رؤى النايف –
تلوّث الهواء ليس أزمة طارئة أو حديثة العهد في سوريا، بل هو مشكلة عميقة الجذور تراكمت عبر سنوات من الإهمال وسوء الإدارة، والحروب التي لم تترك فقط أثراً على الإنسان، بل امتدت لتطال البيئة بأكملها. في سوريا، كما في العديد من دول العالم، كان للصراعات المسلحة والأزمات السياسية دور كبير في تفاقم هذا التدهور البيئي، حيث ازدادت معدلات التلوّث وتراجعت جودة الهواء إلى مستويات خطيرة تهدّد صحة السكان بشكل مباشر.
تحديات متفاقمة
تعاني المناطق الشرقية من سوريا من أزمة تلوّث هوائي متفاقمة باتت تشكّل تهديداً مباشراً لصحة الإنسان وبيئته، وتُعد المولّدات الكهربائية، العاملة بالوقود الأحفوري، من أبرز مصادر هذا التلوث، حيث أصبحت الحل الوحيد لتأمين التيار الكهربائي في ظل انقطاعه شبه الدائم، فمنذ أكثر من عشر سنوات، تعيش محافظة الحسكة على وقع عجز كهربائي حاد، ما دفع الأهالي إلى الاعتماد الكامل على ما يُعرف بـ”نظام الأمبيرات”، وهو نظام بديل للكهرباء يتم عبر اشتراك الأهالي بخدمات مولدات خاصة توفر التيار لساعات محددة يومياً (8، 16 أو 24 ساعة)، بحسب القدرة على الدفع.
هذا النظام، رغم كونه حلاً مؤقتاً، يخلّف آثاراً بيئية كارثية، إذ تعتمد المولدات على المازوت أو البنزين، وغالباً ما تكون قديمة أو غير خاضعة للصيانة الدورية، ما يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة، وقد زادت حدّة المشكلة بشكل لافت في أواخر عام 2023، حين أدت الهجمات التركية المتكررة على البنية التحتية للطاقة في محافظة الحسكة إلى تدمير غالبية محطات الكهرباء، ما جعل المولدات المصدر الوحيد للطاقة تقريباً، وبالتالي رفعت منسوب التلوث بشكل غير مسبوق.

لكن أزمة التلوّث لا تقف عند المولدات، إذ تساهم عوامل أخرى في تفاقم الوضع البيئي، من أبرزها: عوادم السيارات في المناطق المزدحمة، حرائق النفايات في ظل غياب خدمات جمع القمامة، الدخان المتصاعد من المعامل والورش الصناعية، والاستخدام الواسع لما يُعرف بـ”الحرّاقات البدائية” لتكرير النفط. هذه الأخيرة، التي تنتشر بشكل خاص في دير الزور والرقة وأطراف الحسكة، تُعدّ من أكثر الأنشطة تلويثاً للهواء، إذ تطلق كميات هائلة من مركبات عضوية متطايرة وسامة، بما في ذلك أول أكسيد الكربون، ثاني أكسيد الكبريت، مركبات النيتروجين، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات المعروفة بكونها مسرطنة.
هذه الظروف البيئية القاسية انعكست على صحة السكان بشكل واضح، إذ سجلت المنطقة ارتفاعاً متسارعاً في معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، من بينها الربو، التهابات الشعب الهوائية، التحسس المزمن، فضلاً عن تسجيل حالات متزايدة من الإصابة بالسرطان. وتشير تقارير صحية محلية إلى أن نسبة الإصابة بالسرطان في شمال شرق سوريا ارتفعت من 3% قبل عام 2011، إلى 8% في السنوات الأخيرة، بزيادة تقارب 5%، وهي نسبة مقلقة جداً تُظهر حجم الكارثة الصحية المرتبطة بالتلوّث، وما يُفاقم هذا الوضع غياب الرقابة البيئية، وندرة المبادرات الصحية الوقائية، وانعدام التشخيص المبكر، ما يجعل من معالجة الأثر الصحي والبيئي لتلوث الهواء في المنطقة الشرقية تحدياً بالغ الخطورة يتطلب تدخلاً عاجلاً على مستوى وطني ودولي.
