لحلاح – خاص –
يُعرف التدخين بضرره على الصحة الجسدية بشكل رئيس، وتتركّز عمليات التوعية والمحاولات للحدّ من أضراره على هذا الجانب، وهو جانب مهم ّبكلّ تأكيد، لكنّ العالم يُغفل المضار الأخرى للتدخين، والتي لا يمكننا رؤيتها بشكل ظاهر، فبالإضفة لآصاره السلبية على الصحة والتي قد تسبب الموت للإنسان، يؤثّر التدخين على البيئة بأشكال متعددة، وهذا التأثير يطال الهواء والتربة والمياه بالإضافة لتأثيره على الكائنات الحية الأخرى، وفيما تغيب أي قوانين لضبط ظاهرة التدخين في سوريا وتحديد أماكن خاصة به لتقلل من انتشاره، أصبحت عادة التدخين إحدى العادات المنتشرة بكثرة وخاصة خلال سنوات الحرب، وبدأ الشباب في عمر صغير بإدمان السجائر، ما يترك أثراً سلبياً كبيراً على المجتمع والبيئة وصحة الأفراد على حدّ سواء.
إدمان التدخين
تنتشر ظاهرة التدخين بكثرة في مرحلة عمرية مبكرة، وتساهم أوساط الشباب بتناقل هذه العادة، في الوقت ذاته تزداد أساليب التسويق للسجائر لجذب المستهلكين مثل إضافة نكهات لتحقيق الأرباح، كما ظهرت مؤخراً السيجارة الالكترونية، والتي تشكل عامل جذب كبير للمراهقين، وقد أصبح الأطفال يستهلكون هذا النوع من السجائر بمعدلات أعلى من البالغين في العالم وفق ما نشرته منظمة الصحة العالمية في اليوم العالمي للامتناع عن التدخين عام 2025، حيث يبلغ عدد المدخنين في عمر 13 – 15 ما يقارب 37 مليون طفل في العالم، وتعتبر منطقة شرق المتوسط الأعلى في معدلات التدخين في العالم، فيما تتضاءل الفجوة بين أعداد النساء والرجال المدخنين، حيث بدأت تزداد أعداد النساء المدخّنات.
“جاد” شاب في السابعة والعشرين من العمر، بدأ التدخين بعمر 12 سنة، يتحدّث عن تجربته لمجلة لحلاح: “أشعر بأن التدخين ضرورة حياتية في سوريا، أصبحت هي الوسيلة الوحيدة للتخفيف من الضغوطات، أعلم أنها مضرّة صحياً، وهي تتعبني، لكنها تقدّم لي أكثر من الضرر”. يتحدّث جاد عن بداياته في التدخين عن طريق مجموعة من الشبّان الذي قاموا بتعليمه التدخين، ومن ثم ارتبط لديه هذا الفعل بإحساسه بذاته ورجولته ليصبح عادةً لا يمكنه التخلي عنها، يقول: ” لا أستطيع الإقلاع عن التدخين. أشعر بأنه عليّ ذلك من أجل صحتي الجسدية ولكني أحبّ هذا الفعل ولا أرغب بالتخلّي عنه”.
يمكننا إسقاط تجربة جاد على كثير من الشبان في المجتمع السوري، الذين يبدؤون بتعلم التدخين في عمر مبكر، ومن ثم تصبح جزءاً من شخصياتهم ولا يعود بإمكانهم التخلي عنها بسهولة، وعند سؤال جاد عن تأثير التدخين على البيئة علّق: “لا أعتقد أن الأمر يصل لهذه الدرجة ما أعرفه أن السجائر مضرة جسدياً فقط”.
مجلة لحلاح تحدثت مع المعالج النفسي، أنس الحلبي، عن التدخين وأسباب إدمانه، يقول: “الظاهرة منتشرة بشكل كبير، حيث يعاني المجتمع السوري من ضغوط، وكلما زاد الضغط يلجأ كل شخص للتكيّف مع هذا الضغط بطريقته الخاصة وحسب معرفته، فالمراهقون والأطفال هم الحلقة الأضعف، إذ يمتلكون استراتيجيات تأقلم أقلّ من غيرهم، لذلك يلجؤون للتقليد أو للحلول السهلة”.
