالمياً بمليارات الدولارات سنوياً، كما تدخل ضمن الصناعات الغذائية حيث تستخدم كمضافات طبيعية لتحسين النكهة وحفظ بعض الأطعمة مثل الأجبان واللحوم مثل الزعتر وإكليل الجبل”.
لا تقتصر أهميتها على الأدوية والغذاء بل تتعداها إلى الصناعات التجميلية والعطرية حيث تدخل في صناعة العطور، والكريمات، والزيوت العلاجية، وبالتالي ترفع هذه المجالات من فرص التصدير كالنباتات الطبية السورية مثل الورد الدمشقي والزعتر التي لها قيمة عالية في الأسواق العالمية.
تساهم النباتات الطبية في الحفاظ على التنوع الحيوي، وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، وتحتاج موارد أقل مقارنة بالمحاصيل التقليدية مما يجعلها زراعة مستدامة، “بعض النباتات الطبية مثل الزعتر والميرمية تتحمل الجفاف وتساعد في تثبيت التربة وفي مكافحة التصحر، مما يضع أهميتها البيئية على رأس هرم فوائدها”، يقول بلّو.
على المستوى الجامعي
“وجود حديقة للنباتات الطبية في الجامعة يمثّل مختبراً حياً ومفتوحاً للطلاب، ويمنحهم فرصاً تعليمية وعملية لا يمكن تعويضها”، يقول بلّو الذي يرى أن هذه الفوائد تتمثل بأهميتها التعليمية عبر التعرّف المباشر على النباتات، “يرى الطلاب الأنواع الطبية بأعينهم بدلاً من الاكتفاء بالصور أو النصوص”، كما تتيح فرصة لتعلم المفاتيح التصنيفية عملياً، ومقارنة الفصائل والأنواع.
بالإضافة إلى ذلك هناك فوائد بحثية أيضاً عبر جمع عينات حية وتطبيق التجارب في الأبحاث والرسائل العلمية، “توفر الحديقة مصدراً مستمراً للنباتات وقاعدة بيانات نباتية جاهزة للبحث والتوثيق”، يستطيع الطلاب جمع أوراق، أو جذور، أو أزهار النباتات المتوفرة، يوّضح بلّو: “من أجل الدراسات الكيميائية النباتية مثل استخلاص المركبات الفعالة والكشف عنها أو الحيوية مثل اختبار النشاط الحيوي أو تصنيفية مورفولوجية أو تشريحية”.
استخدامات مختلفة بطرق تقليدية وحديثة
تختلف الأنواع المزروعة بين المحليّ والدخيل، فالمحليّ منها متأقلم مع المناخ السوريّ، ينمو طبيعياً في البيئة السورية، ويتمّ توثيقه في الدراسات التصنيفية والإثنوبوتانية، مثل الآس، والغار، والسماق، والزعتر السوري، والنعناع طويل الورق، والشمرة، والكزبرة، والتين، والتي تنتشر بكثرة في المطابخ السوريّة، والمُستخدمة منذ القدم في بعض العلاجات البسيطة، وتدخل في الطعام كمطيبات أو توابل محليّة، أو ضمن المنازل لغايات عطرية، وعلاجية بسيطة.
بينما تشمل النباتات المدخلة الأنواع غير الأصلية في سوريا ولكنها زُرعت وانتشرت، مثل الألوفيرا، والمورينغا، والأفوكادو، والفليفلة، والتين الشوكي، والغاردينيا، والياسمين.
بعض النباتات الطبية لها استخدامات تقليدية قديمة في الطب الشعبي مثل علاج السعال، والمغص، والحروق، وتنشيط الهضم، يقول بلّو: “تقليدياً تُستخدم كمشروبات عشبية وتوابل وعلاج شعبي”، كما أن بعضها لها تطبيقات حديثة في الصيدلة، حيث تُستخلص مركباتها الفعالة لإنتاج المكملات الغذائية، مستحضرات التجميل، والأغذية الوظيفية، والأدوية العشبية.
يطرح الدكتور عبد العليم أمثلة على الاستخدامات التقليدية والحديثة للأنواع العشبية الطبية، مثل الثوم الذي استخدم تقليدياً لعلاج الالتهابات، وخفض ضغط الدم، وطرد الديدان، أما حديثاً فهو مضاد ميكروبات، وخافض للكوليسترول، ويدخل في المكملات الغذائية للقلب والأوعية، والألوفيرا التي يعتبر علاج الحروق والجروح أحد استعمالاتها التقليدية، أما حديثاً فتستخدم كمستحضرات تجميل للبشرة، ومضاد التهابات، وتدخل في صناعة العصائر الصحية، بينما استخدمت الكركديه كمشروب شعبي خافض لضغط الدم، وتعمل حديثاً كمضاد أكسدة، يدخل في المكملات الغذائية والمشروبات الصحية، وأخيراً الحلبة المستخدمة بكثرة بطريقة تقليدية كخافضة للسكر، ومقوية للرضاعة، وتدخل بالطرق الحديثة في أدوية السكري، وكمكملات غذائية لخفض الكوليسترول.
