رؤى النايف
تواجه الجغرافيا الممتدة من القامشلي إلى المالكية (ديريك) مروراً ببلدات الجوادية والقحطانية وسدَّي معشوق وسفان، أزمة جفاف هي الأكثر قسوة منذ عقود، ولم يعد التحدي مقتصراً على ندرة المطر، بل تفاقم ليصل إلى استنزاف بنيوي في المخزون الإستراتيجي، وفي ظلّ هذا المشهد القاتم، لا تُعدّ الثلوج مجرّد حالة مناخية عابرة، بل هي “صمام أمان” هيدرولوجي قادر على ترميم التصدّعات المائية في الأنهار والطبقات الجوفية التي أُنهكت بفعل التغيّر المناخي والنشاط البشري الجائر.
الثلج كآلية إنقاذ للينابيع
تتفوّق الثلوج على الأمطار في قدرتها على “إعادة شحن” الينابيع الناشفة بفضل خاصيّة الذوبان التدريجي، فالأحواض المائية في ريف القامشلي والمالكية تعاني من “عدم نفاذية” لحظية عند سقوط الأمطار الغزيرة التي تتحوّل لسيول جارفة تضيع سدى.
في المقابل، يعمل الغطاء الثلجي كخزّان سطحي يذوب ببطء شديد، مما يمنح المياه الوقت الكافي للتغلغل عبر الشقوق الصخرية والمسامات التربوية لتدخل في جوف الأرض. هذا العمل الهادئ هو الوحيد الكفيل برفع “الضغط الهيدروليكي” داخل الحوامل المائية، ما يؤدي بالضرورة إلى عودة تدفّق الينابيع التاريخية التي توقّفت عن العطاء نتيجة انخفاض مناسيبها الجوفية.
واقع السدود وشبح الجفاف
قبل وصول التأثير المباشر لذوبان الثلوج، سجلت السدود في المنطقة (بحسب بيانات شتاء 2025) أرقاماً تعكس حالة “الإفلاس المائي”، إذ تظهر إحصائيات مكتب الموارد المائية فجوة هائلة بين المخزون الحالي والقدرة الاستيعابية.
سد السفان والمنصورة: سجلا مخزوناً بلغ 12 و8 مليون م³ على التوالي من أصل قدرات تتجاوز 48 و32 مليون م³، ما يعني تعطّل مساحات ريّ شاسعة، في حين أن سدي الحاكمية والجراحي، ورغم صمودهما النسبي، إلا أنهما لم يصلا إلى نصف طاقتهما التشغيلية، حيث سجل الجراحي 8.8 مليون م³ من أصل 20 مليون م³، كما وصل سد الجوادية (جل آغا) إلى مرحلة حرجة جداً بمخزون 0.5 مليون م³ فقط، بينما يصارع سد معشوق وباب الحديد للبقاء فوق مستويات الجفاف الميت بمخازين لم تتجاوز 0.69 و1.9 مليون م³.

هذه الأرقام تؤكّد أنّ السدود كانت بحاجة ماسّة لمصدر تغذية مستدام وطويل الأمد لا توفّره إلا الثلوج. يحلل المهندس رامي محمد المضحي الوضع المائي لمجلة لحلاح من ناحية تقنية، موضحاً أن السدود في تربسبيه ومزكفت وجل آغا تعتمد بشكل عضوي على مياه الأمطار التي تراجعت كمياتها وزادت معدلات تبخّرها بفعل الاحترار، ويؤكد أن الثلوج هي “المغذّي المثالي” لهذه السدود؛ لأن مياه الذوبان تمتاز بصفاء عالٍ ونسبة عكورة منخفضة، ما يقلل من تراكم الطمي داخل جسم السد ويحافظ على عمره التصميمي، بالإضافة إلى ضمان تدفق مستقرّ للأودية المغذية لفترات زمنية تمتد إلى بداية الصيف، ما يوفّر شريان حياة للمزارعين في القحطانية ومعشوق.
استنزاف المخزون الجوفي وأزمة الآبار السطحية
شهد الريف الشمالي للقحطانية والقامشلي هبوطاً حاداً في مستوى المياه الجوفية نتيجة الحفر العشوائي الكثيف. الآبار التي يتراوح عمقها بين 30 و40 متراً أصبحت “خارج الخدمة” أو تراجع إنتاجها إلى مستويات غير اقتصادية (إنش أو إنشين). هنا يبرز دور الثلوج في تحسين “المنسوب السطحي”؛ فمياه الثلج المنصهرة تعمل على رفع سوية المياه في الطبقات القريبة من السطح، ما يسهم في إعادة الروح للآبار المنزلية والزراعية الصغيرة التي جفّت تماماً خلال السنوات السابقة.

لا يقتصر أثر الثلوج على الجانب الكمّي للمياه، بل يمتدّ للأثر النوعي والبيئي، فالبرودة الشديدة المرافقة للغطاء الثلجي تعمل كـ “مبيد طبيعي” يقضي على يرقات الحشرات الضارة، مثل سوسة القمح وآفة السونة، التي تفتك بالمحاصيل في “سلة غذاء سوريا”. علاوةً على ذلك، تعمل مياه الثلوج النقية على غسل التربة من الأملاح المتراكمة نتيجة الاعتماد الطويل على مياه الآبار الارتوازية المالحة، ما يساعد في إعادة الحيوية للأرض ويزيد من كفاءة الإنتاج الزراعي في الموسم التالي.
بات من الضروري إنشاء “منظومات حصاد مياه الثلوج” في الوديان المنحدرة نحو السدود، لضمان عدم ضياع أي قطرة ناتجة عن الذوبان، وتحويل هذه الهبة المناخية إلى مخزون استراتيجي يحمي المنطقة من تقلبات المناخ القادمة، ويضيف المضحي: “الثلوج في الجزيرة السورية هي العملة الصعبة في اقتصاد المياه؛ فهي القادرة على إنقاذ سد الجوادية من الجفاف التام وإعادة الحياة لينابيع المالكية والقامشلي”، لكنّ نجاح هذه العملية يتوقّف على قدرة الجهات المختصة والمجتمع المحلي على حماية هذا الرصيد الأبيض من الاستنزاف العشوائي، وتحويله إلى استدامة حقيقية للأجيال القادمة.



