ليلى جروج –
حكايتها بدأت من حُبّ الأرض؛ “شغف شخصي لإثبات أن النبات ليس مجرّد ديكور، بل كائن حيّ وشريك في المنزل”، تقول مها سليمان، التي بدأت عملها عام 2023 بعد رحلة من الدراسة والبحث المعمّق. الجمع بين أشياء تدمج بين الفنّ والعلم والحفاظ على البيئة تقاطعت مع حبّها للطحالب، والاهتمام بقدرة الطبيعة على تجديد نفسها، كلّ ذلك شكّل دافعاً كبيراً للبحث، “حتى وصلتُ إلى خبرة كبيرة في عالم التيراريوم المغلق الذي يعتمد على نظام بيئي منظّم ومكتمل”، تقول مها.
يُعرف التيراريوم كأحد الفنون الزراعية التي تتشكّل ضمن أنظمة بيئية مغلقة أو مفتوحة، وهو بحسب الدكتورة ليلى الضحّاك “محاكاة للنظم الحيوية في بيئة مغلقة”، إلا أنّه لا يمتلك تصنيفاً تقسيمياً بالمعنى البيولوجي الذي يُطبّق على على الكائنات الحية. الضحّاك التي تعمل كعضو في برنامج حبوب المركز العربي لدراسات المناطق الجافة وشبه الجافة، وعضو هيئة تدريسية في كلية الهندسة الزراعية في جامعة حماة، تضيف: “يُعرف ضمن علوم البيئة بوصفه نظاماً بيئياً مصغّراً، أو ما يُعرف اصطلاحاً بالنظم الإيكولوجي المغلق، ولا يُصنّف كنظام طبيعي، لأنه من صنع الإنسان”.
ينتشر التيراريوم اليوم في سوريا كنبات للزينة، يقتنيه الناس ليزيّن منازلهم، لكن وراء هذه القطعة الصغيرة رحلة من البحث والتجميع، وحياة كاملة تعيش داخلها.
فن صديق للبيئة
من شغف قديم بتفاصيل الطبيعة انطلقت مها سليمان بمشروعها “حديقة مها” أو كما تطلق عليه اسم “Maha’s Garden”، وباتت تعمل اليوم في تصميم حدائق ونماذج التيراريوم بعد أن تركت التدريس لتتفرّغ كلياً لهذا العمل. تعرّف عن نفسها كفنانة نباتية، تُنسّق التيراريوم والصبّاريات والعصاريات، كمحاولة لنقل جزء من هدوء وسلام الغابات إلى بيوت الناس.
تنتظر فصل الربيع الفعليّ وتحسُّن درجات الحرارة لإضافة حشرات مفيدة خاصة لتنظيف بيئة التيراريوم من العفن والفضلات العضوية، توّضح مها: “هذا الأمر يمنح القطعة عمراً طويلاً”.



التيراريوم صديق للبيئة؛ يعيد تدوير المياه والأكسجين من داخل الوعاء نفسه، حيث يمثّل استدامة حقيقية، ويقلّل من استهلاك الماء، ويستخدم مواد طبيعية بالكامل، ويعزّز التواصل بين الإنسان والطبيعة. تعتمد مها على مواد من الطبيعة مثل التربة العضوية، وتوضح: “أصنعها بنفسي من فضلات المحاصيل الزراعية في الضيعة بعد التخمير والتعقيم”، أما الأوعية فهي أدوات تعيد استخدامها “من خلال إعادة تدويرها بلمسة فنية، بإعادة استخدام أباريق الزيت، الزبادي، وصواني الخشب”.
يحاكي التيراريوم بيئة الغابات الاستوائية أو الصحراوية، وله أنواع مختلفة، منها نوع (إيكو سيستم) أو التيراريوم المغلق، وهو بحسب فنان التيراريوم، باسم مجبور، زجاجة داخلها طبقة من الفحم المعقَّم، فوقه طبقة من الشبك والفحم، بعدها طبقة من الرمل أو التربة بخلطة معينة تناسب نوع النبات، “يدخله نباتات تتحمّل الرطوبة العالية شبه استوائية، وحشرات تعرف باسم “سبرينغ تيلز” أو “آيس بوند” وهي صغيرة يجب أن تكون داخل التيراريوم من أجل الدورة البيولوجية”، وبعد عملية الزراعة يتغطى ولا يدخله شيء ولا يخرج منه، وعلى هذه الحال يمكن أن يبقى سنة أو أكثر دون الحاجة إلى صيانة أو إضافة ماء.
