التغير المناخي يعيد رسم خريطة المطر في سوريا

بشار يوسف

مع دخول فصل الشتاء، عادت الأمطار إلى سماء سوريا، لكنها كانت عودة خجولة لا تشبه ما تختزنه ذاكرة البلاد، فالهطولات المطرية حتى الآن جاءت دون المعدلات الطبيعية في معظم المناطق، لتؤكد على أن الجفاف لم يعد حالة طارئة أو موسمية، بل واقعاً بنيوياً يتكرّر عاماً بعد عام في ظلّ تغيّرات مناخية متسارعة تضرب منطقة شرق المتوسط.

خلال النصف الأول من هذا الشهر، تأثّرت البلاد بمنخفضات جوية حملت معها أمطاراً متفرّقة تركّزت بشكل رئيسي في الساحل وأجزاء من الشمال الغربي، بينما بقيت المناطق الداخلية والشرقية تحت تأثير هطولات ضعيفة ومتقطّعة، لم تُحدث تغييراً ملموساً في واقع الموارد المائية أو التربة الزراعية، وعلى الرغم من الترحيب الشعبي بأيّ هطولات مطرية بعد أشهر طويلة من الجفاف، يشير الواقع إلى أن أمطار كانون الأول لم ترتقِ إلى مستوى التوقّعات أو الحاجات الفعلية، سواء من حيث الكمية أم الانتظام الزمني.

بحسب المتوسطات المناخية المعتمَدة تاريخياً، يُفترض أن تسجل سوريا في شهر كانون الأول معدّلات هطول تتراوح بين 50 و80 مليمتراً في المناطق الساحلية، وبين 30 و50 مليمتراً في المناطق الداخلية والمرتفعات، في حين تتراوح المعدّلات في الشرق والشمال الشرقي بين 25 و35 مليمتراً. غير أن البيانات المتوفّرة حتى منتصف الشهر الحالي تُظهر تراجعاً واضحاً عن هذه المعدّلات. ففي معظم المناطق الداخلية، لم تتجاوز كميّات الهطول 20 إلى 30 مليمتراً، بينما بقيت مناطق واسعة من الشرق والشمال الشرقي دون 20 مليمتراً، فيما سُجّلت في الساحل كميّات أفضل نسبياً، لكنّها ما تزال دون المعدّل العام.

عند مقارنة هذه الأرقام بالسنوات السابقة، تتضح الصورة أكثر؛ ففي كانون الأول من عامي 2018 و2020، اقتربت الهطولات من المعدّلات الطبيعية، وشكّلت قاعدة جيّدة للموسم الزراعي، أما هذا العام فقد تراجعت الكميّات المسجّلة بنسبة تتراوح بين 30% و45% في معظم المناطق، وهي نسبة تُعدّ كبيرة في بلد يعتمد بشكل أساسي على الأمطار في الزراعة، التي تُعتبر مصدر الدخل الرئيسي لعدد كبير من السكان.

بالنسبة إلى خبراء المناخ؛ هذا التراجع ليس خللاً عابراً في موسم واحد، بل يرونه كجزء من تحوّل مناخي أوسع تشهده منطقة شرق المتوسط، وذلك بالنظر إلى تغيّر أنماط الهطولات المطرية من حيث التوقيت، والشدّة، وعدد الأيام الممطرة. وفقاً لهذا النمط الجديد، باتت الأمطار أقلّ عدداً من حيث الأيام، أكثر تباعداً زمنياً، وأكثر حدّة في فترات قصيرة، وهذا ما يقلل من فاعليّتها البيئية، إذ أنّ التربة تحتاج إلى هطول منتظم ومتدرّج لامتصاص المياه، في حين تؤدّي الزخات الغزيرة القصيرة أحياناً إلى جريان سطحي دون تغذية حقيقية للمياه الجوفية، أي أنّ المشكلة لم تعد تقتصر على قلّة الأمطار وحسب، بل في تغيّر سلوكها أيضاً.

من الناحية البيئية، لم تُحدث أمطار كانون الأول حتى الآن تحسّناً ملموساً في منسوب الأنهار أو السدود، التي تعاني من عجز مائي متراكم نتيجة سنوات متتالية من الجفاف وسوء الإدارة والعمليات العسكرية، كما لم تنعكس الهطولات بشكل كافٍ على التربة الزراعية، التي ما زالت تعاني بدورها من جفاف عميق في طبقاتها السفلى. في شمال وشرق سوريا، حيث تعتمد زراعة القمح والشعير بشكل كبير على الأمطار، يتزايد قلق المزارعين من استمرار سلسلة المواسم الخاسرة، أما في المناطق الغربية، وعلى الرغم من تسجيل كميات أفضل نسبياً، فإن تباعد الهطولات يحدّ من قدرتها على تحسين رطوبة التربة بشكل مستدام.

تشير التوقعات الجوية إلى فرص أفضل نسبياً لهطول الأمطار خلال النصف الثاني من كانون الأول، خاصة في المناطق الساحلية والشمالية الغربية، مع إمكانية تسجيل كميات أعلى مقارنة ببداية الشهر. غير أنه لا ينبغي الإفراط في التفاؤل، فهذا التحسّن، حتى لو تحقّق، لن يكون كافياً لتعويض العجز المتراكم ما لم يستمرّ خلال شهري كانون الثاني وشباط على أقلّ تقدير.

خلاصة المشهد تقول إن سوريا تدخل شتاء 2025 بموسم مطريّ منقوص، في وقت يتغيّر فيه المناخ بوتيرة أسرع من قدرة الأرض على التكيّف، وأمطار كانون الأول، رغم أهميّتها، لن تلعب دور المنقذ في بلد يعتمد على المطر بوصفه شريان حياة، ومع نهاية كل موسم وبداية آخر، يتناقص الأمل في أن تكون كمية الأمطار الجديدة قادرة على إنقاذ ما أنهكه الجفاف.

Scroll to Top