ليلى جروج
تحافظ فريدة على عادة قديمة ورثتها عن والدتها؛ تخرج خلال الأسبوع المشمس الأول بعد الشتاء باتجاه الأراضي شبه الزراعية، أو التي تخلو من الأبنية السكنية، لتقطف أول طبخة خبّيزة. المناطق الزراعية باتت قليلة الوجود داخل مدينتها، لكن ذلك لا يمنع الخبيزة من الانتشار ولو في نطاق ضيّق، ولا يمنع النساء من الاستمرار فيما سُمّي يوماً بـ “رحلة الخبّيزة”، لأنها أشهر ما ينبت في الأرض بعد المطر، لكنها بالتأكيد ليست الوحيدة، فالدردار والقرص عنة على قائمة النباتات التي تُطهى من البريّة في الأرياف السورية.
تصطحب فريدة، التي تبلغ من العمر 70 عاماً، أحفادها معها في هذه الأيّام، ليقضوا بعض الوقت في دفء الشمس، وليبتعدوا قليلاً عن الهاتف المحمول، تقول: “الخروج في الشمس يريح النفس، وفكرة الأكل من خيرات الطبيعة دون الحاجة لأي إنسان تشعرني بالامتنان الدائم والسلام”.
قلة المساحات الخضراء داخل المدن أفقد الرحلة بعضاً من عفويّتها، فالآن الأمر يحتاج إلى تخطيط مسبق، والمشي لمسافات قد تكون بعيدة بالنسبة لكبار السن، تضيف فريدة: “نعتبرها نزهة في بعض الأحيان، قد نحتاج إلى من ينقلنا بسيارته إلى أماكن انتشار الزرع الأخضر، وإذا كنا مجموعة من الجارات، تنسينا الأحاديث هموم الطريق ومشقّته”.
رزق من الأرض
تشكّل الخبّيزة ورحلتها مصدر رزق لنديمة في بداية الربيع، فإلى جانب عملها في لفّ ورق العنب وحفر الباذنجان والكوسا وبيع الأزهار المجفّفة كزهورات للشتاء، تعتمد نديمة على موسم الخبيزة، فتخرج إلى الأراضي الزراعية البعيدة قليلاً، لتجمع ما يتيّسر لها، ثمّ تعود وتنظّفها من التراب المتراكم عليها، وبعد غسلها وتجفيفها قليلاً تقطّعها بطريقة تصبح جاهزة فيها للبيع والطهي المباشر في المنازل. تقول: “ليس أسهل عمل أقوم به وأنا أبلغ 68 عاماً، لكن اعتدت على هذا العمل منذ فترة، وأجد إقبالاً من الناس على شراء الخبّيزة والنباتات الجاهزة للطهي، بدلاً من الخروج إلى الأراضي وجمع هذه الحشائش وتنظيفها”.
تحدّد نديمة أماكن الأراضي غير الزراعية التي تنتشر فيها هذه النباتات، وتنتظر اليوم المشمس الأول بعد المطر بفارغ الصبر، ترتدي ملابس مخصّصة لهذه العملية، وتتّجه مع جاراتها أحياناً، ومع قريباتها أحياناً أخرى، إلى الأراضي التي تعرفها، وتعود محمّلة بأكياس من النباتات الخضراء، “نختار الأراضي الواسعة، غير المزروعة بالمحاصيل، كي لا نؤثّر على رزقة أحد”، توضّح نديمة.
في مقدّمة منزلها تترك حذاءً تدخل فيه إلى داخل المنزل، كي لا تنقل الوحل والأوساخ معها إلى الداخل، وبجانب الحذاء المركون خلف باب المنزل الحديدي يوجد قدر كبير من الألمنيوم، بجانبه خرطوم مياه طويل، وقطعة خشبية (دفة)، وسكين للفرم. “هي عدّة الشغل” تقول نديمة عن حذائها وأدواتها التي تستخدمها عند العودة من الرحلة، “في حال عدت في وقت مبكّر، أما إذا كانت الشمس على وشك المغيب، فيؤجّل العمل إلى صباح اليوم التالي”.