تشير مها إلى النوع الآخر للتيراريوم، وهو النوع المفتوح الذي يختصّ بالصباريات والعصاريات، وتؤكّد على ضرورة عملية التعقيم، “حتى الطحالب لها طريقة يالتعقيم، مع أي إضافات من الطبيعة يجب تعقيمها، وهذا الأمر يعطيها استدامة وعمراً طويلاً”. تصفه مها بأنه “يأكل من عرق جبينه بشكل حرفي”، حيث يتبخّر الماء ويعود ليسقي الأرض داخل الزجاج، وهو من أكثر النباتات استدامة لأنه لا يصرف الماء من جهة، ونظام بيئي يعمل بنفسه خصوصاً عند استخدام الحشرات التي تأكل العفن وتجدد النظام البيئي من جهة أُخرى.



يجسّد التيراريوم دورة المياه في الطبيعة بشكلها النموذجي بحسب الدكتورة ليلى، “تبخُّر الماء من التربة، والنتح من أوراق النبات، ثم تكاثفه على الجدران الداخلية للوعاء، ليعود ويهطل مجدداً كقطرات تروي التربة”، وتتابع أنّ تمثيله لا يتوقّف عند المياه بل يتعدّاها إلى التمثيل الضوئي والتنفّس في بيئة محدودة المصادر، ” يتم تدوير غازات الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون ذاتياً بين النباتات والكائنات الدقيقة الموجودة في التربة”، لذلك رغم كونه نظاماً اصطناعياً، إلا أنه يُعدّ الأداة العلمية الأكثر قدرة على تمثيل المحيط الحيوي في حيّز محدود.
فوائد متعددة
أوّل استخدام للتيراريوم كان في أواخر القرن الثامن عشر عبر نقل النباتات الحية من قارة لأخرى بهدف الدراسة، وهذه كانت أوّل فائدة للتيراريوم، يقول باسم، ويردف: “أما من الناحية النفسية فإن النظر والتمعّن بتفاصيله الصغيرة وتكاثف قطرات المياه على جدرانه والبحث عن بعض الحشرات الصغيرة بداخله.. كلّ هذا يعطي شعوراً جميلاً”.
باسم الذي حاول الاندماج بالطبيعة بطريقته الخاصة عبر نقلها إلى مكان قريب منه ضمن جدران منزله، يقدّم فنّاً مختلفاً يعتمد على تشكيل لوحات من الأخشاب والطحالب، يرى أنها نتيجة لعلاقة الإنسان بالطبيعة التي تتواجد في جينات الناس، يقول: “الفن هو من يترجم هذه العلاقة لأنّه موجود في كلّ مكان؛ في النبات والشجر والحجر”.

“من هذه العلاقة قبل 15 سنة بدأ كل شي.. أحضرت حوضاً زجاجياً ووضعت بداخله تراب الغابة ووضعت بعض النباتات والأحجار”. بعد الإعجاب بالفكرة بدأت رحلة باسم في البحث عبر الإنترنت، يقول: “رأيت أن هناك كثيرون مثلي ووصلوا لمراحل متقدمة في هذا المجال الرائع الذي اسمه فن التيراريوم، ومعناه حديقة مصغّرة تحتوي على نظام بيئي متكامل في وعاء زجاجي شفاف مفتوح أو مغلق”.
بدورها ترى الدكتورة ليلى أن الانتقال من مفهوم الزينة إلى مفهوم الوظيفة هو ما يعزّز قيمة التيراريوم كأداة لرفع الوعي البيئي والحفاظ على التنوّع الحيوي في أصغر صوره، حيث تسير استخدامات التيراريوم وفوائده على خط متكامل بين العلم والزينة، ويُعتبر من إحدى الوسائل التوضيحية في التعليم التكاملي، “فهو يقدّم تجسيداً فيزيائياً ملموساً لمفاهيم مجرّدة وصعبة الشرح نظرياً”.
