أزمة سوريا البيئية هي كعبها الأخيل

مادة مترجمة- زينب شكر – ترجمة نور البرزاوي –

زينب شكر زميلة في سنشري إنترناشونال وأستاذة مساعدة في علم الاجتماع بجامعة سام هيوستن الحكومية في ولاية تكساس.

هذا النص ترجمة كاملة لمقال بعنوان “Syria’s Environmental Crisis Is Its Achilles Heel” المنشور في موقع Century International في 16 حزيران 2025. 

لطالما اعتبر السوريون ثرواتهم البيئية أقرب إلى روح بلادهم. ورغم صعوبة تخيل الأمر الآن، إلا أن قبيل قرن واحد كان نهر الفرات غير المسدود يفيض سنويّاً غذاءً للتراب، وكانت الحيوانات المفترسة كالنمر الفارسي المنقرض تجوب الغابات الواسعة بين السرو والصنوبر في جبال الساحل. حتى أن الشاعر السوري المعروف نزار قباني يقول واصفاً مدينته دمشق: ”والماء يبدأ من دمشق .. فحيثما أسندت رأسك جدول ينسابُ“

أما اليوم، وبعد عقود من الحكم السلطوي وأربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية، فقد غدا كثير من الأنهار جداول ضامرة أو ملوثة، وتعرّت الغابات، وتهددت بالخطر المزارع، وتكاد القوانين البيئية أن تكون معدومة.

هذه ليست مجرد أزمة جمالية. فالكارثة البيئية في سوريا تهدد مباشرة اقتصادها واستقرارها، وقد تكون سبب انهيارها. فسوء إدارة الزراعة والجفاف كانا من بين العوامل التي مهّدت الطريق للحرب الأهلية (رغم أن حجم دور الجفاف يبقى محض جدل)، واليوم تبدو البلاد أقل استعدادًا لمواجهة الكوارث البيئية مما كانت عليه قبل خمسة عشر عامًا. ومع ذلك، لا يزال صانعو السياسات يتعاملون مع القضايا البيئية كترفٍ مؤجل، يبقى النظر فيه، إن تحقق، في أسفل قائمة الأمور التي تحتاج حلاً.

لكن البيئة السورية لا تستطيع الانتظار في القائمة ريثما تحل مشاكل البلد الأخرى . والأدهى أنّ الكارثة البيئية المرتقبة متشابكة بعمق مع بقية أزمات البلاد. لذا فإن على صانعي القرار—وفي مقدمتهم الحكومة السورية الجديدة والمجتمع الدولي—أن يجعلوا السياسة البيئية في سوريا أولوية قصوى، وإلا خاطروا بدفع البلاد مجددًا نحو الفوضى.

حين اندفعت مجموعة المتمردين بقيادة أحمد الشرع جنوباً عبر سوريا في كانون الأول 2024 لتحرير البلاد أخيراً من نظام بشار الأسد—والذي أصبح الشرع اليوم رئيسًا لها—واجهوا أمةً منهكة على أكثر من صعيد.

فالاقتصاد منهار: نحو 90 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وقرابة 12.9 مليون سوري، بينهم أطفال، يعانون مستويات مقلقة من الجوع وسوء التغذية، بينما الملايين من النازحين داخل البلاد وخارجها عاجزون عن تلبية أبسط الاحتياجات مثل مياه الشرب والكهرباء. الأمر نفسه ينطبق على مؤسسات الدولة وبُناها التحتية.

لكن معاناة سوريا أعمق من ذلك: فقد خلّفت الحرب وسوء الإدارة السلطوية ندوبًا عميقة في الأرض نفسها. فقد اختفى ثلث غابات البلاد منذ عام 2011، نتيجة القطع الجائر للتدفئة، وحرائق الغابات المدمرة، والقصف العنيف. وتفاقم تلوث الهواء خلال الحرب رغم انهيار قطاع الطاقة، فيما لوّثت حرائق النفط الأراضي الزراعية والمراعي.

المياه في حالة أكثر مأساوية. فقد تضرر ثلثا منشآت المياه خلال الحرب، وبذلك، ومع تفاقم التغير المناخي في المنطقة، بات السكان أكثر عرضة لنزاعات جديدة ونزوح، خصوصًا في الأرياف المعتمدة على الزراعة (النظام السابق استهدف البنية التحتية للمياه لمعاقبة المعارضة). أما الفرات—سلة غذاء سوريا وشريان حياتها في الشمال الشرقي—فقد خنقه تغيّر المناخ والاستغلال المنبعي لمياهه، إذ انخفضت التدفقات إلى نصف معدلاتها التاريخية. وتشير الدراسات إلى أن الفاقد التراكمي للمياه حتى عام 2022 بسبب المناخ والدمار المرتبط بالحرب بلغ 2.2 مليار متر مكعب—ما يكفي لتغطية 7 آلاف كيلومتر مربع بقدم من المياه. والنتيجة أتت متمثلة بخسارة مساحات زراعية، نقص حاد في المياه، وحتى تفشّي الكوليرا. هذا الواقع أجبر المزارعين على النزوح إلى المدن الكبرى مثل دمشق، ما فاقم الأزمة الاقتصادية وزاد التنافس على الموارد والوظائف.

