رؤى النايف –
لم تكن قصة العم أبو لوند من إحدى قرى المالكية/ديريك مجرّد ذكرى شخصية، بل مدخلاً لفهم التحوّل الكبير الذي مرّت به الجزيرة السورية خلال العقود الماضية. الرجل الذي تجاوز السابعة والسبعين، يتذكّر حين كان يسير خلف والده في الحقول ويتعلّم زراعة شتلات الأرز في التربة المغمورة بالمياه.
يقول وهو يحاول الإمساك بخيط تلك الأيام: “لم نكن نعرف لماذا مُنعنا من زراعة الأرز. فجأة تغيّر كل شيء، كان والدي يملك الأرض، ثم وجد نفسه مضطراً لاستئجارها من شخص آخر أعطته الدولة الملكية، بعدها صار مسموحاً لنا أن نزرع فقط القمح والقطن، ونبيع المحصول للجمعيات”.
هذه الحكاية ليست حالة فردية، بل فصل من كتاب طويل أعادت السياسات الزراعية كتابته دون استشارة أهل الأرض.
من قانون الإصلاح إلى سياسة الأمن الغذائي
حين أقرّ جمال عبد الناصر قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 بعد الوحدة بين سوريا ومصر، كان الهدف المعلن لذلك تحقيق العدالة بين الملاك والفلاحين، وتقليص الامتيازات الواسعة التي كان يتمتع بها الإقطاعيون، ومنح الفلاحين حقوقاً في الأرض تحسّن معيشتهم وتزيد الإنتاجية الزراعية. كان القانون يهدف أيضاً إلى إعادة توزيع الأراضي بشكل يضمن الإنتاج المحلي ويعزز استقلالية الفلاحين.
لكن ما جرى في محافظة الحسكة كان بعيداً عن تلك الأهداف، فبدلاً من توزيع الأراضي المصادَرة على مستحقيها، تم الاستيلاء على مساحات لا يشملها القانون أساساً، وجرى تجاهل حقوق عدد كبير من المالكين الأصليين بلا تعويض مناسب، ومع مرور السنوات، انتقلت ملكية مساحات واسعة إلى عائلات وشخصيات نافذة قدمت من خارج المنطقة، بينما بقي آلاف الفلاحين بلا أرض يستندون إليها، ليتحوّلوا تدريجياً من أصحاب إنتاج إلى عمّال موسميين.
هذا التحوّل شكّل بداية مرحلة جديدة من التراجع الزراعي، حيث لم تعد الأرض تدعم التنوّع الذي اعتادت عليه الجزيرة، بل أصبح إنتاجها محصوراً في محاصيل محددة مثل القمح والقطن، بسبب سياسات الدولة التي ركّزت على المحاصيل الأكثر ربحاً للخزينة المركزية، على حساب البيئة والمزارعين المحليين.
سياسة الأمن الغذائي التي اتبعها حافظ الأسد منذ الثمانينات قامت على السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب عبر دعم واسع للقطاع الزراعي وتوسيع الرقعة المروية، وإنشاء مشاريع ريّ وسدود كبيرة، إضافة إلى تسعير الدولة للمحاصيل واحتكار شراء القمح لضمان توفّر الخبز واستقرار السوق. أدّت هذه السياسة إلى زيادة الإنتاج في فترات معينة، لكنها اعتمدت بشدة على الإدارة المركزية والدعم الحكومي، مما حدّ من دور القطاع الخاص وقلّل من كفاءة التوزيع. كما أدّى التوسع في الزراعة المروية إلى استنزاف الموارد المائية وظهور مشكلات بيئية طويلة الأمد، بينما أدّت البنى الاقتصادية والسياسية المغلقة إلى ضعف قدرة النظام الزراعي على التكيّف مع الأزمات اللاحقة مثل الجفاف، ما جعل الأمن الغذائي هشّاً رغم نجاحات مرحلية حينها.
تراجع التنوع الزراعي ومنسوب المياه الجوفية
كانت الجزيرة السورية تاريخياً تعتمد على تنوّع واسع في المحاصيل: العدس، الشعير، السمسم، البقوليات، إضافة إلى الأشجار المثمرة في بعض الأرياف. هذا التنوّع بدأ يتراجع تدريجياً لصالح إنتاج القمح والقطن فقط، ما أثّر على خصوبة التربة واستنزف المياه الجوفية.
