رؤى النايف –
بينما استبشر مزارعو محافظة الحسكة خيراً بموسم أمطار وفير، حملت الغيوم تحديات بيئية غير متوقّعة لمحصول القمح الاستراتيجي، فبعد غسل التربة من مغذّياتها وانبعاث الصدأ الأصفر من رطوبة الأرض، يجد الفلاح نفسه في سباق مع الزمن لإنقاذ سنابله من الضمور.
محافظة الحسكة، التي تُعدّ المصدر الرئيس للقمح في سوريا، تواجه اليوم تحدياً بيئياً ومناخياً مزدوجاً هذا الموسم، ففي الوقت الذي وفّرت فيه الأمطار الغزيرة ريّاً طبيعياً غزيراً، خلقت الأمطار ذاتها ثغرات بيئية خطيرة، ما يضع أمن البلاد الغذائي على المحكّ.
خسائر كبيرة
تتعالى صيحات الاستغاثة من مزارعي المنطقة الذين باغتتهم سرعة انتشار المرض، لتتحوّل حقولهم، التي كانت تضجّ بالحياة، إلى ساحات لمواجهة خاسرة مع الصدأ.
يقف المزارع أبو فهد، من ريف الحسكة الشمالي، وسط حقله، يتفحّص بحسرة أوراق القمح التي غزاها الشحوب، ويقول لمجلة لحلاح بمرارة تملأ صوته: “كنّا نظنّ أنّ كثرة المطر بركة وسقيا خير طال انتظارها، لكن هذه الغزارة غير المعهودة تحوّلت إلى نقمة، فقد غسلت تعبنا وسمادنا وجرفت معها آمالنا في موسم وفير”. الأرض التي كانت تفيض بالخير أصبحت فقيرة وهزيلة فجأة، والقمح الذي كان أخضر يانعاً بات يكسوه لون برتقالي غريب وموحش، والنبات توقّف عن النمو (تقزّم).
يضيف أبو فهد المثقل بالهموم: “المصيبة ليست في المرض وحده، بل في التكاليف التي كسرت ظهرنا؛ فأسعار المبيدات الفطرية والمخصّبات الورقية ارتفعت بجنون، ونحن نضطر للرشّ أكثر من مرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ما ضاعف ديوننا وجعلنا في مهبّ الريح، فالموسم الذي انتظرناه لسداد الالتزامات بات اليوم يهدّدنا بخسارة رأس المال وتعب العمر”.
لا يقل حال المزارع خليل الفؤاد في ريف القامشلي مأساوية، الذي يصف الواقع لمجلة لحلاح بعبارات يملؤها القلق من القادم، ويؤكّد أن المزارعين اليوم يقفون وجهاً لوجه أمام كارثة حقيقية تهدّد لقمة عيشهم. يقول خليل: “نحن لسنا أمام مجرّد إصابة عابرة، بل أمام تهديد مباشر بضياع المحصول بنسبة تفوق الـ50% في أحسن الأحوال، فالسنابل التي كنّا نعوّل عليها باتت اليوم رهينة مبيدات فطرية ومخصّبات ورقية بأسعار فلكية، تلتهم ما تبقّى في جيوبنا من مدّخرات لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن الصدأ”.
يتابع خليل واصفاً المفارقة البيئية القاسية: “ما يثير الرعب هو أنّه بدلاً من أن يكون المطر سبيلاً للارتواء، أصبح عدوّاً يغذّي الفطريات ويفتك بالأوراق الهزيلة التي فقدت قدرتها على المقاومة نتيجة غسل التربة من مغذّياتها.. نحن اليوم في صراع مع الزمن وتكلفة الرشّ المرتفعة، وإذا لم تتوفّر حلول إسعافية ودعم حكومي بالسماد والمبيدات، فإن تعب العام سيذهب سدى تحت وطأة الرطوبة والأسعار الجنونية”.

تربة فقيرة ونباتات ضعيفة
هناك ارتباط وثيق بين التقلّبات الجوّية الحادّة والحالة الحيوية المتردّية للنبات، كما يشرح لمجلة لحلاح المهندس الزراعي والخبير البيئي، محمد رشيد سعيد، موضحاً أن الأزمة الراهنة في حقول الحسكة ليست مجرّد إصابة عابرة، بل هي انعكاس لاختلال عميق في التوازن البيئي للتربة.
يوضّح سعيد أنّ الأمطار الغزيرة غير المسبوقة أحدثت ما يُعرف علمياً بـ (Leaching) أو “غسل المغذّيات”، ما جرف العناصر الكبرى، كالآزوت والبوتاسيوم بعيداً عن متناول الجذور، وأفقد القمح خطّ دفاعه الأوّل ومناعته الطبيعية، وبالتالي فإنّ فطر الصدأ المخطط استغلّ هذه الهشاشة النباتية والرطوبة العالية ليدمّر مادة (اليخضور) عبر خطوط طولية متوازية تشلّ قدرة النبات على تصنيع غذائه، وهو ما يؤدّي حتماً إلى تقزّم الساق وضمور الحبوب داخل السنابل.
لذلك، يحذّر الخبير البيئي من أنّ “إهمال هذه العلامات أو التأخّر في التدخّل العلاجي قد يُخرج الأمر عن السيطرة، ويؤدّي إلى فقدان كلّي للمحصول في البؤر شديدة الإصابة، ما يمثّل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي”.

خطة طوارئ
يقترح المهندس محمد حلولاً مهمّة وتدابير عاجلة، قد تكون بمثابة خارطة طريق تقنية لإنقاذ موسم القمح، إذ يشدّد على ضرورة البدء بالتعويض الغذائي الفوري من خلال إضافة جرعات تنشيطية من نترات الأمونيوم لترميم نقص النيتروجين المفقود، مع التحذير من التسميد أثناء الهطولات المطرية منعاً للهدر المادي والبيئي.
كما يشير إلى أهمية المكافحة الفطرية المركّزة عبر الرشّ الورقي بالمبيدات الجهازية المتخصصة لكسر حلقة انتشار الأبواغ، داعياً المزارعين لاعتماد استراتيجية “الرشّ التكاملي” التي تدمج المخصّبات الورقية بالمبيدات لضمان امتصاص سريع للمغذيّات وتقوية مناعة النبات في آن واحد، مع ضرورة المراقبة الميدانية الدورية وتفقّد الحقول يوميّاً، لا سيّما في المناطق المنخفضة الأكثر عرضة لتراكم الرطوبة، بهدف ضمان التدخّل الإسعافي الفوري عند رصد أول بقعة صفراء.
في الوقت الراهن، يبقى ذهب الحسكة رهينة لسرعة الاستجابة، فالتكامل بين الخبرة الهندسية الأكاديمية وعمل المزارعين الدؤوب في الميدان هو السبيل الوحيد لضمان وصول القمح إلى صوامعه بسلام، مع التأكيد على أن مواجهة الصدأ الأصفر وتحديات المناخ المتقلّب تتطلّب تضافر الجهود الحكومية مع المزارعين عبر طرح خطط طوارئ زراعية عاجلة، وتوفير الدعم اللازم من مبيدات وأسمدة بأسعار مدعومة، لضمان استدامة الإنتاج في وجه واقع مناخي جديد.



