أين تقف سوريا من الاتفاقيات البيئية التي تلتزم بها؟

ليلى جروج

تتجاوز قضية التغيّر المناخي الحدود، إذ لا تقتصر آثارها على مكان محدد، لذا تعدّ الاتفاقيات الدولية ميثاقاً تتشارك فيه كلّ الأطراف وتتعهّد مساهماتها بضمان تطبيق بنود الاتفاقيات بما يضمن استمرار الجهود الدولية للحدّ من آثار التغيّر المناخي أو تطوير طرق للتعامل معه، وعلى الرغم من أن التغيّر المناخي هو الغطاء الواسع لمعظم القضايا المناخية التي نعيشها اليوم، إلا أن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تخصّ بعض القضايا المحددة، مثل الاتفاقيات المرتبطة بالتصحّر والمواد الكيميائية وغيرها.

يظهر اسم سوريا كأحد الدول الموقّعة على بعض المعاهدات والوثائق المناخية، لعل أبرزها اتفاق باريس عام 2017، وقبلها اتفاق بروكسل، إلا أن هذه الاتفاقيات ليست الوحيدة. فما هي أبرز الاتفاقيات البيئية التي وقّعت عليها سوريا؟ وعلى ماذا تنصّ؟ وهل تلتزم بها فعلاً؟

 تبنت 197 دولة اتفاق باريس في مؤتمر COP21 في باريس عام 2015، بهدف الحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراريّ العالمية، والحدّ من زيادة درجة الحرارة العالمية في هذا القرن إلى درجتين مئويتين مع السعي إلى الحد من الزيادة إلى 1.5 درجة. يتضمّن الاتفاق التزامات من جميع الدول لخفض انبعاثاتها، ويدعو الدول إلى تعزيز التزاماتها بمرور الوقت، كما يوفّر طريقاً للدول المتقدّمة لمساعدة الدول النامية في جهود التخفيف من حدة المناخ والتكيف معها.

انضمّت سوريا إلى اتفاقية باريس للمناخ عام 2017م بموافقة مجلس الشعب السوري على القانون رقم /30/ لعام 2017، والذي يتضمّن في مادته الأولى على مصادقة سوريا على الانضمام إلى اتفاق باريس الخاص بتغيّر المناخ، في حين تنصّ المادة الثانية من القانون على أن انضمام سوريا إلى هذه الاتفاقية لا يعني في كل الأحوال الاعتراف بإسرائيل أو الدخول معها في أي مسألة تتعلق بأحكام هذه الاتفاقية.

على الرغم من أن الحرب قد خففت من نسبة الانبعاثات في سوريا بسبب توّقّف معظم المنشآت الصناعية عن العمل في المحافظات السورية، إلا أن هذا الأمر لا يلغي خطورة الوضع اليوم في بلد أنهكته الحرب، خصوصاً مع وضع خطط جديدة لإعادة الإعمار، وما يرافقها من عمليات حفر ونقل للأنقاض من جهة، وضرورة دراسة خطط بيئية للبناء تتناسب مع ما يفرضه الواقع المناخي الجديد.

يُعدّ صندوق المناخ الأخضر أكبر صندوق تمويل مناخي في العالم، ويهدف إلى مساعدة الدول النامية في التكيُّف المناخيّ والتخفيف من آثار تغيُّر المناخ. وهو صندوق عالمي يساعد في الاستجابة لتغيّر المناخ والمساهمة في جهود الدول من خلال دعم مشاريع وبرامج منخفضة الانبعاثات ومقاومة للمناخ سواء كانت في القطاع العام أم الخاص.

تأسّس الصندوق خلال الدورة السادسة عشر من مؤتمر الأطراف (COP) في عام 2010، وهو جزء من الآلية المالية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، وذلك بموجب اتفاقيات كانكون التي تدعم جهود الحد أو التقليل من انبعاثات الغازات الدفيئة في الدول النامية، بهدف مساعدة المجتمعات الضعيفة على التكيّف مع آثار تغيّر المناخ.

يدعم الصندوق سوريا من خلال مجموعة من المشاريع، كان آخرها بالشراكة مع كل من اليونيسيف وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية نهاية شهر آذار عام 2025، والهدف منه بحسب الموقع الرسمي للصندوق هو تعزيز قدرة قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية على تحديد آثار تغيّر المناخ ومعالجتها من خلال زيادة فهم المخاطر والآثار، وتعزيز قدرات الجهات المعنية، وتفعيل المشاركة والتنسيق، وتعبئة التمويل المناخي لقطاع المياه والصرف الصحي والنظافة.

