تأثير عمليات الهدم والبناء على الإنسان والبيئة

ليلى جروج

تترافق عملية ترحيل الأنقاض مع عمليات الهدم والبناء، وهي عملية ضرورية اليوم في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث تبلغ كمية الأنقاض الخرسانية في سوريا حوالي 6.9 مليون طن في مسح أولي لفريق “منسقو الاستجابة”. تترك هذه الأرقام وما يرافقها من مشاهد باتت مألوفة في عموم أرجاء البلاد مجموعة من الأسئلة حول تأثيرها على الإنسان والبيئة، والآثار التي ستنتج عن عمليات ترحيلها، بالإضافة إلى الحلول المقترحة لتفادي خطرها بأعلى درجة ممكنة.

“تساهم عمليات الهدم والبناء والترحيل في ارتفاع درجات الحرارة، خاصة في المناطق الحضرية”، تقول المهندسة البيئية، هديل  الضاهر، لمجلة لحلاح، وتكمل:الأنقاض ومواد البناء ذات خصائص حرارية مختلفة، فالإسمنت والخرسانة  تمتصان المزيد من الحرارة وتشعانها ببطء أكثر، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المنطقة المحيطة”.

تضيف الضاهر أن الأنقاض المكدّسة بشكل كثيف يمكن أن تحتفظ بالحرارة لوقت أطول، ما يزيد من درجة الحرارة ليلاً، حيث لا يحدث التبريد الطبيعيّ كما هو الحال في المناطق التي تحتوي على مساحات خضراء، كما تشرح آليات تأثير الأنقاض وطرق ترحيلها على تلوث الهواء، التي تبدأ بإطلاق الغبار والملوثات، حيث ينطلق الغبار والجزيئات الدقيقة في الهواء، والذي يحتوي على مواد ملوثة وخطيرة مثل الأسبستوس، المعادن الثقيلة، والكيماويات السامة، بالإضافة إلى ما تتطلبه هذه العمليات من شاحنات ومعدات ثقيلة للعمل، ما يؤدي إلى زيادة انبعاثات الكربون وأكاسيد النيتروجين، والتي تزيد من تلوث الهواء. وتردف: “يعدّ حرق الأنقاض أحد وسائل التخلّص منها، ما يتسبب بإطلاق مواد سامة في الهواء مثل المركّبات العضوية المتطايرة (VOCs) والغازات الدفيئة، كما أن احتواءها على مواد كيميائية خطيرة قد يتسبب في تسرب هذه المواد إلى البيئة وبالتالي تلوث الهواء والماء”.

‏أما عن تأثيرها على الاحتباس الحراريّ، فتقول الضاهر: “تتطلب ‏صناعة مواد البناء مثل الإسمنت والحديد والزجاج كميات كبيرة من الطاقة، وتنتج عنها انبعاثات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو أحد الغازات الرئيسية المسببة للاحتباس الحراري، بالإضافة إلى حاجة المباني إلى طاقة لتوليد الكهرباء والتدفئة والتبريد، وهذا الاستهلاك للطاقة يساهم في انبعاثات الغازات الدفيئة”.

وتوضّح الضاهر أن هذه العمليات تتطلب إزالةً للغطاء النباتي، ما يقلل من قدرة الطبيعة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، خصوصاً مع توليد كميات كبيرة من النفايات التي تتطلب معالجة قبل التخلّص منها، ما قد يؤدي إلى انبعاثات إضافية للغازات، كما أن ‏‏نقل مواد البناء ومخلّفات الهدم يتطلّب استخدام وسائل نقل تعمل بالوقود الأحفوري، مما يزيد من انبعاثات الغازات الدفيئة.

يقول المدير التنفيذيّ للبرنامج السوري للتغيّر المناخي، عاصم زيدان، لمجلة لحلاح: “تشهد المناطق السورية المتأثرة بعمليات الهدم وإزالة الأنقاض جملةً من المخاطر البيئية والصحية التي تمسّ حياة السكان بشكل مباشر”، ويضيف أن الغبار والملوثات المنبعثة من عمليات الهدم والترحيل تؤدي إلى تلوث الهواء وزيادة الأمراض التنفسية، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن، حيث ترتبط هذه الظواهر بشكل غير مباشر بزيادة انبعاثات الكربون والإسهام في تغير المناخ، إضافةً إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة على المجتمعات القاطنة بالقرب من الركام.

بدورها ترى الضاهر في السياق ذاته ‏‏أن أعمال الهدم والبناء تتسبب بمخاطر مباشرة على الإنسان، تشمل أمراضاً واضطرابات تنفسيّة، تقول: “‏يؤدي استنشاق الغبار والجسيمات الدقيقة الناتج عن هذه العمليات إلى مشاكل تنفسية مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية وحتى أمراض الرئة المزمنة، كما أن التعرّض للمواد الكيميائية المستخدمة في البناء (مثل الأسبست) يمكن أن يسبب السرطان، بالإضافة إلى الأمراض المعدية التي تزداد بازدياد الأنشطة التي تعطل النظم البيئية”.

