ليدا زيدان
لم يكن حضور حجر البازلت عادياً وعابراً في السويداء، إذ يظهر لك عندما تنظر إلى المساحات الشاسعة أنّ كل شيء قد خُلق منه؛ حجارة سوداء تختصر الطرقات والبيوت وتشكّل مادة غنية لمعظم الفنانين، صُنعت منه العديد من التماثيل والمنحوتات لرموز وطنية وشخصيات ذات تأثير اجتماعي، وحتى تماثيل الطغاة، وبين الاستعمالات الكثيرة ما زال السكان هناك يتفنّون في خلق مواضيع جديدة يصنعونها من هذا الحجر، لتثبت لنا الطبيعة مراراً أنها منبع لكافة أشكال الحياة والجمال والإبداع.
هنا في الجنوب عليك التعامل مع الصخور والحجارة بثقة وحب، ففي كل خطوة ستقودك قدماك إلى حافة صخرة أو حجر حاد، وبمرور الأيام ستعتاد المشي على حواف الصخور، والقفز في الفراغات بينها، وتصبح المساحات من التربة بمثابة استراحة لقدميك، لكن ذلك لن يفسد جمال ما تختبره في كلّ مرة تمرّر قدميك ويديك فوق أحجار البازلت، في الكروم والبيوت القديمة تشكل هذه الحجارة هويّة المكان البصرية وتختصر تاريخ الجبل والحضارات التي مرّت من هنا.
يعود تشكّل البازلت في الجنوب السوري لملايين السنين نتيجة النشاط البركاني في المنطقة، إذ تسبّبت الثورات البركانية المتكرّرة، خاصة في العصرين البليستوسيني والهولوسيني، بخروج الصخور المنصهرة من باطن الأرض أو ما يسمى بطبقة “الوشاح”، حيث تبدأ هذه الصخور بالحركة نحو الأعلى بسبب الضغط البيولوجي، وتسمى حمماً بركانية ومن ثم تبرد على سطح الأرض وتتحوّل إلى صخر ناري وبركاني.
على مدار السنين تنوّعت استخدامات حجر البازلت في العمارة، حيث استخدمه الرومان لبناء البيوت السكنية والمسارح والمدرّجات الرومانية والمعابد والكنائس، وما زال المدرّج الروماني في مدينة شهبا “فيليبوبوليس” وشارع البلاط حتى اليوم شاهدين على الحضارة الرومانية القديمة، وبعد ذلك استُخدم من قبل الحضارات اللاحقة بطرق مختلفة في بناء البيوت والقلاع، نظراً لقدرته على التحوّل لمخزن للقمح حيناً، وجرناً لتبريد الماء حيناً آخر.

تأثير البيئة المحيطة على الفن
“ولدت في مدينة شهبا في محافظة السويداء، تلك المدينة الأثرية الرومانسية التي بناها الإمبراطور “فيليبوس”.. في هذه المدينة آثار رائعة تأثّرت بها في طفولتي وانطبعت في خيالي لتشكّل أساساً لأعمالي الفنية فيما بعد”.
بهذه الكلمات يصف الفنان، برهان السعدي، تأثير المكان عليه، خاصة في سنواته المبكرة، إذ يعتبر أن طفولته التي عاشها في مدينة شهبا الغنية بالآثار إحدى الأسباب التي جعلته يميل إلى العمل في الفن، ويتابع “كنت أراقب الطبيعة الجبلية من حولي ومع الوقت بدأت أرسم ما أراه بجميع المواد والخامات المتوفّرة في الطبيعة من حولي من خشب وجبصين وزجاج ورخام وبازلت”.
يعتبر السعدي أن البيئة من حوله ساهمت بشكل كبير في تنمية موهبته وإثراء خياله. يقول: “تأثّرت بالطبيعة في السويداء، وبقيت بعض الرموز مثل الشجرة وورق العنب تشكل جزءاً من اعمالي”.
ولد السعدي عام 1959 في مدينة شهبا وشارك في العديد من المعارض الجماعية لاتحاد الفنانين التشكيليين في السويداء ودمشق، وتُعتبر أعماله ذات طابع سوريالي متأثّراً بأعمال مايكل أنجلو وسلفادور دالي. “أميل إلى رسم الوجوه و النحت على الرخام والخشب والجبصين والنحاس والبازلت، ويمكن القول إن البازلت من أكثر المواد التي أحبها لصلابتها وأبديتها”، يضيف السعدي.
لا يمكننا حصر تأثير البيئة على الخيال والتوجّه للفن، بل هي جزء من العمل الفني، إذ تُعدّ عناصر البيئة هي مادة العمل لدى غالبية الفنانين، كذلك يعتمد معظمهم في المواد التي يستخدمونها على عناصر البيئة، ويشكّل حجر البازلت المادة الخام الأساسية التي يعملون عليها، وبالإضافة إلى أن عناصر البيئة مادة للعمل الفني، فهي أيضاً تشكل موضوعاً فنياً في أحيان كثيرة.



