بين البحر والمخيم: كيف شكّل الساحل حياة سكان مخيم الرمل الفلسطيني في اللاذقية

دلير يوسف، كمال عبدالله، وعد قاسم

يُنشر هذا التقرير بالتعاون بين مجلة لحلاح وموقع مفتاح ميديا.

“خرجنا من يافا فجئنا إلى يافا ثانية، الشعب السوري حضننا وقدم لنا كل شيء، ونحن الآن عائلة واحدة؛ زوجتي سورية وأولادي وبناتي تزوّجوا من سوريين وفلسطينيين، نحن وحدة حال”، يقول لنا محمد رضوان عاشور والذي وُلد في مدينة يافا الفلسطينية عام 1943، وهُجّر مع عائلته خلال النكبة الفلسطينية، حتى وصلوا إلى جنوب مدينة اللاذقية، وبالتحديد إلى مخيم الرمل.

كانت المنطقة التي أُقيم فوقها المخيم (وهي بالتحديد العقار رقم 1140)، منطقة رملية منخفضة كانت مُحاطة سابقاً بتلال مهجورة. وصلها المهجّرون الأوائل في سنة 1954، بعد أن استطاعت هيئة اللاجئين الفلسطينيين الحصول عليها، وتم تأكيد ذلك عن طريق المرسوم الحكومي رقم 2316 الصادر في العام 1968.

يقول محمد رضوان عاشور إن الفلسطينيين والفلسطينيات الذين وصلوا إلى اللاذقية أقاموا في المساجد وفي مدرسة القشلة، ومن استطاع منهم استئجار بيت فعل، ومن لم يملك المال بقي في المساجد إلى أن أُعطيت لهم أراضي منطقة الرمل، فعمّروا بيوتهم البسيطة.

عن سبب وجودهم بالقرب من البحر يقول لنا أبو منصور (63 سنة) إنه “عندما جاء الفلسطينيون، عُرضت عليهم مناطق مختلفة، لكن لم يعجبهم السكن بعيداً عن الشاطئ، ذهبوا للكورنيش الجنوبي وكان حينها «صحراء رمل»، واختاروا السكن فوق الرمل لأن “أغلبهم أولاد ساحل من يافا وعكا، فصار اسم المنطقة «الرمل الفلسطيني» نسبة لمن سكنها وعمّرها”.

بُنيت البيوت أولاً بشكل بسيط لضعف إمكانيات الناس المادية، فكانت المنازل عبارة عن طبقة واحدة يمتدّ أمامها حدائق زُرعت غالباً بالجوّافة القادمة من فلسطين وبئر ماء خاص بالمنزل الواحد.

في سنة 1970 شقّ الشارع الرئيسي والوحيد في المخيم وأخذت المنازل بالتوسّع عمودياً لتصبح مؤلّفة من طابقين، وتوسّع المخيم متمدّداً إلى المناطق المجاورة، لتشكّل طوقاً عشوائياً من الأبنية السكنية ردمت نهراً صغيراً كان يمرّ في المنطقة وكان يشكّل الحد الفاصل بين أرض هيئة اللاجئين ومحيطها. 

في مطلع الألفية شهد شاطئ المخيم عملية ترحيل كبيرة لرمل البحر بذريعة استخدامه في البناء، ثم شيّدت طريق معبّدة للسيارات، يُطلق عليها اليوم طريق البحر، وقيل إن الشارع هو جزء من مشروع مستقبلي لربط شواطئ الساحل السوري.

رفقة التغيرات الاقتصادية التي حصلت في سوريا في عهد حكم بشار الأسد، زادت حركة هدم البيوت القديمة ذات الطابع العربي في المخيم واستُبدلت بطوابق متعددة لا تتجاوز الأربعة كحدّ أقصى، لكن بعض البيوت المُخالفة تجاوزت الحد المسموح به.

لم ينفصل المخيم عن التبدّلات في المشهد السوري، بل تأثّر بها حدّ التحوّل في بنيته السكنية والديموغرافية، فشهد توسّعاً عشوائياً واكتظاظاً متسارعاً أفضى إلى فوضى بنائية واضحة. ومع عودة جزء من السكان بعد سقوط نظام الأسد ومحاولات ضبط المخالفات، يحاول البعض إعادة ضبط بنية المخيم الكلية وإعطاء الأهالي الحقّ في بيئة سكنية آمنة ومستقرّة.