يرى الدكتور بلّو في زراعة النباتات الطبية نشاطاً اقتصادياً واعداً في الصناعات الغذائية الوظيفية، والأدوية العشبية، والتجميل والعطور، ويتوّجه بالنصح للمزارعين بالتفكير الجدي بها كزراعة لأنها ذات قيمة مضافة عالية، مع التذكير بالحاجة إلى تنظيم السوق وضمان الجودة، مع البدء بأنواع محلية متأقلمة مثل الزعتر وإكليل الجبل، والاستثمار في طرق استخلاص حديثة لزيادة القيمة الاقتصادية، مع التركيز على الجودة والتوثيق العلمي لضمان دخول الأسواق العالمية.
جدول بأنواع النباتات الطبية المهددة بالانقراض (بحسب الدكتور عبد العليم بلّو)
| النوع المهدد بالانقراض | السبب |
| الورد الدمشقي | مهدد بسبب تراجع زراعته التقليدية |
| الآس | مهدد محلياً بسبب فقدان الموائل |
| المردقوش السوري | تواجه ضغوط الجمع الجائر والاقتلاع |
| العرن | معرضة للتراجع بسبب الجمع الجائر |
جدول (2) بأنواع النباتات الطبية المتوفرة في حديقة النباتات الطبية في كلية العلوم -جامعة حلب
| الاسم العربي | الاسم العلمي | الفصيلة الاستخدام الطبي |
| كزبرة البئر | Adiantum capillus-veneris Pteridaceae | علاج السعال وأمراض التنفس |
| الثوم | Allium sativum Alliaceae | خافض ضغط وكوليسترول، مضاد ميكروبات |
| الصبر(ألوفيرا) | Aloe vera Asphodelaceae | مهدئ للحروق والجروح، ملين |
| الختمية | Althaea rosea Malvaceae | مهدئ للسعال والتهابات الحلق |
| الشيخ الحولي | Artemisia annua Asteraceae | مضاد للملاريا، مطهر |
| آذريون الحدائق | Calendula officinalis Asteraceae | مضاد التهابات الجلد، معقم |
| الفليفلة | Capsicum annuum Solanaceae | منشط للدورة الدموية، مسكن |
| العصفر | Carthamus tinctorius Asteraceae | خافض للكوليسترول، مضاد تجلط |
| الخرنوب | Ceratonia siliqua Fabaceae | علاج الإسهال، مقوي غذائي |
| الملوخية | Corchorus olitorius Tiliaceae | ملين، مقوي للمناعة |
| الكزبرة | Coriandrum sativum Apiaceae | هاضمة، مضادة للتشنجات |
| الأرضي شوكي | Cynara scolymus Asteraceae | خافض للكوليسترول، منظم للكبد |
| الداتورة | Datura innoxia Solanaceae | مسكن قوي (سامة بجرعات عالية) |
| التين | Ficus carica Moraceae | ملين، مقوي للهضم |
| الشمرة | Foeniculum vulgare Apiaceae | طاردة للغازات، منشطة للهضم |
| عرق السوس | Glycyrrhiza glabra Fabaceae | مهدئ للمعدة، مضاد التهابات |
| الكركديه | Hibiscus sabdariffa Malvaceae | خافض ضغط، مضاد أكسدة |
| الياسمين | Jasminum officinale Oleaceae | مهدئ للأعصاب، معطر |
| الغار | Laurus nobilis Lauraceae | هاضم، مضاد ميكروبات |
| الخزامى | Lavandula officinalis Lamiaceae | مهدئ، مضاد قلق |
| الكتان | Linum usitatissimum Linaceae | خافض للكوليسترول، ملين |
| المليسة الطبية | Melissa officinalis Lamiaceae | مهدئة، مضادة للتشنجات |
| النعناع | Mentha spp. Lamiaceae | هاضم، مهدئ للمغص |
| المورينغا | Moringa oleifera Moringaceae | مقوية للمناعة، مضاد أكسدة |
| الآس | Myrtus communis Myrtaceae | مضاد التهابات، مطهر |
| الريحان | Ocimum basilicum Lamiaceae | مضاد أكسدة، مهدئ |
| الأوريغانو السوري | Origanum syriacum Lamiaceae | مضاد ميكروبات، مقوي للمناعة |
| الورد الدمشقي | Rosa damascena Rosaceae | مهدئ للأعصاب، مضاد اكتئاب خفيف |
| إكليل الجبل | Salvia rosmarinus Lamiaceae | منشط للذاكرة، مضاد أكسدة |
| الميرمية الطبية | Salvia officinalis Lamiaceae | مضادة للتعرق، مهدئة للهضم |
| الحلبة | Trigonella foenum-graecum Fabaceae | خافضة للسكر والكوليسترول |
| حشيشة الليمون | Cymbopogon citratus Poaceae | مهدئة، مضادة للميكروبات |



