حرائق اللاذقية: نازحون يحكون تفاصيل هروبهم من النيران

نور سليمان

منذ مطلع تموز الجاري، اجتاحت الحرائق مناطق واسعة في ريف اللاذقية، مخلّفة كارثة بيئية وإنسانية غير مسبوقة. تسبّبت النيران في تدمير مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والغابات، وأجبرت عشرات العائلات على النزوح القسري من قراهم، في واحدة من أشد موجات الحرائق التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

تأثرت أكثر من 60 منطقة سكنية بشكل مباشر، وسط صعوبات كبيرة في عمليات الإطفاء، بسبب الرياح الجافة والارتفاع الشديد في درجات الحرارة، فضلاً عن تضاريس وعرة تعيق وصول فرق الإنقاذ، إضافة إلى وجود ألغام ومخلّفات حربية حالت دون التحرّك السريع. الانفجارات المتكررة في المناطق المحترقة تسببت في توسّع رقعة النيران بشكل خطير، وأدّت إلى خسائر فادحة في الماشية وملاجئ الحيوانات، ما فاقم معاناة السكان الذين فقدوا مصادر رزقهم.

في إطار الاستجابة الطارئة، قامت فرق الهلال الأحمر العربي السوري بإخلاء عدد من عائلات من قريتي الميدان ومزرعة القلعة، بعد اقتراب النيران بشكل خطير من منازلهم. جاءت هذه الجهود بالتنسيق مع وزارة الطوارئ والكوارث، حيث عملت الفرق الميدانية على تقديم الإسعافات الأولية للمصابين وحالات الاختناق في أماكن تواجدهم، إضافة إلى تأمين المياه لعمليات الإطفاء، وتوزيع مواد غذائية ومياه شرب على العائلات المتضررة. كما شرعت الفرق بتقييم شامل للأضرار، وقدّرت عدد العائلات المتضررة بنحو 665 عائلة، معظمهم من سكان القرى الزراعية الذين فقدوا مساكنهم أو أراضيهم أو مواشيهم.

تدفقت موجة نزوح كبيرة من قرى ريف اللاذقية مثل قسطل معاف، قنطرة، وبيت القصير، باتجاه مناطق أكثر أماناً أو إلى المدينة نفسها. العديد من العائلات التي عادت مؤخراً بعد سنوات من النزوح اضطرت لمغادرة قراها مجدداً بسبب اقتراب النيران من منازلهم.

ريما الشمالي (اسم وهمي)، من قسطل معاف، تقول: “ركبنا السيارة وطلعنا عاللاذقية… النار كانت عم تسبقنا”. كانت ريما تعيش مع زوجها وأطفالها الثلاثة في بيت ريفي بسيط، يعتمدون فيه على الزراعة وتربية الدواجن. تتذكر تلك الليلة بوضوح: “الخميس بالليل صار في استنفار بالقرية، الريح قوية والنار عم تقرب، وعم نسمع صوت انفجارات بالغابة، كانت الأصوات قريبة بشكل مرعب”.

لم تتخيل ريما أن تصل النيران بهذه السرعة، لكنها شعرت بأن الخطر حقيقي. تضيف لمجلة لحلاح: “جمعت أوراقنا المهمة بسرعة: الهويات، دفتر العيلة، عقد البيت، وشنطة صغيرة فيها تياب لأولادي.. ركبنا السيارة وطلعنا عالمدينة لعند أختي. كنت عم شوف النار بالمراية وهي عم تركض ورانا، كأنها بتلاحقنا من كل جهة”. لم تتمكن ريما من إنقاذ شيء من بيتها. “تركت كل شي وراي… البيت، الأرض، حتى الحيوانات. ما قدرت فكر، بس كنت عم شوف أطفالي وعم قول: لازم ننجو وبس”، تقول بحسرة.

جمال سلمان (اسم وهمي)، من سكان قرية قنطرة في جبل التركمان، يروي لمجلة لحلاح تفاصيل نزوحه مع والديه: “ركضنا بالليل… ما كان في سيارات. النار قدامنا وورانا.. ما كنا محضرين شي. فجأة شفت الضو الأحمر عم يعبي السماء والغابة كلها ولعت. بلشت الناس تصرخ ويدقوا على البيوت يحذروا بعض”.