لا يقتصر الأمر على الأمراض الجسديّة بل يتعداها إلى الأمراض النفسية مثل ‏التوتر والقلق، تضيف الضاهر: “الضوضاء الناتجة عن أعمال البناء والتشييد يمكن أن تسبب التوتر والقلق، خاصة للأشخاص الذين يعيشون بالقرب من مواقع البناء، كما أنها تسبب الأرق مما قد يؤدي إلى صعوبات بالنوم، مما قد يتفاقم ليصل إلى المشاكل العقليّة الناتجة عن العيش بين الركام، أو في مناطق الهدم والبناء”.

لتقليل مخاطر وانعكاسات أعمال الهدم والبناء وترحيل الأنقاض، يجب اتباع عدة إجراءات وقائية، بما في ذلك التخطيط الجيد، واستخدام التقنيات الحديثة، وإدارة النفايات بشكل صحيح، والتواصل مع المجتمع المحلي، وتقف الضاهر على كل عنصر على حدة إذ ترى أن التخطيط الجيد يبدأ بتقييم شامل، ثم خطة مفصلّة، بعدها تحديداً للمخاطر: “قبل البدء في أي عملية هدم، يجب إجراء تقييم شامل للمبنى لتحديد المواد الخطرة والمخاطر المحتملة، يتم بعدها وضع خطة عمل تفصيلية تتضمن جميع جوانب عملية الهدم، بما في ذلك الجدول الزمني، والمعدات المستخدمة، وإجراءات السلامة، وطرق التخلص من الأنقاض، بالإضافة إلى تحديد المخاطر المحتملة وتدابير الوقاية منها، مثل مخاطر سقوط الأنقاض، والضوضاء، والغبار، والاهتزازات، والتلوث.”

أما استخدام التقنيات الحديثة يكون من خلال استخدام معدات متطورة، والهدم الانتقائي، وإعادة التدوير، تقول: “‏يمكن استخدام معدات هدم متطورة تقلل من الضوضاء والغبار، مثل الحفارات الهيدروليكية الهادئة، كما أن استخدام الهدم الانتقائي للمباني ذات القيمة التاريخية أو المعمارية، يقلل من المخاطر البيئية والتأثير على البيئة المحيطة، كما يمكن فرز المواد الناتجة عن الهدم وإعادة استخدامها أو تدويرها، مما يقلل من كمية النفايات.”

بينما تتمثل إدارة النفايات بخطة لإدارتها، وتحديد مواقع للتخلص منها، ودراسة معالجة ما يمكن معالجته منها بطريقة سليمة، تقول: “‏يجب وضع خطة لإدارة النفايات تشمل التخلّص السليم منها وتنظيم عملية نقلها، وتحديد مواقع مناسبة للتخلص من الأنقاض، وتجنّب رميها في الأماكن غير المخصصة، بالإضافة إلى معالجة النفايات بشكل صحيح لتقليل الأثر البيئي، مثل فصل المواد الخطرة والتخلص منها بشكل آمن.”

كذلك يشكّل التواصل مع المجتمع المحلي أحد طرق التقليل من المخاطر، من خلال إعلام السكان، والاستماع إلى مخاوفهم، تقول: “‏يجب إبلاغ السكان المحليين بخطط الهدم وتأثيراتها المحتملة، ‏والاستماع إلى مخاوف السكان المحليين والرد عليها بشكل فعال، وتوفير معلومات حول التدابير المتخذة لتقليل الأضرار والتواصل معهم.”

وتضيف الضاهر أن ‏تنظيف المواقع، وتأمينها، والالتزام بالقوانين واللوائح من وسائل تقليل المخاطر أيضاً، تقول: “‏يجب تنظيف الموقع وإزالة جميع الأنقاض والحطام بعد الانتهاء من عملية الهدم، وتأمينها لمنع الوصول غير المصرح به وضمان سلامة المارة، بالإضافة إلى الالتزام بالقوانين واللوائح المحلية المتعلقة بالهدم والبناء.”

أما عن استعدادية سوريا لإيجاد الحلول والتعامل السليم معها، تقول: “تمتلك سوريا أطراً تشريعية إلى حد ما لتنظيم أعمال الهدم، إزالة الأنقاض، وإدارة المخلفات، لكنها تواجه تحديات ملموسة في التطبيق والتنفيذ، بالإضافة إلى غياب معايير بيئية صارمة خاصة في هذا المجال”، وتختم الضاهر حديثها بالتأكيد على أن التقليل من المخاطر يتطلب دمجاً بين الحلول الهندسيّة والبيئية والتنظيمية مع رفع وعي العاملين والسكان، بحيث تتحول هذه العمليات من عالية المخاطر إلى آمنة نسبيّاً.

بدوره دعا زيدان إلى اعتماد سياسات واضحة تهدف إلى التعامل مع الأنقاض والركام، مع توصيات برش المياه لتقليل الغبار، وفرز المخلفات وإعادة تدويرها، واستصلاح المساحات المتضررة وزراعتها، وأنهى حديثه بالقول: “غياب المعايير الوطنية الواضحة للتعامل مع هذه القضايا يزيد من خطورة الموقف، مما يستدعي تعاوناً حكومياً ومجتمعياً عاجلاً لحماية صحة الإنسان والبيئة معاً”.

Scroll to Top