الحرب على البيئة

دلير يوسف

لا تقتصر حروبنا نحن البشر -وإن كان الناس مثلي لا ذنب لهم في افتعالها- على قتل بشر مثلنا، بل تمتدّ لقتل كل ما يحيط بنا من نبات وهواء وحيوان وجماد، فهذه الحروب لا تخلّف دماراً بشرياً وعمرانياً فحسب، بل تترك آثاراً بيئية كندوب في وجه الزمن.

تشهد منطقتنا اليوم حرباً جديدة امتداداً لحروب سابقة، حربٌ تمتدّ من غزة وجنوب لبنان لتصل إلى إيران مروراً بمعظم دول المنطقة. النار تشتعل في هذه البلاد، ولا يبدو أن شيئاً سيطفئها. هذه الحروب، وإن كانت تقضي على البشر وعلى الدول والحكّام، لكنّها تترك أيضاً آثاراً بيئية عميقة قد تستمرّ لعقود، فبعض الأسلحة المستخدمة فيها، مثل الذخائر العنقودية والفوسفور الأبيض والقذائف الجوية، تؤدّي إلى أضرار مباشرة وطويلة الأمد على التربة والهواء والغطاء النباتي.

نستعرض في هذه المقالة أمثلة من حروب قريبة علينا وآثارها المباشرة على بيئتنا، ولا نقول إن قتل البشر وتهديم العمران أمر عادي، بل نعتقد أنّ من قتل إنساناً واحداً “فكأنّما قتل الناس جميعاً”، ونقول إن قتل البيئة لا يقلّ خراباً عن قتل البشر.

في الحرب المستمرّة على قطاع غزة استخدم الجيش الإسرائيلي غارات جوية وصواريخ أرض-جو بكثافة عالية، فضلاً عن أنواع الأسلحة الأخرى. هذا السلاح لم يستهدف فقط المباني والبشر، بل دمّر أيضاً شبكات المياه والصرف الصحي، فقُصفت محطات معالجة المياه وخطوط المجاري، ما أدّى إلى تسرّب المياه العادمة إلى التربة والبحر، ما أسفر بدوره عن تلوّث المياه الجوفية والساحلية، ما يشكّل تهديداً خطيراً على الصحّة العامة والزراعة، وخاصّة في منطقة مثل غزة التي تعاني أصلاً من شحّ المياه وملوحتها.

كذلك أدّى انهيار المباني نتيجة القصف المتواصل إلى انتشار كميات هائلة من الغبار المحمّل بمواد خطرة، مثل الأسبستوس (مجموعة من المعادن السيليكاتية الليفية الطبيعية التي تستخدم في البناء) والمعادن الثقيلة. انتشار هذا الغبار في الهواء وترسّبه في التربة يخلق تلوّثاً طويل الأمد، ومع تراكم ملايين الأطنان من الركام، تتحوّل عملية إزالة الأنقاض نفسها إلى تحدٍّ بيئي، إذ يتطلّب الأمر طاقة وموارد ضخمة، وقد تؤدّي إلى إعادة نشر الملوِّثات. في برلين وبعد الحرب العالمية الثانية، تمّ تجميع الركام وخلق جبلين صناعيين في مناطق قريبة من المدينة. كم جبلاً من الركام يُمكن أن تخلق غزة؟

أدّى (ويؤدي) القصف المكثّف إلى إنتاج انبعاثات كربونية كبيرة بسبب التفجيرات وحرائق المباني وحركة الآليات العسكرية الثقيلة، ومع استمرار الحرب، تتضاعف البصمة الكربونية لها، ما يضيف بعداً مناخياً عالمياً إلى الكارثة البيئية المحلية. (البصمة الكربونية هي إجمالي غازات الدفيئة الناتجة عن الانبعاثات الصناعية أو الخدمية أو الشخصية أو العسكرية).

اعتبرت دراسة نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية مؤخّراً تحت عنوان “الإبادة البيئية كأداة حرب: الأضرار في غزة وخيارات الاستجابة والسياسات البديلة”، أنّ التدمير الممنهج للبيئة جزء من استراتيجية الحرب، فقد أدّت الغارات والقصف المستمرّ إلى تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وتلوّث الهواء والتربة واضطراب عام للنظام البيئي، ما أسفر عن أزمات صحية ونقص في المياه الصالحة للشرب وتدهور الأراضي الزراعية وفقدان التنوّع الحيوي.

استخدم الجيش الإسرائيلي الفوسفور الأبيض كسلاح خلال حربه الأخيرة على غزة ولبنان (منذ تشرين الأول 2023)، والفوسفور الأبيض هو مادة تشتعل بمجرّد ملامستها الهواء، وحين تُستخدم في مناطق مأهولة أو زراعية فإنها تؤدّي إلى حرائق واسعة النطاق، تؤثّر بشكل فوري على الطبقة السطحية من التربة قاتلةً الكائنات الحية الدقيقة ومدمّرةً للغطاء النباتي بالكامل، سواء أكانت حقولاً زراعية أم أحراجاً طبيعية، وبعد الاحتراق تظلّ البقايا الكيميائية في التربة ما يمنعها عن استعادة خصوبتها بسرعة.