الحرّاقات البدائية
شهدت مناطق دير الزور والحسكة، وهما من أبرز المناطق النفطية في سوريا، تحوّلاً لافتًا بعد عام 2011 في طرق استخراج وتكرير النفط، مع انتشار الحرّاقات البدائية نتيجة تراجع سيطرة الدولة وانهيار البنية التحتية. كانت الحقول في دير الزور، التي تغطي نحو 17.85% من مساحة البلاد، وتضم أكبر الحقول مثل “العمر” و”التيم” و”التنك”، تُدار بعقود مشاركة الإنتاج مع شركات أجنبية مثل شل وتوتال، وتنتج نفطاً خفيفاً. أما الحسكة، التي تمثل 12.6% من مساحة سوريا، فتضم 1464 بئراً موزّعة على 12 حقلاً أبرزها في الرميلان، وتنتج نفطًا ثقيلاً غنياً بالكبريت.
بعد عام 2012، سلّم النظام السابق حقول الحسكة لما بات يُعرف اليوم بالإدارة الذاتية، وأبقى الموظفين، وانسحب لاحقاً من معظم حقول دير الزور. ظهرت حينها الحرّاقات البدائية، بدايةً باستخدام حرّاقات كهربائية صغيرة بسعات من 7 إلى 225 برميلاً، لتتوسع لاحقاً بشكل غير مسبوق. فقد بلغ عدد الحرّاقات في منطقة المنصورة بالرقة نحو 170 حرّاقة، وفي ذيبان التابعة لدير الزور 200 حرّاقة، وهو نفس العدد في جنوب القحطانية بريف الحسكة. كما تنتشر الحرّاقات حول حقول السويدية وجوار الميلان بالحسكة.
هذا وتقدّر تقارير صحفية أن عدد التجمّعات الحرّاقة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بلغ بين عامي 2013 و 2017 ما بين 10 إلى 15 ألف حرّاقة بأحجام مختلفة، منها حوالي 330 موقعاً معروفاً، ولا تزال بعض هذه الحرّاقات تعمل حتى اليوم شرق مدينة القامشلي، ويقدّر أن حوالي 20 مجموعة منها لا تزال نشطة، رغم المخاطر البيئية والصحية الكبيرة التي خلّفتها على السكان والتربة والهواء.
غياب الرؤية البيئية
على الرغم من الخطورة الكبيرة والوضع البيئي المتدهور في المحافظات الشرقية من سوريا، لا تزال الخطط والدراسات البيئية الجادة غائبة تماماً عن المشهد المحلي. حتى الآن، لم تظهر أي جهود منهجية ومنظمة تهدف إلى رصد الوضع البيئي بدقّة، أو إلى تطوير أسس علمية واضحة ومتكاملة لمعالجة المشكلات البيئية المتراكمة. يمثّل هذا النقص في التخطيط والتنسيق تحدياً إضافياً صعباً، خاصة في ظل غياب البنية التحتية اللازمة وافتقار هذه المناطق إلى الخدمات الحكومية الأساسية، ما يزيد من تعقيد معالجة الأزمة البيئية ويحد من إمكانية تطبيق حلول فعالة ومستدامة.
ومع ذلك، هناك بعض الخطوات المبكرة التي بدأت تظهر، حيث شرعت جهات في الحكومة المؤقتة، مثل وزارة الإدارة المحلية والبيئة، بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، في وضع أُطُر أولية لدراسة الوضع البيئي بشكل أكثر تفصيلاً، بالإضافة إلى العمل على برامج علاجية تهدف إلى الحدّ من التدهور البيئي وتحسين جودة الحياة للسكان المتأثرين. لكن هذه المبادرات، على الرغم من أهميتها، تواجه طريقاً طويلاً وشاقاً، بسبب ضعف الموارد، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية، إضافة إلى غياب التنسيق الكامل بين الجهات المعنية. وهذا يستدعي دعماً أكبر من الجهات الوطنية والدولية لتسريع هذه العمليات، وبناء قدرات متخصصة تساعد على وضع استراتيجيات بيئية متكاملة تراعي الواقع المحلي وتعمل على معالجة أسبابه الجذرية بشكل فعّال.

