حماية الأحياء البرية ليست ترفاً بيئياً

تمتلك سوريا تنوّعاً حيويّاً لافتاً على الرغم من صغر مساحتها نسبيّاً والتحديّات البيئية والاقتصادية التي تواجهها، إذ تمتدّ تضاريس البلاد من الساحل المتوسطي غرباً إلى البادية شرقاً، مروراً بسلاسل جبلية وغابات وأودية. هذا التنوّع الجغرافي انعكس على الحياة البرية، حيث سُجلت مئات الأنواع من الطيور والثدييات والزواحف والنباتات البرية.

من بين الأنواع التي عُرفت تاريخياً في سوريا الغزال الجبلي والذئب العربي والضبع المخطط، إضافة إلى أنواع من الطيور الجارحة والطيور المهاجرة التي تتخذ من الأراضي السورية محطة عبور في رحلاتها الموسمية، كما تضمّ الغابات الساحلية بقايا من غابات السنديان والصنوبر التي تشكّل موطناً لعدد من الكائنات البرية.

الأحياء البرية، في تعريفها الواسع، تشمل جميع الكائنات الحية غير المستأنسة من حيوانات ونباتات وفطريات وكائنات دقيقة تعيش في البراري والغابات والجبال والسهول والصحارى؛ هي النسيج الذي يربط النظم البيئية ببعضها، ويضمن استمرار الدورات الطبيعية من تلقيح النباتات إلى تجديد التربة وتنظيم المناخ، وحين تختفي حلقة من هذا النسيج، فإن التأثير لا يتوقّف عند حدود نوع واحد، بل يمتدّ ليطال توازناً كاملاً بُني عبر آلاف السنين.

سنوات النزاع وما رافقها من ضغوط اقتصادية واجتماعية تركت آثاراً واضحة على البيئة والحياة البرية في سوريا. تقارير بيئية محلية وإقليمية أشارت إلى تراجع أعداد بعض الأنواع بسبب الصيد غير المنظّم، وقطع الأشجار لأغراض التدفئة، وتدهور المواطن الطبيعية. ومع ذلك، لا تزال هناك مبادرات محلية وجهود من باحثين ومنظمات بيئية تعمل على توثيق التنوّع الحيوي، ونشر الوعي بأهمية حمايته، والسعي لإدماج الاعتبارات البيئية في خطط التعافي وإعادة الإعمار.

عالمياً، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013 الثالث من آذار كيوم عالمي للأحياء البرية، تخليداً لاعتماد اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES) في ذات اليوم من عام 1973، ليصبح مناسبة سنوية لتسليط الضوء على التنوّع البيولوجي البري، وعلى العلاقة المعقّدة بين الإنسان والطبيعة، وعلى المخاطر التي تتهدّد الكائنات التي تشاركنا هذا الكوكب.

الأرقام الصادرة عن منظمات دولية معنية بالبيئة تشير إلى أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدّد بالانقراض خلال العقود المقبلة إذا استمرّت أنماط الاستهلاك والتوسّع العمراني وتغيّر المناخ بالمعدّلات الحالية. تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة تؤكّد أن فقدان المواطن الطبيعية والصيد غير المشروع والتلوّث والتغيّر المناخي تمثّل أبرز أسباب هذا التدهور المتسارع.

هذا العام تركّز الجهات المعنيّة على تمويل الحفاظ على الحياة البرية واستكشاف حلول مبتكرة لضمان استدامة الجهود البيئية. أي أنّ الحديث لم يعد مقتصراً على حماية حيوان مهدّد أو إعلان محميّة طبيعية، بل أصبح يتصل بآليات تمويل مستدامة، وشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص، وإدماج المجتمعات المحلية في جهود الحماية، ليس من باب الترف البيئي، بل كاستثمار في الأمن الغذائي والمائي والمناخي.

الصورة العالمية القاتمة لا تعني فقدان الأمل، ففي بعض الدول أسهمت سياسات الحماية وإنشاء المحميات الطبيعية في استعادة أعداد من بعض الأنواع المهددة. اتفاقية CITES، التي تضم اليوم أكثر من 180 دولة، لعبت دوراً محورياً في تنظيم الاتجار بالحياة البرية والحد من الصيد غير المشروع. ومع ذلك، فإن الاتجار غير القانوني بالحيوانات والنباتات البرية لا يزال يُعد من أكبر الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود بقيمة تُقدّر بمليارات الدولارات سنوياً.

في هذا الإطار، يغدو اليوم العالمي للأحياء البرية فرصة لإعادة تسليط الضوء على الثروة الطبيعية السورية، وعلى ضرورة إدماج حماية التنوع الحيوي في أي رؤية مستقبلية للتنمية، لأن الحياة البرية ليست عنصراً هامشياً يمكن تأجيله إلى ما بعد الاستقرار الاقتصادي، بل هي جزء من رأس المال الطبيعي الذي تعتمد عليه قطاعات الزراعة والسياحة والصحة العامة، إذ أن الأزمات المناخية والبيئية لم تعد سيناريوهات مستقبلية، بل واقعاً يومياً يتجلى في موجات حرّ غير مسبوقة، وحرائق غابات، وفيضانات، وتراجع في الإنتاج الزراعي. لذلك، تصبح حماية الأحياء البرية خطوة أساسية في تعزيز قدرة النظم البيئية على الصمود.

Scroll to Top