من جهتها أشارت وزارة الإدارة المحلية والبيئة إلى وجود مباحثات حول تعزيز التعاون مع الصندوق لتمويل مشاريع “بيئية مستدامة” ضمن خطط إعادة الإعمار، عبر اجتماع افتراضيّ بحسب الموقع الرسمي للوزارة.

تشير نتائج البحث عن اسم سوريا ضمن موقع الصندوق الأخضر إلى شراكات تعود إلى عام 2019، تدعم تأسيس لجنة وطنيّة يندرج ضمن نشاطاتها تقييم الوضع المناخي في سوريا، وتحديد البرامج التي ستُدرج ضمن ما يسمى بالبرنامج القطري لسوريا، والذي سيعمل بدوره على إرشاد الحكومة السورية إلى تبنّي خيارات وتدابير استثمارية مستدامة وفعّالة من حيث التكلفة للتكيّف، والتخفيف من آثار تغيّر المناخ، والاستعداد لتنفيذ مشاريع استثمارية مناخية أكبر.

كما يشير الموقع إلى تقديم مساعدات مختلفة إلى الحكومة السورية السابقة، خلال الأعوام الممتدة من 2019 وحتى 2024، بهدف الوفاء بالتزاماتها وتعهّداتها حول الحدّ من آثار التغيّر المناخي، واستمراره بتقديم الدعم للحكومة الانتقالية الحالية، وهو ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة المشاريع المُنفّذة بموجب هذه المنح والاتفاقيات، والأماكن المُستهدفة، والفائدة المُحققة على الأرض، ويثير تساؤلات حول اعتماد الغسيل الأخضر في سوريا كطريقة لاستقدام المشاريع ذات الطابع البيئي بهدف الحصول على تمويل ضخم، تقتصر نتائجه على العرض بتوزيع الحصص (المعونات) الصحيّة، وتعليم الأطفال قواعد غسل اليدين!

تسعى الاتفاقية بحسب مؤتمر المفوضين المعني باتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق إلى حماية صحة الإنسان والبيئة من الانبعاثات والإطلاقات البشرية المنشأ للزئبق ومركّبات الزئبق، حيث يؤكد الكتاب الذي نُشر من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الأطراف في هذه الاتفاقية تقرّ بأن الزئبق مادة كيميائية تثير انشغالاً عالمياً بسبب انتقالها بعيد المدى في الجو، وثباتها في البيئة بمجرّد دخولها إليها بوسائط بشرية المنشأ، وقدرتها على التراكم بيئياً في النظم الإيكولوجية، وآثارها السلبية الكبيرة على صحة الإنسان والبيئة.

صادقت سوريا على الانضمام إلى اتفاقية ميناماتا  عام 2014 بموجب المرسوم التشريعي رقم 38 للعام المذكور. حديثاً؛ شاركت سوريا نهاية عام 2025 في أعمال الاجتماع السادس لمؤتمر الأطراف للاتفاقية، في مدينة جنيف في سويسرا، وأشار موقع وزارة الإدارة المحلية والبيئة إلى أن المؤتمر سيبحث مجموعة من النقاط أبرزها قضايا تتعلق بالحدّ من التجارة غير المشروعة للزئبق، ومراجعة التقدّم المُحرَز في تقليل انبعاثاته الناتجة عن التعدين الحرفي للذهب، بالإضافة إلى تقييم تنفيذ الحظر المفروض على منتجات تفتيح البشرة التي تحتوي على الزئبق.

على الأرض في سوريا تنتشر صفحات ومجموعات عامّة على منصة “فيسبوك” تروّج إلى استخراج الزئبق الأحمر من سوريا وبيعه بهدف التجارة سريعة الربح، كما تروّج لبيع آلات تُستخدم لهذا الغرض، بدورها أحبطت مديرية الأمن الداخلي في طرطوس مؤخراً محاولة تهريب شحنة من مادتي “سمّ العقرب” و الزنجبار (كبريتيد الزئبق) بحسب مواقع إخبارية.

بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة يشكّل الزئبق تهديداً على صحة الإنسان عند التعرّض لكميات كبيرة منه، والتي قد تؤدي إلى آثار صحية عصبية خطيرة. ويمكن أن تشمل الأعراض الارتجاف، والأرق، وفقدان الذاكرة، والصداع، وضعف العضلات، وفي الحالات القصوى، الوفاة. ويبقى السؤال معلقاً حول آليات الحدّ من سعي الناس في سوريا إلى هذا النوع من التجارة، في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة الحاليّة، وتعلّقهم بتجارة أقرب إلى الوهم، تعرّضهم للاستغلال الذي قد يودي بحياتهم.