تواجه الحكومة السورية الحالية مشكلتين أساسيتين في التعاطي مع المسائل البيئة: ضعف قدرة الدولة على مواجهة التغير المناخي والتهديدات البيئية، وتهميش هذه القضايا لصالح ما يُعدّ ”أكثر إلحاحًا“.  وقد واجهت دول أخرى في فترات انتقالية أزمات مشابهة. فالعراق مثلًا عانى أزمة مزدوجة متمثلة بعجز وإحجام السلطة عن مواجهة الأزمة البيئية، ما دمّر النظم البيئية وولّد أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية.

وفي سوريا، كما في العراق، فإن مواجهة القضايا البيئية وتخفيف التدهور البيئي لبناء مرونة بيئية واستجابة مناخية  يتطلب تقوية قدرة الدولة. وهذه القدرة تنبع من إمكانية وضع وفرض أهداف عامة ومحددة. كل ذلك يتطلب إقامة سلطة قوية موحّدة مع شفافية في تسلسل القيادة وتمركز القوة. . فمن دون هذه الدولة، ستواجه أي سياسة بيئية مقاومة من قوى سياسية واقتصادية متضررة، ومن مجتمعات ترى أن أنماط حياتها مهددة، ومن جيران يتقاسمون الموارد مع سوريا مثل المياه. كما أن هذه القدرة ضرورية لبناء البنية التحتية، وضمان استمرارية السياسات بين الحكومات، وتحقيق التنسيق الفعّال بين الوزارات لإنجاز الأهداف الإجمالية.

لكن التحديات أمام سوريا هائلة: فأربع وخمسين عاماً من حكم عائلة الأسد دمّرت وحدة البلاد سياسيًا وجغرافيًا. ورغم سيطرة مجموعة الشرع (هيئة تحرير الشام سابقًا) على الحكم، لا تزال مناطق عدة بيد فصائل متنافسة. وحتى الآن، يبقى الصراع بين القوى المختلفة هو القاعدة لا الاستثناء.

ورغم محاولات حكومة الشرع إظهار القوة والوحدة وكسب الشرعية محليًا ودوليًا—برغم ماضيه المرتبط بالقاعدة—إلا أن مشروع الدولة القوية لا يزال بعيدًا وصعب المنال، والوقائع على الأرض تشير إلى دولة محدودة القدرة والسيطرة.

إن ضعف قدرة الدولة يثير سؤال الأولويات بالنسبة للقضايا البيئية. لكن تجربة العراق تُظهر أن المسائل البيئة وقدرة الدولة مترابطتان ولا يمكن فصلهما. فبعد سقوط صدام عام 2003، انشغلت الحكومة بما اعتبره صناع القرار تحديات مباشرة ومخاطر تهدد بقاء الدولة. هذه الصعوبات تمثلت ببناء الدولة والحكومة، وإدارة الصراعات الداخلية بين الأطراف المتنافسة، وملاحقة رموز النظام السابق، ثم مواجهة تنظيم الدولة وتبعاتها لاحقاً. وقد جرى التعامل مع هذه القضايا على أنها أكثر أهمية للنظام الهش من قضايا الحماية البيئية والاستجابة المناخية التي اعتبرت بدورها ترفاً بدلاً من النظر لها كمسائل وجودية. 

لكن الخراب البيئي في العراق اليوم يلتحق بالبلاد بينما تكاد أن تكون قد حققت شيئاً من الاستقرار. الجفاف الشديد و موجات الحر القاتلة والنزاعات حول حقوق المياه، كلها مشاكل محتملة تدور حول نزاعات كبرى، و أي منها يتربص طريق تقدم العراق كما الألغام. وكما أن قدرة الدولة معطى أولي للنجاح في مسائل البيئة، فإن بيئة مأزومة بدورها تقوّض قدرة الدولة. 

الحكومة السورية تواجه سيناريو مشابهًا. فالتحديات كثيرة من تنافس القوى محلية وإقليمية ودولية على النفوذ في ظل هشاشة هيكل السلطة الناشئ، إلى مسألة شرعية النظام الجديد وملاحقة أعضاء النظام السابق، علاوة على تجارة المخدرات وخطر انتشار إدمان الكبتاغون و التعدي على الأقليات والأزمة الاقتصادية المتفاقمة. ورغم خبرة الشرع ومجموعة المتمردين السابقين التابعين له في إدارة إدلب لسنوات، فإن حكم سوريا بتنوعها وتعقيدها مسألة ليست باليسيرة.

