التقطير الطبيعي بين الماضي والحاضر

ليدا زيدان

“ما زلت أشعر بوقع خاصّ لتلك الأيّام؛ مع ساعات الفجر الأولى كنا ننطلق إلى الشرق، البعض كان يستخدم الدواب كوسيلة نقل، والبعض الآخر مشياً على الأقدام، حتى نصل إلى “سد الزلف” حيث تنمو نباتات بريّة مختلفة”، تتحدّث السيدة “سميرة” المنحدرة من الريف الشرقي لمحافظة السويداء عن موسم قطاف النباتات البرية، حيث اعتاد أهالي تلك القرى على الخروج صباحاً في الأيام الأخيرة من شهر نيسان قبل بزوغ الشمس فيما يشبه الطقس السنوي، وغالباً ما كانوا يخرجون في جماعات ويحملون معهم الطعام والشراب لأخذ استراحات قصيرة والاستمتاع بالجو الربيعي الخاص في تلك المناطق.

كان هذا الطقس بمثابة إعلان بداية جديدة للحياة. تسرع النساء لقطف زهور البابونج قبل أن يلحقها اليباس بشكل كامل في ذروة اصفراها، بالإضافة لنباتات وأعشاب أخرى. لم يكن الأمر يقتصر على الخروج إلى البراري، بل كانت الأراضي القريبة من القرى والمساحات حول المنازل هدفاً آخر للقطاف، إذ أن معظم النساء يواظبن على زراعة الورد الجوري وإكليل الجبل وغيرها من النباتات بجوار المنازل. تقول سميرة: “عند اكتمال نمو الوردة الجورية وقبل أن تتساقط عن أشجارها كنا نبدأ بقطافها، البعض يقوم بتجفيفها بنثرها على القماش في منطقة تصلها الشمس أو نقوم بعصرها لاستخلاص ماء الورد منها”.

عبر التاريخ استخدمت الحضارات التقطير الطبيعي لإنتاج مواد مختلفة، وخاصة العلاجية منها، وبدأت هذه التقنيات بالظهور في مصر وبلاد ما بين النهرين قبل آلاف السنين. تشير الآثار التاريخية والبرديات المصرية إلى أن المصريين القدماء كانوا أول من استعملوا العطور واكتشفوا قيمتها، وتؤكّد بعض الكتابات الفرعونية استخدام الدهون العطرية على شكل أقماع في البيوت. كذلك اكتشف علماء الآثار عام 1928 آنية فخارية تحتوي زيوتاً عطرية في أحد المقابر الفرعونية. الإغريق أيضاً استخدموا الزيوت العطرية للطبابة والتجميل، وبقيت هذه التقنية موجودة حتى يومنا هذا وإن كانت بنسب قليلة.

تواظب النساء في أرياف المدن السورية، وخاصة أرياف السويداء ودمشق والساحل، على المشاركة في هذا “الطقس السنوي”. تصف سميرة بأنه يشبه موسم “المونة” وتقول: “لا يوجد منزل يخلو من النباتات البرية والأعشاب في قرانا، نجمعها ونجففها للشتاء القادم”.

تُستخدم هذه النباتات بطرق مختلفة، حيث من الممكن غليها وشرب مائها كبدائل علاجية، أو تقطيرها واستخراج الزيوت منها لاستخدامات متنوعة. هناك أنواع مختلفة من الأعشاب والورود والنباتات البرية التي يمكن أن يُستخلص منها زيوت ومواد مائية، وتعتبر النباتات العطرية من أفضل النباتات لاستخراج الزيوت منها، وهي مستخلصات زيتية سهلة التطاير يتم الحصول عليها من بعض النباتات مثل زيت القرنفل والياسمين النعناع والزعتر واللافندر والمريمية والورد والبابونج وورق الغار وإكليل الجبل.

تتكون الزيوت العطرية من مكونات مختلفة وهي منحلة في الدهون على الرغم من عدم احتوائها على مواد دهنية، حيث يتم تقطيرها عن طريق الماء أو “التقطير بالبخار”، ومن الممكن استخدام مواد أخرى مثل الإيثانول والهكسان وثاني أوكسيد الكربون، ويتم استخدام كل مادة بحسب فعاليتها في استخلاص الزيوت، 

تواظب سهى (اسم مستعار) منذ سنوات على استخدام “زيت البابونج” بعد محاولات كثيرة لمعالجة التهابات جلدية في الوجه واليدين، تقول: “لم أتوقّع أن يكون العلاج بهذه البساطة، كنت أعاني من التهابات متكررة وحساسية. التحسّن بدأ بشكل تدريجي وأصبح استخدام البابونج بمثابة عادة يومية”.