تُعتبر نديمة من أشهر بائعات الخبّيزة في منطقتها، تستقبل الطلبات بشكل دائم حتى نهاية الموسم، تبيع الكيلو غرام الواحد بخمسة آلاف ليرة سورية من العملة القديمة، وأحياناً بستة آلاف، “أجور تعبي في القطف والتنظيف والتجهيز.. الخبّيزة رزق من الأرض لكلّ العالم”. الخبّيزة هي الأشهر بين الأعشاب التي تبيعها نديمة، وهي الأكثر طلباً، “دائماً أقطفها وأعلم أنها ستُباع، بينما الطلب أقلّ على الدردار مثلاً، وبالنهاية العمل لا يكلّفني المال، وإنّما بعض الجهد فقط”.
تُعدّ الخبّيزة مصدراً هاماً للفيتامينات، لكنّ فريدة ونديمة لا تهتمّان لما تقوله المصادر العلمية عن هذه الفوائد، وكلتاهما تعلمان أنها ليست سامّة، “المياه الساخنة التي تُسكب عليها كمرحلة تالية للغسل كفيلة بالتخلّص من كافة الأوساخ”، تقول فريدة. أمّا نديمة فتضحك عند السؤال عن سبب تعلّق الناس بالخبّيزة تحديداً، تسرح بأفكارها قليلاً، وتصفها بالطبق الفقير نسبيّاً، “لكنّه شهي”، يُقدّم من قبل البعض مع طحينيّة، ومع رمّان وليمون والقليل من البصل، “هالأكلة بسيطة ومحبوبة، والله يكتّر محبّينها”.
ثقافة شعبية لا تخلو من المخاطر
تُعرّف الخبّيزة علمياً بأنها نبتةٌ عشبية دائمة الخضرة تنتمي إلى العائلة الخبازية Malvaceae، سنوية أو ثنائية الحول، يتراوح ارتفاعها بين 20-60 سم، تتميّز بساقٍ رفيعة مغطاة بشعيرات ناعمة، وفروع متفرّعة من القاعدة، أوراقها دائرية أو كلوية الشكل، قطرها 2-5 سم، ذات حواف مسنّنة قليلاً، لونها أخضر غامق، تترتّب بشكل متبادل على الساق، سطحها العلوي مجعّد قليلاً، أزهارها صغيرة يبلغ قطرها 1-2 سم، لونها أبيض أو بنفسجي فاتح، تتكوّن من 5 بتلات متّصلة عند القاعدة، تظهر في مجموعات عند إبط الأوراق، تشتهر بانتشارها الواسع في المناطق المعتدلة والمناطق ذات التربة الخصبة.
كذلك تُعتبر من النباتات القديمة التي ارتبطت بالتراث الإنساني في الاستخدامات الطبية والغذائية، إذ استُخدمت منذ القدم في الطب الشعبي لعلاج الالتهابات ومشاكل الجهاز الهضمي، كما تدخل أوراقها في تحضير الأطباق التقليدية في بعض الثقافات. الخبّيزة وما يرافقها من أنواع الأعشاب البرية جزء من ثقافة بلاد الشام، تشترك سوريا مع فلسطين ولبنان والأردن بالقصص والحكايا التي تُنسج حولها، وتبقى طبقاً حاضراً مع بداية كل ربيع على الموائد.
يخلط الناس في بعض الأحيان بين الأعشاب التي تنمو في البرية، وكثيرٌ من الأطفال يحمل ذكريات صعبة مع نبتة القرّيص التي تترك ألماً ووخزاً ورغبة دائمة بالحكّة. بالتأكيد لا يقتصر الأمر على الأطفال، لكنّهم غالباً أكثر عرضة لهذه المشاكل من غيرهم.
تخشى فريدة على أحفادها من هذه الأمور، تخاف أن يتعرّض أيّ منهم للحساسية نتيجة لمس نبتة ضارة، أو محاولة تذوّق النباتات من الطبيعة بشكل مباشر، وتردف: “ليس من السهل مراقبة الأطفال دائماً، ومتابعة ما يأكلون ويلمسون”، لكن تبقى مراقبة الأطفال أقلّ خطراً من لعبهم أو تجوّلهم في أماكن غير آمنة، “فالأصوات التي نسمعها فجأة، ونعرف لاحقاً أنّ لغماً أو شيئاً مشابهاً قد انفجر وأدّى إلى إصابات بين الناس، تتركنا أسرى القلق على أولادنا، وأولاد الناس جميعاً”.