لم تكن هناك سيارات كافية لنقل الأهالي، فاختاروا الهروب سيراً على الأقدام، كما يوضح جمال: “كل الناس نازلين بالليل، في عالم راحت عالبسيط، في ناس مشي عالطرقات. نحنا ما لقينا سيارة، فركضنا”، يضيف وهو يرتجف: “كنت ماسك إيد أمي وأبوي، والدخان خانق، ما كنا شايفين شي قدامنا. أخدت الهويات ودفتر العيلة بجيبي وركضنا باتجاه الطريق العام، بعدين لقينا شباب من الضيعة عم يساعدوا، نقلونا بسيارة صغيرة.. كانت لحظة بين الحياة والموت، كنا محاصرين بالنار والدخان والظلمة، والدنيا كلها نار”.

منار محمد (اسم وهمي)، شابة عشرينية، تحكي بدورها لمجلة لحلاح عن لحظات هروبها من قرية بيت القصير: “ما حملت غير موبايلي… النار حاصرتنا من كل الجهات.. الخميس صار الحريق، والجمعة الصبح كانوا عم يبردوا. فجأة اشتعلت من تحت القرية كيف ما بعرف.. “بلشت النار بقرية مقابلة إلنا، بعدها امتدت ع قريتنا وع الجبال، وصارت كل مانها تقوى من الهوا… أول يوم، نزل كم حدا عالبسيط من ريحة الدخنة الخانقة والمضرة.. رجعنا الجمعة الصبح بعد ما طمنونا إنها انطفت، وكان الإطفاء شغال، يعطيهم العافية. بس بعد ساعات اشتعلت فجأة، ولفت من حواليها وصارت تحاصرنا من كل الجهات”.

على الرغم من أن العائلة كانت قد حضّرت حقيبة طوارئ، لكن الوقت لم يسعفها لاستخدامها، تضيف منار: “ما حملت غير موبايلي، وبتيابنا اللي علينا… كل حدا كان حامل شنته اللي فيها أوراق مهمة. صرنا نركض… النار ورانا وقدامنا. لحظة ما بتنوصف، كأنك محاصر بين الحياة والموت بلحظة وحدة.. نزحنا عالمدينة بمساعدة الجيران، وكمان الدفاع المدني كان عم ينقل ناس بسياراته.. الحمد لله ما فقدنا حدا، بس خسرنا أراضي كلها زيتون وليمون… تعب سنين راح بلحظة.”

كارثة حرائق اللاذقية لا تقتصر على كونها حريق غابات، بل هي أزمة مركبة، تكشف هشاشة الواقع البيئي والاقتصادي والاجتماعي في ريف الساحل السوري. قصص ريما وجمال ومنار تعبّر عن عمق المأساة: أناس عادوا إلى قراهم بعد سنوات من النزوح، ليُجبروا على الفرار مجدداً من نار لا تميّز بين غابة وبيت.

عندما تلتهم النيران الأرض، وتترك خلفها رماداً وسواداً، يبقى الألم الأكبر في النفوس لا في التربة. الناس الذين حملوا حقيبة أوراق أو هاتفاً محمولاً، لم ينجوا فقط من النار، بل من شعور عميق بالتخلي، من سؤال مكرر: “لماذا نحن؟ ولماذا يحدث هذا لنا كل عام؟” “ليش نحن؟ وليش كل سنة؟”

الحرائق تمثّل تحدياّ يتجاوز نطاق الطوارئ، فهي تُظهر الحاجة الملحة لإعادة التفكير في شكل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الدولة والمجتمع المحلي. تجاوز هذه الكارثة لا يتم فقط عبر إغاثة العائلات المنكوبة، بل يتطلب معالجة جذرية للإهمال المزمن، وغياب التخطيط، وتغييب صوت الناس الذين يعيشون ويزرعون ويحرسون هذه الجبال.

يتطلّب الأمر خطة شاملة تدمج بين إعادة الإعمار المستدام للمناطق المحترقة، وتأمين فرص عمل بديلة تتيح للناس البقاء في قراهم دون انتظار موسم الزيتون أو الرمان، إضافة إلى تأهيل البنى التحتية الزراعية لتكون أكثر مقاومة للحر والجفاف، وتفعيل منظومة حماية بيئية تمنع الاعتداء على الغابات واستخدام الأراضي بشكل عشوائي، إلى جانب تقديم دعم اجتماعي طويل الأمد للعائلات التي فقدت بيوتها ومصادر رزقها. فقط عبر هذا النهج المتكامل، يمكن تحويل مأساة الحرائق إلى لحظة وعي، لا مجرد ذكرى حزينة تتكرر كل عام. لحظة تؤسس لبداية جديدة، أكثر عدلاً، وأقل احتراقاً.

Scroll to Top