يبيّن الحلبي أن الكثيرين يبدؤون بالتدخين نتيجة لذلك، فغالبية مراجعي عيادته يشيرون إلى ضغوطاتهم عند الحديث عن التدخين، وبعد تجريبهم للسجائر مرة تصبح متنفساً كلما شعروا بالضغط، ويذهب الحلبي أن هناك عدة أسباب لانتشار التدخين بين الشباب: “يرتبط التدخين بصورة اجتماعية جذّابة للمشاهير ونجوم السينما، فيما يعتبر الأصدقاء من عمر الشباب السيجارة بمثابة رابط ودليل على التمرّد والشعور بالقوة، بالإضافة لذلك يعتبر تراجع التعليم سبباً أيضاً، حيث يتّجه الأطفال والمراهقون للعمل، والوسط الاجتماعي لعمالة الأطفال يحتوي على انحرافات أوّلها التدخين”، ويعتبر الحلبي أن هذه الحالة تؤدي إلى تغيير في حالة الطفل أو المراهق حيث يعيش مرحلة عمرية أكبر منه وتزداد نسبة الإدمان كلما كان المدخّن أصغر سناً بالإضافة إلى حالة الوهم التي يعيشها، ظناً منه أن السجائر تجعله أفضل نفسياً.
لا تؤخذ أضرار التدخين بجدية وتغيب المعرفة المتعلقة بتأثيراته على المحيط، وقد ازداد عدد الشباب المدخنين في عمر صغير خلال سنوات الحرب بسبب غياب الرقابة في المدرسة والخلل الذي أصاب المنظومة التعليمية بالإضافة لانشغال الأهالي وضغوطات الحياة المعيشية وحالة التشتت التي عاشها المجتمع.
تأثير التدخين على البيئة
يبدأ تأُثير التدخين على البيئة من عملية زراعة التبغ، حيث تُزرع مادة التبغ في الغابات المطيرة، وتحتاج لمساحات واسعة لزراعتها ما يؤدي إلى إزالة الغابات للحصول على الإنتاج المطلوب من المادة، وبحسب “منظمة الصحة العالمية” تستخدم في زراعة مادة التبغ مُنظِّمات النمو الزراعي ومبيدات حشرية، ما يسبب مشاكل صحية بيئية، وهذا يؤثر على البيئة وامتداد الغابات، ويسبب تدهوراً في التربة وصعوبة زراعة المحاصيل.
كذلك تسبّب الغازات المنبعثة من التدخين تلوّث الهواء نتيجة لانبعاث مركبات تسبب السرطانات بالإضافة إلى غازات سامة ومواد تسبب الاحتباس الحراري، بالإضافة لذلك تحتوي نفايات التبغ على ما يقارب 7000 مادة سامة، كما تسبب النفايات الناتجة عن السجائر تأسن البيئة، علماً أنه ينتج عن استهلاك التبغ ما يقارب 60 مليون طن من النفايات سنوياً وتعتبر المواد المتسرّبة من أعقاب السجائر سامة للحياة المائية.
غياب القوانين
تُقدر نسبة المدخنين في سوريا ب 25% معظمهم من الرجال، حيث تصل نسية عند الرجال إلى 60%، بينما تقترب نسبة النساء من 23%. المؤسسة العامة للتبغ بيّنت في إحدى إحصائياتها أن المدخنين ينفقون 600 مليون دولار سنوياً، وكلّ مدخن ينفق 8% من دخله السنوي على السجائر في سوريا.
تتفاقم تأثيرات ظاهرة التدخين في الدول المتوسطة والمنخفضة الدخل ويعود ذلك بشكل أساسي إلى غياب القوانين التي يمكنها التخفيف من مضاره على الإنسان والبيئة، وتعتبر سوريا من الدول التي تنتشر فيها هذه الظاهرة بشكل كبير دون ضوابط أو محاولات لنشر الوعي بمخاطر ذلك.
في عام 2009 صدر عن الحكومة السورية في عهد النظام السابق مرسوماً يقضي بمنع التدخين في الأماكن العامة مع فرض غرامة مالية قدرها 2000 ليرة سورية لمن يخالف ذلك، فيما فرض القانون غرامات أكبر على المروّجين والمصنّعين، لتصل إلى 100 ألف ليرة أو السجن لثلاثة أشهر. المرسوم نصّ على منع التدخين في الأماكن العامة بما فيها صالات السينما والمراكز التعليمية ومراكز الصحة والصالات الرياضية، بالإضافة للغابات والمحميات الطبيعية، كما منع القانون بيع السجائر لمن هم دون الثامنة عشرة، بالإضافة لتخصيص أماكن للتدخين مع تهوية خاصة.
حظي القانون حينها بردود فعل مختلفة، حيث وجد فيه الكثير خطوة بالاتجاه الصحيح بما يخص هذه الظاهرة وتفشيها، ودخل القانون حيز التنفيذ عام 2010 إلا أن ذلك لم يستمر طويلاً، ومع اندلاع الحرب في سوريا طوي قانون منع التدخين، وبدأت الظاهرة تأخذ منحىً تصاعدياً في المجتمع السوري، وأدى غياب القانون إلى أضرار شديدة حيث تمتلئ المؤسسات الحكومية والأماكن العامة وحتى بعض الأماكن المخصصة للأطفال بمدخنين، ما يجعل جميع الأماكن العامة ملوّثة.