عند تأسيس المخيّم في الخمسينات، قُدّر عدد ساكنيه بحوالي 6500 نسمة ضمن حوالي 1640 عائلة. شكّلت العائلات الأولى مجالس أهلية وضعت مخطط توزيع البيوت وزواريب المخيم، كما وزّعت حصص الأراضي حسب عدد أفراد العائلة.

بحسب إحصائية أجرتها منظمة التحرير الفلسطينية في 31 كانون الأول 2012 قُدّر عدد سكان المخيم بـ 6728 فرداً، لكنّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ذكرت أنّ المخيم كان يضمّ قبل آذار 2011 حوالي 11 ألف لاجئ.

في ظلّ الصراع السوري، شهد المخيم كسائر منطقة الرمل الجنوبي وعموم سوريا تغييرات في الحركة وتركيبة السكان، وشهد حركة نزوح داخلية وخارجية، انعكست على البنية المجتمعية وحركة العقارات.

بعد سقوط الأسد وحدوث تبدّلات إدارية في هياكل الجهات العاملة، تشكّل مجلس إداري جديد لهيئة اللاجئين الفلسطينيين، الذي قام بدوره بالتشديد على الالتزام بقوانين البناء المعمول بها منذ إنشاء المخيم وضرورة التقيد بالقرار رقم 1140 لعام 1990 المختص بالتراخيص الرسمية، كما عمل على إصلاح شبكة الصرف الصحي.

 شكّل البحر أساساً لاقتصاد أهل مخيم الرمل، الذين هُجروا بشكل رئيسي من مدينتي يافا وعكا البحريتان. فساهموا في العمل في مرفأ اللاذقية بسبب خبراتهم المتراكمة، أو عملوا في الصيد.

يقول محمد رضوان عاشور إن مرفأ اللاذقية نهض بخبرة أهل يافا: “كان هناك شخص اسمه «أبو هاني المقدسي»  تعلّم المهنة في يافا على يد والدي وأعمامي في الثلاثينيات، وعندما جاء اللاذقية أسّس نظام اللنشات والمواعين، وعندما وصلنا نحن في عام 1948، كان شبابنا يملكون الخبرة البحرية، فنزلوا للمرفأ وأداروه وشغّلوه مع إخواننا السوريين كأنّهم قلب واحد، حتى أنّ والدي قدم «لنش» للجيش وللجمارك في بدايات الاستقلال لأنه لم يكن لديهم «لنشات» حينها”.

يعيش محمد حسين أبو جمعة (53 سنة) في المخيم ويعمل في الصيد منذ ثلاثين عاماً، ويفتخر بمهنته لأنّ “الصياد دائماً غني بعزة نفسه وصحته” حسب قوله، ويضيف أن العمل في البحر وفّر له حياة كريمة، فالبحر “لا يغدر بمن يأتيه بصدق” وإنّ “أطيب رزق هو رزق البحر”.

يختتم محمد رضوان عاشور ابن يافا وابن الرمل الفلسطيني كلامه معنا قائلاً:  “أنا تأسست في البحر، ومنذ عام 1955 وهذا البحر هو مصدر رزقي. بيتي هذا بنيته من خير البحر. كانت لدينا مراكب جرف ومواعين شحن بضائع، والدي جلب المراكب معه من يافا وبقيت في بيروت ثم جلبناها إلى هنا. البحر هو حياتنا وأساسنا.”.

“البحر كان أحلى بكثير سابقاً” يقول لنا أبو منصور، لأن الشاطئ الرملي كان يمتدّ لأكثر من مئة متر، وكان مسبحاً مفتوحاً للناس، يحيط به الشجر من كلّ مكان، لكن الآن الشط ضاق، والمنطقة تغيّرت ملامحها. نسأل أبو منصور عن المستقبل وعن قلقه من الأيام فيجيبنا: “رغم كلّ ما مرّ على المخيم من ظروف وصعوبات، يبقى البحر هو المكان الذي نجد فيه أنفسنا، والوقت بجانبه أغلى ما نملك”.