انتشار أمراض التنفس والسرطانات
أوضح طبيب مختص بأمراض الصدر وجهاز التنفس (طلب عدم ذكر اسمه) في مقابلة مع مجلة لحلاح إن تأثير التلوّث على الجهاز التنفسي في المناطق الشرقية من سوريا واضح جدًا، حيث لوحظت زيادة كبيرة في حالات الربو والتهابات القصبات الهوائية المزمنة، خاصة بين الأطفال وكبار السن، مع شكاوى عديدة من صعوبة التنفس أعراض تحسسية مزمنة ناتجة عن التعرض المستمر للدخان والملوثات.
وأضاف الطبيب أن أمراض الانسداد الرئوي المزمن (COPD) ازدادت بشكل ملحوظ حتى بين غير المدخنين، ما يعكس التأثير المباشر للتلوّث البيئي، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في حالات سرطان الرئة مقارنة بالأعوام السابقة، ولفت إلى أن المرضى عادة ما يعانون من أعراض مثل السعال المستمر، ضيق التنفس، الصفير، وألم في الصدر غير مرتبط بالنشاط البدني، وهذه علامات تستوجب الفحص الطبي الفوري للكشف عن أمراض مزمنة أو أورام سرطانية.
وفقاً لتقديرات محلية، فإن عدد حالات سرطان الرئة المرتبطة بالتلوّث في شمال شرق سوريا يتراوح بين 500 إلى 1200 حالة سنوياً، مع تزايد ملحوظ مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام 2011، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى التعرّض المستمرّ للمركّبات المسرطنة التي تطلقها الحرّاقات البدائية والانبعاثات السامة، ونوّه الطبيب إلى أن الفئات الأكثر عرضة لهذه الأمراض هي الأطفال، كبار السن، النساء الحوامل، والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة كالسكري وأمراض القلب، بالإضافة إلى العاملين في الحرّاقات والمولّدات الكهربائية الذين يتعرّضون يومياً لكميات كبيرة من الملوّثات دون وسائل حماية كافية.
كذلك أكّد الطبيب على وجود تحديات كبيرة على صعيد التشخيص والعلاج بسبب نقص المراكز المتخصصة وقلة الإمكانيات الطبية، ما يؤدي إلى تأخّر التشخيص وبدء العلاج، وزيادة معدلات الوفيات وتقليل فرص الشفاء. أما فيما يتعلق بالوقاية، نصح بضرورة ارتداء الكمامات الواقية، تحسين التهوية في المنازل، وتجنّب التعرّض المباشر للدخان، خاصة لدى الفئات الحساسة، كما دعا الجهات المعنية إلى العمل على إيجاد بدائل طاقة نظيفة وتحسين البنية التحتية للطاقة لتقليل الاعتماد على الحرّاقات البدائية. وختم بالقول: “إن تلوّث الهواء في هذه المناطق يمثّل أزمة صحية وبيئية متفاقمة تهدّد حياة آلاف السكان سنوياً، ويتطلّب تدخّلاً عاجلاً على المستويين الوطني والدولي للحدّ من أضراره وضمان حياة صحية للمجتمعات المتضرّرة”.
على الرغم من كلّ التحذيرات، لا يزال تلوّث الهواء في المناطق الشرقية من سوريا واقعاً مستمراً، مدفوعاً بانتشار المولّدات والحرّاقات البدائية التي تضخّ سمومها يومياً في الهواء، وتعكس الأرقام الصحية والبيئية تفاقم الوضع في غياب حلول حقيقية أو رقابة فعّالة.