في ظل هذه التحديات المباشرة، يحتمل أن يتم التعاطي مع البيئة كقضية ثانوية. وبالنظر إلى الوزارات التي شكلها النظام الجديد، تغيب وزارة البيئة بشكل لافت. بل أن الحكومة تتوقع أن توكل مهام المسائل البيئية لوزارة الطوارئ والكوارث ووزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، في إشارة إلى اعتبار تفاعلات البيئة في خانة إدارة الأزمات والتعافي. لكن الاستجابة البيئية هي قضية بعيدة المدى تتضمن سياسات وتعليم و بناء بنية تحتية. و بينما تعد الإصلاحات الزراعية جزءاً من تحسين المرونة البيئية، إلا أن القضايا البيئية لا يمكن حصرها بالقطاع الزراعي وحده وتتضمن، مثلا، إدارة الموارد الأخرى كمعالجة مسألة تقاسم المياه. 

إهمال الشؤون البيئة والمناخية سيعود بالآثار السلبية على قدرة الدولة والاستقرار، وبالتالي يخلق حلقة نزاع مفرغة.  فكلما أحيلت القضايا البيئية إلى أسفل جدول الأعمال، كلما أضعفت قدرة الدولة أكثر على التعامل مع هذه التحديات مستقبلًا، عندما تبلغ الظروف حداً بالغ الخطورة.

هذا النوع من الأزمات ذاتية التعزيز هو بالضبط ما يهدد سوريا في الوقت الراهن. فقد ارتبط التدهور البيئي منذ زمن طويل بازدياد اندلاع النزاعات، سواء بسبب تصاعد التنافس على الموارد المحدودة أو نتيجة تفاقم النزاعات القائمة. كما يمكن للتدهور البيئي أن يفاقم الأوضاع الاقتصادية مثل الفقر والبطالة. ويُرتبط التدهور البيئي، خصوصًا حين يتداخل مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، بمستويات أعلى من النزوح، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام تحديات جديدة، مثل استنزاف الموارد بشكل أكبر في المجتمعات المضيفة، وازدياد حدة الصراع بين النازحين والسكان المحليين. وتشكل هذه الظروف تهديدًا خاصًا للدول التي تمر بمراحل انتقالية، إذ إن التعامل مع أزمة نزوح يتطلب قدرة على تطوير البنية 

التحتية لتخفيف الضغط عن السكان المحليين وحماية النازحين في الوقت نفسه.

مع تفاقم التغير المناخي في المنطقة، على الحكومة السورية الجديدة أن تواجه عقود من الإهمال والتدمير البيئي المتعمد. ورغم عدم اتخاذها خطوات مباشرة حتى الآن، إلا أنّ الوقت لم ينفد بعد لسوريا وشعبها.

على الحكومة السورية أن تستثمر في سياسات واستراتيجيات طويلة المدى تضع البيئة في الصدارة. ومن جملتها تأسيس هيئات حكومية معنية مباشرة بتنسيق حلول للانهيار البيئي وبناء مرونة مستقبلية، هذه الاستراتيجيات لا بد أن تأخذ بالاعتبار دول الجوار عبر تطوير سياسات لإدارة العلاقات مع تركيا والعراق حول تقاسم عادل للمياه. ولكن يكون ذلك بالسهل في ظل العلاقة المعقدة بين سوريا وجوارها، خصوصاً تركيا. ومع ذلك، فالالتزام الواضح من الحكومة السورية مطلوب، و تحقيقه معتمد على بناء هيئات نافذة قوية قادرة على فرض السياسات وتنفيذها.

وأخيراً، يجب أن تتعاطى القيادة الجديدة مع البيئة ليس بمعزل عن بل باتصالها بالعلاقات الاجتماعية القائمة. وكما يزيد التدهور البيئي من احتمال حدوث الصراع، فإن الصراع يدمّر البيئة. لذا، لا بد من بناء هوية وطنية جامعة تضمن للسوريين جميعًا وصولًا عادلًا للموارد وللسلطة والتمثيل، بغضّ النظر عن الانتماء العرقي أو الديني.

أما المجتمع الدولي—بما فيه الولايات المتحدة—فيمكنه تعزيز هذه الأهداف عبر الاستمرار في مسار رفع العقوبات والانخراط مع الحكومة السورية في القضايا البيئية. وبرغم تخلف إدارة ترامب من حيث التفكير والأسلوب في قضايا المناخ، فإن النشاط الشعبي والمناصرة  تبقى قادرة على التأثير، وعلى أولئك المهتمين بسوريا والمنطقة أن يستمروا في الدفع من أجل التركير على البيئة في السياسات.

في النهاية، يبقى مستقبل سوريا وشعبها معلّقًا على المجهول. لكن المؤكد أن مصير السوريين مرتبط بشكل وثيق بأرضهم وبيئتهم.

Scroll to Top