يقول أبو منصور إنه “يموت” بعيداً عن البحر: “نحن مثل السمكة، إذا طلعنا من الماء نموت، شط يافا وشط اللاذقية واحد لأننا بلاد الشام وبحرنا واحد”. يقول إنّه، وحين يذهب إلى البحر، يشعر وكأنه في البيت؛ كأنّه في يافا.

يشعر أبو منصور مثل آخرين كثر قابلناهم، فالبحر هو المكان الذي يفرغون فيه همومهم عند التعب، يقول أبو منصور إنّه يشعر بالبحر يتحدث معه، فيزرع في قلبه السكينة لأنّه أريح مكان في الأرض. ومثله يشعر محمد عبد الحق (33 سنة) الذي يعتبر البحر صديقه، يكبر معه ويشم رائحته ويسمع صوته في الليل ثابتاً كالجبل.

عاش محمد عبد الحق سنوات الحرب في المخيم، تغيّر عليه كل شيء إلا البحر الذي بقي هو نفسه، كل شي اختلف إلا “البحر بقي نفسه، لكن المعنى اختلف، صار المكان الذي نهرب إليه لنفرغ همومنا. ضيق الحياة في الحرب أحال المخيم ضيقاً، وصار الخوف يكبر، لكن البحر باتساعه صار يحوي وجعنا وظروفنا الصعبة.

يشعر عبد الحق أنّ المخيم والبحر تحولا من مكان فيزيائي إلى حالة انتظار وخوف مما سيحمله المستقبل، وخاصة حين تمركزت فيه بوارج نظام الأسد: “كان شعوراً قاسياً جداً، المكان الذي كنا نسبح فيه ونصطاد السمك، صار مكاناً يخبئ خطراً؛ بوارج النظام التي تمركزت في عرض البحر حولته من رمز للفرح إلى رمز للتهديد، ذكرياتنا صارت ثقيلة، وعرفنا حينها قيمة الحرية”.

يبدو لعبد الحق أنّ البحر كان بالنسبة إلى أجيال سبقت جيله مكاناً للحياة والفرح الحرية والأمان، أما لجيله فصار البحر تهديداً، ففيه بوارج نظام الأسد الحربية، وفيه يموت المرء حين يحاول الهجرة بعيداً عن الوطن. تشارك ياسمين الخطيب (28 سنة) تلك المشاعر.

تقول إن البحر كان مصدراً للفرح، لكن منذ حاول زوجها الهجرة في البحر ولم يعد منه كرهت البحر: “لم أعد حتى أطيق المرور بجانبه، ملامح الشاطئ تحولت كلها إلى حزن”.

كثير من رجال وشبان المخيم هاجروا خلال الهروب السوري الكبير بسبب حرب الأسد على الشعب، وبعضهم اختفى في المعتقل، وبقيت الكثير من النساء ينتظرن أحبابهن. تقول ياسمين الخطيب إن أصعب شعور في الدنيا هو انتظار من لا يرجع. تقول إنّ البحر هو السبب من حرمانها من زوجها، “لو لم يكن سفر، لو لم يكن هناك بحر أصلاً في حياتنا” لكان زوجها معها، تقول.

رغم ذلك يحب أولادها البحر لكنهم لا ينسون أن البحر هو الذي أخذ والدهم بعيداً عنهم. 

من حديث أهل مخيم الرمل الفلسطيني عرفنا أن البحر لم يكن يوماً مجرد ماء، بل كان طريقاً للرزق ومرآة للذاكرة وحدّاً فاصلاً بين الحياة والموت. حمل لأهل يافا وعكا بديلاً عن مدينةٍ سُرقت منهم، ثم صار شاهداً على حربٍ سرقت أبناءهم مرة أخرى.

بين موجةٍ وأخرى، لا يزال سكان المخيم يقفون على الشاطئ، بعضهم ينتظر رزقاً، وبعضهم ينتظر غائباً، وبعضهم يحدّق في الأفق كمن يبحث عن مدينة يعرف أنها هناك، ولو لم تعد تُرى. هنا، عند هذا البحر، تتقاطع الحكايات: لجوء لم ينتهِ، وبيوت بُنيت على الرمل، وذاكرة تعرف أن البحر قد يأخذ، لكنه وحده أيضاً يعرف كيف يحفظ الأسماء.

Scroll to Top