كذلك يُستخدم كنظام إيكولوجي مغلق في مختبر أبحاث الميكرو- بيوسفير، لدراسة سلوك النباتات في بيئات معزولة تماماً، تضيف الضحّاك أنه يمثّل حلاً تقنياً لما يُعرف بالحفظ خارج الموقع، أو ما يُسمى بالحفظ الميكروي للأنواع النادرة، “كالأنواع النباتية الحساسة، خاصة تلك التي تنتمي للبيئات الاستوائية أو السرخسيات والطحالب التي تتطلّب رطوبة ثابتة، لأن توفير هذه الظروف في المشاتل المفتوحة أمر مكلف وصعب، فيوفرها التيراريوم بأقلّ استهلاك للموارد، وبأقصى درجات الضبط الحيوي”.
تكلفة معنوية لا توقفها التحديات
تعتبر مها أن المواد والتكلفة والوقت تحددها القطعة نفسها، وتشمل المواد الزجاج والتربة والحصى والطحالب والنباتات، “التربة أصنعها يدوياً والحصى أجمعه من البحر وأغلب الطحالب والأوعية من خامات طبيعية أو معاد تدويرها”، وتضيف أن الشيء الوحيد غير الطبيعي هي الإكسسوارات الموضوعة للزينة أو لسرد قصة صغيرة وتعود لرغبة الزبون.
ترى مها أن الكلفة ليست في ثمن المواد، بل في الوقت والبحث العلمي وراء كل تنسيق لضمان نجاحه. تقول إن “القطعة الواحدة تأخذ ساعات من العمل الدقيق لكن النتيجة مستحقة، فالفن اليدوي والاحترافي صعب التثمين خصوصاً عند الحديث عن نظام بيئي متكامل”، وتضيف أنّ الأجر يعطي قيمة من المجهود، لكن الأجر الحقيقي يكمن في انتشار هذه الثقافة بين الناس من جهة، وبقاء القطعة حية وبصحّة جيّدة من جهة أخرى.
بعض الناس اعتبروه سحراً، يطرحون الأسئلة عنه بشغف كبير لفهم آلية عمله، وكيفية صنعه، “لكن القدرة الشرائية عندهم محدودة، تمنعهم من اقتناء النباتات التي يتراوح سعرها بين 40 ألف ليرة إلى 300 ألف ليرة،” تقول مها بعد أن توضح أنه على الرغم من ضخامة هذه الأرقام بالنسبة للناس، إلا أنها ضعيفة مقارنة بأسعار التيراريوم بشكل عام.
“كثير من النباتات الاستوائية وبعض الأنواع من الأخشاب، وحتى الأحجار التي تستخدم داخله، لا تتوفّر بسهولة في أسواقنا المحلية”، يقول باسم عن التحديات التي تواجه هذا الفن كسائر الفنون في سوريا، لكنّه يؤكّد أنّ العناية بها سهلة بشكل كبير، “بعض القطع لا تحتاج إلى عناية إلا لبعض الماء كلّ فترة”.



الهدف من البدء بمشروع التيراريوم لا يجب أن يكون ربحياً، ولا يجب الاعتماد عليه كمصدر دخل كامل، “بل يجب أن يكون هدفه عرض جمالية هذا الفنّ، إلى أن يتحّول إلى مشروع تجاري مربح مع الوقت”.
كما يعزي ضعف انتشار هذا الفن في سوريا لأنه -كغيره من الفنون- ينجذب إليها من يهواها فقط، “أما الناس فقد لا يدرون بوجوده أصلاً، وهذا الأمر شائع في كلّ مكان، لأنه فنّ حديث انتقل للعالم في القرن التاسع عشر”، كما أن ّقلّة الفنانين في هذا المجال جعلته إبداعاً مخفياً على الرغم من بساطة صناعته.
تضيف الضحّاك على الأسباب السابقة وجود خلط شائع لدى المستهلك بين التيراريوم كنظام بيئي متكامل، وبين التنسيق النباتي العادي، “يؤدي هذا الخلط غالباً إلى فشل النماذج الرديئة، ما يوّلد انطباعاً لدى الجمهور أن التيراريوم منتج قصير العمر وصعب الصيانة”.