توافقت مجموعة من الدول على ضرورة معالجة قضايا التنمية والبيئة في البحر المتوسط  بشكل جماعي لبناء مستقبل مستدام للبحر الأبيض المتوسط من خلال التوقيع على ما يُعرف اليوم باتفاقية برشلونة، التي دخلت حيّز التنفيذ عام 1978، بعد أن وُقعّت بعامين. عُدّلت الاتفاقية عام 1995 لتحمل اسم حماية البيئة البحرية والمنطقة الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، ودخلت التعديلات المُدخلة حيز النفاذ في عام 2004.

تعتبر اتفاقية برشلونة وبروتوكولاتها، والمراكز والخطط التي انبثقت عنها، أحد أهم الاتفاقيات المناخية لأنها تعتبر قانوناً يُلزم تطبيقه في منطقة البحر المتوسط، حيث تتبع الاتفاقية سبعة بروتوكولات تتعاون الدول الأطراف في صياغتها واعتمادها.

يحظر “بروتوكول الإلقاء” جميع أنشطة إلقاء النفايات باستثناء النفايات أو المواد الأخرى المدرجة أسماؤها في البروتوكول، وهي: المواد المجروفة، ونفايات الأسماك، والسفن، والمنصات، والمواد الجيولوجية غير الملوثة الخاملة، بينما يتضمن “بروتوكول الوقاية وحالات الطوارئ” إطاراً إقليمياً للتعاون الدولي، والمساعدة المتبادلة في التأهب لحوادث التلوث الناجمة عن النفط، والمواد الخطرة والضارة والتصدي لها، عدا عن البروتوكولات التي تخص مصادر التلوث البرية، والمناطق المتمتعة بحمایة خاصة والتنوع البيولوجي، النفايات الخطرة، و الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، والبروتوكول البحري.

 انضمت سوريا إلى الاتفاق عام 2009، وتم تعليق عضويتها عام 2011 بعد اندلاع الثورة السورية، وقد أدى الانضمام المتأخر، وتعليق العضوية إلى عدم استفادتها على الإطلاق من هذه الاتفاقية التي تُعد أهم اتفاقية بيئية في منطقة البحر الأبيض المتوّسط.

تضاف إلى الاتفاقيات السابقة، مجموعة كبيرة من الاتفاقيات الهامة التي صادقت سوريا عليها، مثل اتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة التي تهدف إلى حماية الصحة البشرية والبيئة من الملوثات العضوية الثابتة، أي المواد الكيميائية شديدة السمية التي تقاوم التحلل، وتتراكم أحيائياً وتنتقل عن طريق الهواء والماء والأنواع المهاجرة، عبر الحدود الدولية، واتفاقية روتردام المتعلقة بتطبيق إجراءات الموافقة المسبقة عن علم على مبيدات كيميائية ومبيدات آفات معينة متداولة في التجارة الدولية ، حيث تهدف الاتفاقية إلى التشجيع في المسؤولية وفي الجهود التعاونية فيما بين الأطراف في الاتجار الدولي بمواد كيميائية خطرة معينة بغية حماية صحة البشر والبيئة.

كما صادقت سوريا على اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، عام 1975، وهي طرف بما يزيد عن 30 اتفاقية متنوعة، من التنوع الحيويّ، إلى المناخ والبيئة، وصولاً إلى الاتفاقيات الكيميائية وسلامة التعامل مع المواد الخطرة ومخلفاتها!

لكن يظلّ السؤال حول نتائج هذه الاتفاقيات على أرض الواقع، وانعكاسها على حياة الشعب السوري الذي تعرّض للقصف المباشر بالأسلحة الكيميائية، التي انضمت  سوريا  إلى اتفاقية حظر التعامل بها عام 2013، لتعُلّق عضويتها عام 2021، بعد قصف  النظام السابق كل من اللطامنة عام 2017، وسراقب عام 2018، بغازي السارين والكلور، أي بعد أعوام من مصادقتها على الانضمام إلى الاتفاقية، وبعد جولات من تدمير ما تملكه سوريا من سلاح كيميائيّ، عقب تكرار عمليات قصف المدنيين من قبل نظام الأسد باستخدام هذه الأسلحة، ما يشكّل دوامة من التواقيع، والخروقات، والاتفاقيات، التي تتركنا عاجزين أمام الإجابة عن مدى التزام سوريا بما تبقى من اتفاقيات صادقت عليها وانضمّت إليها، فهل يكفي أن تكون سوريا ٠الخارجة من الحرب- طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للمناخ؟!

Scroll to Top