يقول خليل العلي، مزارع ستيني من ريف الدرباسية: “قبل سنوات طويلة كنا نزرع ما نريد ونبيع المحصول لمن نريد. الأرض كانت تعطي خيرها لأننا ننوّع محاصيلنا… لكن حين بدأت الدولة تفرض علينا ماذا نزرع وتحدد أسعار الشراء وطريقة التسويق، تغيّر كل شيء. صار الإنتاج أقلّ، وصارت خسارتنا أكبر”.
ويضيف: “تخيّلوا أننا اليوم نشتري الزيت والزيتون من محافظات أخرى، بينما كانت المعاصر في منطقتنا تعمل طوال الموسم بلا توقّف. حتى المواسم المروية تراجعت لأن الآبار جفّت أو أصبحت ضعيفة، وكل ذلك بسبب سياسة دفع الناس نحو زراعة القطن بكميّات لا تتحمّلها الأرض”.
كذلك، وتزامناً مع موجة الجفاف، تراجع منسوب المياه الجوفية في أجزاء واسعة من الجزيرة السورية، ما حوّل الزراعة المروية من مصدر رزق ثابت إلى عبء يرهق المزارعين. الآبار التي كانت تكفي حاجة القرى سابقاً لم تعد قادرة اليوم على تغذية بضعة حقول، خاصة مع غياب مشاريع إدارة المياه وانعدام خطط تنظيم السحب من الخزانات الجوفية.
في ناحية تل حميس، يقدّم المزارع عبد السلام الحمد صورة واضحة عن حجم التدهور: “منسوب الماء هبط أكثر من ثلاثين متراً خلال حياتي. البئر التي كانت تكفينا صارت تحتاج إلى مضخات أقوى ومازوت أكثر مما يستحق المحصول نفسه. كثير من الناس ترك الزراعة لأن الأرض لم تعد تعطي شيئاً، وكل شيء صار خسارة فوق خسارة”.
من سلة غذاء سوريا إلى سوق للاستيراد
لسنوات طويلة، كانت الجزيرة السورية تُعرف بأنها القلب الزراعي للبلاد. أسواق القامشلي وعامودا والحسكة كانت تعجّ بزيت الزيتون المحلي، وخضروات الريف، ومحاصيل البقول التي اشتهرت بها المنطقة، وكانت القرى تعتمد في غذائها على ما تنتجه أراضيها بشكل شبه كامل.
اليوم تغيّر المشهد، فالزيت يأتي من الساحل، والأرز من حمص، والخضار من الجنوب. إنتاج البقول، رمز هوية الجزيرة الزراعية، بات محدوداً أو شبه غائب. وهكذا وجد سكان الجزيرة أنفسهم يشترون ما كانوا يصنعونه بأيديهم، بينما تتراجع الزراعة عاماً بعد عام.
ما تزال السياسات الزراعية الحالية تعتمد على شراء المحاصيل بأسعار لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، مع تحميل المزارعين وحدهم أعباء الوقود والأسمدة والمياه. لا يوجد دعم حقيقي لإعادة زراعة المحاصيل التقليدية، ولا مشاريع مائية تساعد القرى على التكيّف مع تغيّر المناخ، ما جعل الزراعة مشروعاً خاسراً، وحوّل القرى تدريجياً إلى مناطق طاردة للسكان.
في جنوب الحسكة، بدأت مظاهر التصحّر بالظهور بوضوح: الحقول غير المزروعة عرضة للحرائق، المراعي الطبيعية تراجعت، وعدد الأغنام انخفض بسبب نقص الغطاء النباتي. التأثير لم يقتصر على البيئة، بل طال المجتمع أيضاً، إذ غادر العديد من شباب الريف أراضيهم بحثاً عن فرص عمل في المدن.
ما حلّ بالجزيرة السورية لم يكن قدراً، بل نتيجة سياسات تجاهلت البيئة والتاريخ المحلي، وأجبرت الأرض على أن تكون شيئاً آخر غير ما اعتادت عليه. ومع ذلك، يمكن استعادة التوازن إذا تمت إدارة الموارد بشكل عادل، ومُنح الفلاحون دورهم الطبيعي، وحُميت خصوبة الأرض، فالجزيرة التي كانت يوماً سلة غذاء سوريا ما تزال قادرة على استعادة مكانتها إذا أُعيدت إليها علاقتها الأصيلة: علاقة الأرض بالإنسان الذي يعرفها ويحميها.