حتى الآن، وعلى الرغم من الوسائل الطبية والتجميلية الحديثة، ما زالت هناك مشاريع صغيرة تعمل على استخلاص وبيع هذه الزيوت، مثل مشروع “جذر” الذي تأسس قبل سنوات، وما زال إلى اليوم ينتج مواد تجميلية وعلاجية عن طريق التقطير الطبيعي. صاحب المشروع، جلال أبو عاصي، يعتبر بأن الطبيعة تزخر بالحلول لجميع المشاكل البشرية اليومية، ويوضح: ” بدأنا العمل بدافع شعور بالمسؤولية كمتخصصين في الكيمياء الحية، وهناك بعض المشاريع الصغيرة التي تعتمد هذه التقنية لإنتاج مواد علاجية وتجميلية في سوريا. مشروع “جذر” هو بدأ منذ خمسة عشر عاماً وما زلنا نعمل حتى اليوم”.

تتنوّع منتجات المشروع من منتجات تجميلية، بدءاً بماء الورد الطبيعي ووصولاً إلى الكريمات العلاجية للبشرة والشعر والعطور. يضيف أبو عاصي: “لم نقتصر في عملنا على منهجية واحدة لاستخراج وتكثيف الزيوت والمستخلصات المائية، بل حاولنا اختيار الطريقة الأمثل لكل عشبة لضمان استخلاص المكونات الفعّالة بأعلى تركيز وأقصى فائدة”.

يصف أبو عاصي طريقة تحضير المنتجات بأنها عالية الدقة، حيث تُصنع المواد يدوياً بدقة كيميائية عالية من مواد طبيعية بنسبة تتراوح بين 97 بالمئة إلى 100 بالمئة، أما المواد غير النباتية المستخدمة فهي “معتمدة وآمنة ومتوافقة مع المراجع العالمية لصناعة الأدوية”. بالإضافة لضرورة الدقة في عملية التقطير واستخراج الزيوت، هناك عوامل أخرى يجب مراعاتها قبل ذلك، مثل مصادر الأعشاب والزهور، يتابع ” نحرص على انتقاء المواد الخام بدقة فنختار التربة وطريقة الزراعة، ونتأكد من أن النباتات عضوية ونمت في ظروف مثالية لضمان احتفاظها بالخواص المفيدة”، هذا ويكثر في بلادنا استخدام هذه الزيوت في العلاجات لحالات متنوعة بين خفيفة وشديدة بسبب قدرتها على النفاذ داخل طبقات الجلد كما أن لها مفعول يقضي على الجراثيم والبكتيريا.

على الرغم من تطور عالم التجميل واكتشاف مواد تجميلية كيميائية بشكل مستمر، إلا أن بعض النساء ما زلن يستخدمن الزيوت الطبيعية لأغراض تجميلية، وهناك متاجر خاصة لبيعها في أماكن مختلفة من سوريا. يقول أبو عاصي إن هذه المواد هي “ليست فقط بديلاً للكيماويات بل يمكن اعتبارها أقوى وذات نتائج أكثر ديمومة”.

يتفاوت الإقبال على هذه المنتجات بحسب المنطقة والثقافة السائدة خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تروج لأساليب تجميلية مختلفة، يتابع أبو عاصي: “الإقبال على المنتجات بين الجيد والوسط لسبب بسيط هو أن وجود عدد كبير من الناس يقومون بمتابعة طرق التحضير على يوتيوب وتصنيع منتجات والترويج لها”.

في هذه الحالة يصبح من الضروري معرفة ما إذا كان “الشخص الذي يقدّم هذا المنتج لديه المعرفة الكافية بطريقة صناعته”. هناك بعض الخصائص الهامة التي تلعب دوراً في جودة المنتج حسب أبوعاصي إذ “من الضروري أن يُعرف مصدر الوردة الدمشقية مثلاً قبل تقطيرها، هل هي هجينة أم أنها من سلالة صافية؟ وهل استخدم السماد في التربة الخاصة بها؟”

بمعنى آخر؛ تلعب البيئة دوراً هاماً في عملية التقطير الطبيعي وانتاج الزيوت العطرية، إذ تشكل التربة والعوامل المناخية عاملاً مهماً في نجاح تقنية استخلاص الزيوت وجودة المنتج، إذ تعتبر درجات الحرارة ومعدل الضغط الجوي والرطوبة عوامل هامة في زيادة صلاحية النباتات للتقطير، كذلك تختلف المنتجات بحسب طبيعة التربة، فالمواد المستخلصة من نباتات تعيش في تربة غنية بالعناصر المغذية عن المواد المستخلصة من نباتات التربة الفقيرة، وبشكل عام تُعتبر المناطق الجبلية من أفضل الأماكن لاستخلاص الزيوت العطرية.

Scroll to Top