أدّت هذه الحرائق في مناطق حدودية جنوب لبنان إلى تدمير مساحات واسعة من الأحراج والبساتين والأراضي الزراعية، وقد تفقد هذه الأراضي خصوبتها وقدرتها على الإنتاج لسنوات طويلة قادمة.

في تقرير نُشر في شهر تموز من العام الفائت (2025)، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP إن هجمات إسرائيل على جنوب لبنان دمّرت 2192 فداناً، بما في ذلك 1917 فداناً من الغابات و275 فداناً من الأراضي الزراعية. كما فقدت حوالي 134 فداناً من أشجار الزيتون و48 فداناً من أشجار الحمضيات و44 فداناً من أشجار الموز و15 فداناً من أشجار الفاكهة الأخرى.

تشير هذه الأرقام في بقعة جغرافية صغيرة الحجم كجنوب لبنان إلى حجم الكارثة على أهالي المنطقة، فخسارة هذه الأراضي لا تعني فقط خسارات اقتصادية، على الرغم من فداحة هذه الخسارة، بل تعني أيضاً تدهوراً بيئياً مستمرّاً لعقود. 

كذلك قالت مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة السورية في شهر شباط الماضي إنّ 400 هكتار من الأراضي الزراعية المزروعة بالحبوب وأربعة آلاف هكتار من المراعي قد تضرّرت نتيجة رشّ إسرائيل لمواد سامة فوق الأراضي الزراعية في المحافظة.

خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006 استخدم الجيش الإسرائيلي الذخائر العنقودية بكثافة في جنوب لبنان، والذخائر العنقودية هي قنابل تنفجر في الجو وتُطلق عشرات أو مئات القنابل الصغيرة والتي يفشل جزء كبير منها في الانفجار فوراً.

كذلك استخدم نظام الأسد في حربه ضد الشعب السوري الذخائر العنقودية بكثرة، إلى درجة أنّ نصف ضحايا الذخائر العنقودية في العالم عام 2020 قد سُجّل في سوريا. هذه الذخائر العنقودية تخلق ما يشبه “حقول تلوّث دائمة”، فالقنابل غير المتفجّرة تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم لسنوات، وتُبقي مساحات واسعة غير صالحة للاستخدام الزراعي أو الرعوي. ومع مرور الوقت، تتحلّل مكوّنات هذه الذخائر ما قد يؤدّي إلى تسرّب معادن ثقيلة ومواد متفجّرة إلى التربة.

إضافة إلى الخطر المباشر على البشر، فإنّ الحياة البرية تتضرّر أيضاً، إذ قد تنفجر القنابل عند مرور الحيوانات، أو تبقى عائقاً يمنع عودة الأنشطة الطبيعية في المنطقة المقصوفة. يوثّق تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان نُشر في العام 2023 انتشار الذخائر العنقودية غير المنفجرة في مناطق واسعة من سوريا، ما يشكّل تهديداً بيئياً طويل الأمد لأنّها تلوّث التربة وتمنع عودة الناس الآمنة إلى حياتها الطبيعية، حتى بعد انتهاء الأعمال القتالية.

خلال حرب الخليج الثانية وقصف القوات الأمريكية للعراق في العام 1991 بعد اجتياح صدام حسين وجيشه للكويت في العام، وخلال الغزو الأمريكي البريطاني للعراق في العام 2003، تم استخدام أسلحة تحمل اليورانيوم المنضّب، والذي أنتج غباراً دقيقاً ذو نشاط إشعاعي منخفض عند الانفجار، لكنه يترسّب في التربة أو يُستنشق، وتظهر آثاره بعد سنوات طويلة، ملوّثاً المياه الجوفية والتربة.

يقول كتاب “التلوث الإشعاعي والمضاعفات الصحية لحروب الخليج” إن هذه الحروب قد تركت أكثر من 2200 طن من اليورانيوم في التربة العراقية، أي ما يعادل في تأثيره الإشعاعي ما يساوي 250 قنبلة ذرية، وإن هذا التلوّث قد سبّب ارتفاعاً كبيراً في نسب السرطان والتشوّهات الخلقية والإجهاض في المناطق التي تعرّضت للقصف.

كذلك أظهرت دراسة عراقية نُشرت في العام 2024 أن اليورانيوم المنضّب الذي استُخدم في الحروب على العراق ما يزال يظهر بكميات مرتفعة في دماء مرضى اللوكيميا مقارنة بالأصحّاء، ما يشير إلى تأثير بيئي وصحي طويل الأمد.

تُظهر الأمثلة السابقة الآثار الهائلة للحروب على البيئة، فتتلوّث المياه وتتآكل التربة وتحترق الغابات وتتراجع الزراعة. مع كلّ جولة قتال تتراكم الأضرار، وتزداد كلفة إعادة الإعمار البيئي. الدمار البيئي ليس أثراً جانبياً بسيطاً للحرب، بل هو جزء بنيوي من نتائجها، وهو غالباً ما يصيب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

لا يجب أن يكون هناك أي نقاش حول آثار الحروب دون أن يكون البعد البيئي جزءاً منه، وعنصراً أساسياً في معادلة الخسارة والتعافي. الحرب، أيّ حرب، موجّهة دائماً من قبل فئة ضد أخرى، لكنّ الآثار البيئية للحروب تصيب الناس جميعاً. كلنا خاسرون إذا خسرت البيئة.

Scroll to Top