عناصر الطبيعة كأدوات وموضوعات فنية
الفنان التشكيلي وليد نوفل يعتبر أن هاجس الفن شغله منذ طفولته، يقول: “بداياتي مع الفن بدأت في عمر مبكر، فكان الرسم هو المادة المحببة لقلبي في المراحل الدراسية، ثم أصبح الفن شغلي الشاغل بدعم من الاساتذة”. بعد حصوله على الشهادة الثانوية توجه نوفل لتقديم امتحان القبول في مركز (أدهم اسماعيل) في دمشق، ويتابع “اجتزت الاختبار بنجاح وأصبحت من طلاب المركز لسنتين، تعلّمت الكثير من أساسيات الرسم والتشريح على يد أساتذة متمرّسين، وكان تخصصي التصوير والنحت”.
يميل نوفل كثيراً إلى النحت، حيث عمل لسنوات طويلة بعد التخرّج بشكل يومي في النحت على الخشب، ويشرح “تفرّغت لعدّة سنوات لأنجز 45 عملاً نحتياً، وافتتحت معرضي الفردي الأول في المركز الثقافي العربي في المزة بدمشق”، وأنجز منذ ذلك الحين عشرات الأعمال، وشارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية.
يعتبر نوفل أن هناك علاقة مباشرة ومؤثرة بين الطبيعة والفنان، إذ تُعدّ بالنسبة له مصدر كلّ إلهام، وهي العامل الأساسي في تكوين مخزون بصري ناتج عن التفاعل الحسي المباشر مع عناصر الطبيعة كمادة صمّاء، مثل الحجر والخشب والطين والصلصال، حيث يحوّلها النحّات إلى أعمال فنية في عملية إبداعية تعكس الجمال، ويضيف الفنان جمالا إلى جمال الطبيعة.
“العلاقة مع الطبيعة ليست مجرد علاقة نقل بل هي حوار بين الفنان ومحيطه ليحوّل عناصر الطبيعة من كائن صامت إلى فن ينبض بالحياة والتعبير”، يقول نوفل، ويردف عن تجربته في النحت على حجر البازلت: “أعمالي على حجر البازلت قليلة ومعظمها مباعة، يمكنني وصف تجربتي مع هذا الحجر العنيد النبيل بأنها مختلفة حيث يبلغ في استدامته وبقائه لآلاف السنين”، ويبرّر سبب عدم انجاز أعمال بازلتية هو حاجته لمكان عمل خاص وبعيد عن السكن بسبب الضجيج أثناء العمل عليه.



وفقاً لنوفل هناك مجموعة من العوامل التي لعبت دوراً أساسياً وساهمت بكثرة للفنانين التشكيليين في السويداء، يقول: “السبب الأول والأهم هو العمق الحضاري والتاريخي، إضافة إلى البيئة الجميلة الملهمة التي تغذّي الخيال الفني، وخاصة لفناني النحت بسبب وجود المادة الخام والتي هي الحجر”، ويشير إلى أن سهولة الحصول عليها وإنجاز أعمال فنية منها ساعد بشكل كبير في انتشار الفن التشكيلي في المنطقة، كما أن “البيئة الاجتماعية حاضنة للمواهب سواء على صعيد الاهتمام الأسري أو المدرسة”.
لا شك أنه لا يمكن الفصل بين العملية الفنية وما ينتج عنها والبيئة التي نشأت فيها هذه العملية وانبثقت منها، إذ أن الخبرة الجمالية للفنان والتي تعتمد بشكل أساسي على حساسيته البصرية واللونية لمحيطه، وطريقة إدراكه للتشكيلات الفنية في الطبيعة ومحاكاتها ومقاربتها من وجهة نظره، تلعب دوراً أساسياً في إنتاجه الفني وتشكيل خبرته، ويكون للبيئة دوراً مضاعفاً حين تشكل المادة الأساسية التي يصنع منها العمل الفني ويبنى على أساسها، لذلك تبقى الطبيعة والبيئة هي المنبع والملهم للفن والأعمال الفنية عبر العصور.



