الإهمال يهدد حي حلكو في القامشلي

لحلاح – خاص

في أحد أحياء القامشلي الشعبية، وتحديداً في حي حلكو الواقع في الجزء الجنوبي الغربي من المدينة، تتفاقم مشكلة بيئية وصحية خطيرة، حيث تختلط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وتغرق الشوارع بالمياه السامة، ومع غياب أي استجابة رسمية، يدفع الأهالي فاتورة الإهمال على حساب صحتهم وسلامة أطفالهم.

الشتاء الفائت جلب معه فيضانات وسيول فغمرت البيوت المياه الملوثة، لتصل معاناة سكان الحي ذروتها خلال فصل الصيف بسبب تراكم النفايات وانتشار الحشرات الضارة والقوارض والكلاب الشاردة، وسط غياب شبه تام لأي خطة تدخل من قبل الجهات المسؤولة.

تروي “أم يوسف”، وهي سيدة أربعينية تسكن في الحي منذ أكثر من عشر سنوات، حادثة مؤلمة تعرّض لها ابنها البالغ من العمر 9 سنوات، فتقول: “كنا بنصيف على البلاط قدام البيت بسبب الحر والروائح الكريهة، وفجأة طلع جرذ كبير من تحت كوم نفايات وعض ابني من رجله”، وتضيف أم يوسف لمحلة لحلاح أنه بعد وصولهم إلى المشفى الوطني تبيّن أنهم لا يملكون اللقاح المناسب، ما اضطرها إلى أخذ ابنها إلى أحد المستشفيات الخاصة في المدينة، ودفعوا مبلغاً قدره 400 ألف ليرة لقاء اللقاح والأدوية، كل ذلك بسبب انتشار القوارض وانعدام النظافة. “الجرذان تدخل البيوت، والذباب يغطي صحون الطعام، والمياه الآسنة ريحتها خانقة”، توضح أم يوسف وتردف: “وعلى الرغم من أننا نغسل الطريق كل يوم على أمل تحسينه إلا أن لا شيء يتغير.. صرنا نعيش في خوف دائم، ولم نعد نعرف ما الذي يمكن أن يحدث لأطفالنا”.

يشتكي سكان الحي أيضاً من الكلاب الشاردة التي باتت تهاجم الأهالي، وخاصة الأطفال. يقول أبو رامي، أحد سكان الحي، إن الأطفال امتنعوا عن اللعب في الخارج بسبب وجود الكلاب الشاردة، ويتابع حديثه لمجلة لحلاح: “كل يوم في كلب شارد بالشارع، وكلب مريض، منين إجوا؟ من حوالين الجور الفنية يلي صرنا نعتمد عليها بدل المجاري اللي خربانة. بس الجور عم تفيض، والوضع عم يسوء، والبلديات ما عم ترد علينا”، ثم يضيف بحسرة: “أصبحنا نرش المياه في الشارع من أجل تخفيف الروائح، ونغلق النوافذ في كل الأوقات.. لا هوا نضيف ولا مي نضيفة، والولاد عم يمرضوا واحد ورا الثاني”.

الصيف في حي حلكو أصبح -كما يصفه الأهالي- فصل الخوف والرعب، إذ تنتشر الحشرات والروائح بشكل غير محتمل. يقول الشاب عمار: “بالشتا نغرق، وبالصيف نختنق.. الحشرات بكل مكان، وما في رش، ولا جمع قمامة منتظم، والجرذ صار بحجم قطة. الذباب صار يغطي الأكل، والصراصير تدخل المطبخ، وكأننا عايشين بساحة مكشوفة للوباء”، ويتابع عمار: “من كتر الجرذان، صرنا نسمع أصواتها بالليل، والحرارة العالية عم تزيد الطين بلة. الصيف صار كارثة، والمشكلة إنو ما في ولا جهة عم ترد، لا بلدية ولا مؤسسة نظافة”.

يؤكد سكان حي حلكو لمجلة لحلاح أن مشاكلهم بدأت منذ أكثر من عشر سنوات، ومع ذلك لم يتم اتخاذ أي إجراء لحلها بشكل جذري. يقول أحد وجهاء الحي: “تعبنا من الشكاوى.. لا صيانة للشبكات، ولا حلول بيئية، والناس تمرض، وأحياناً تموت بصمت.. لا خدمات، ولا رقابة، ولا اهتمام”، ويضيف: “كل صيف بنقول يمكن يصير شي، بس ما في تجاوب. والمشكلة إنو الحي عم يكبر وعدد السكان عم يزيد، بس الخدمات عم تتراجع”.

يطالب السكان الجهات المعنية بتوفير حلول فورية وفعّالة قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر؛ يطالبون بإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي بالكامل، التي تحوّلت إلى مصدر خطر بدلاً من وظيفتها الخدمية، وإطلاق حملات رش منتظمة لمكافحة الحشرات والجرذان، وجمع القمامة بشكل دوري، ومنع تراكمها في الشوارع وبين البيوت. كما يناشد الأهالي بضرورة توفير لقاحات الطوارئ كـلقاح داء الكلب، في المستشفيات العامة، لأن الجرذان والكلاب الشاردة أصبحت تهدد حياة الأطفال مباشرة، ويؤكد السكان على ضرورة وجود خطة إسعاف بيئية شاملة للمنطقة، تعالج المشكلة من جذورها، وتضمن بيئة صحية وسليمة.

ما يحدث في حي حلكو ليس مجرد خلل في البنية التحتية، بل كارثة بيئية وصحية تمس حياة الناس وأطفالهم يومياً. ومع غياب الاستجابة الفعلية، تتراكم المعاناة، وتكبر الفجوة بين السكان ومؤسساتهم الخدمية. إن التدخل العاجل صار ضرورة لا تحتمل التأجيل، قبل أن تتحوّل هذه الأحياء المنسيّة إلى بيئة موبوءة تخرج عن السيطرة.ّ

Scroll to Top