رؤى النايف –
يُعتبر الغاز الطبيعي أحد أهم مصادر الطاقة في سوريا، إذ يلعب دوراً رئيسياً في توليد الكهرباء، التدفئة، وتشغيل الصناعات المختلفة، لكن، شهد قطاع الغاز تراجعاً كبيراً منذ عام 2011 نتيجة اندلاع الحرب وما ترتب عليها من آثار مباشرة وغير مباشرة على البنية التحتية وعمليات الإنتاج.
هذا الانخفاض في الإنتاج لم يكن مجرد مشكلة اقتصادية، بل امتد تأثيره ليشمل أبعاداً بيئية واجتماعية، ما يستدعي دراسة الأسباب والآثار معاً لإيجاد حلول مستدامة.
أسباب انخفاض إنتاج الغاز في سوريا
ترتبط أسباب انخفاض إنتاج الغاز في سوريا بعدة عوامل سياسية واقتصادية وتقنية، وهي متشابكة إلى حد كبير. من الناحية السياسية والأمنية؛ أدت الحرب منذ عام 2011 إلى تدمير العديد من حقول الغاز وخطوط النقل، وفقدت الدولة السيطرة على بعض الحقول الاستراتيجية خلال فترات زمنية متفرقة، ما أثر بشكل مباشر على القدرة الإنتاجية، بحسب ما أوضحه لمجلة لحلاح المهندس محمود علي.
أما من الجانب الاقتصادي، بحسب ما أشار العلي، فقد تراجعت الاستثمارات في قطاع النفط والغاز نتيجة العقوبات المفروضة على سوريا، وواجهت الشركات صعوبة في تأمين مستلزمات صيانة وتشغيل محطات الغاز والآبار، ما ساهم في انخفاض الأداء التشغيلي.
من الناحية التقنية، يعزى الانخفاض أيضاً إلى تقادم البنية التحتية وضعف تقنيات الاستخراج، إضافة إلى خروج بعض محطات المعالجة والتوليد عن الخدمة، وهو ما أدى بدوره إلى تقليل كفاءة الإنتاج وزيادة احتمال حدوث انقطاعات في الطاقة.
الآثار المترتبة على انخفاض الإنتاج
انعكس انخفاض إنتاج الغاز على عدة مستويات، بدءاً من الفرد ووصولاً إلى البيئة والمجتمع، وتراجع نصيب الفرد من استهلاك الطاقة الأولية بشكل كبير، إذ انخفض من 0.477 طن مكافئ عام 2010 إلى حوالي 0.141 طن مكافئ بعد عام 2011، بحسب تقرير حالة البيئة في سوريا منذ 2010 – 2021.
كما أدى ضعف التوليد الكهربائي المعتمد على الغاز الطبيعي إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر، ما أثر على الحياة اليومية للأسر وقطاع الصناعة، بالإضافة إلى ذلك، زاد الاعتماد على بدائل ملوثة مثل الفيول والمازوت والفحم، ما أدى إلى ارتفاع الانبعاثات الضارة بالبيئة، وتفاقمت مشكلة التلوث الهوائي، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على صحة المواطنين.
آلية وطرق استخراج الغاز في سوريا
يعتمد قطاع الغاز في سوريا على مجموعة من الطرق التقليدية والتقنيات الحديثة لتحسين الإنتاج. تقليدياً، يتم استخراج الغاز عبر الحفر العمودي في الحقول الغازية، مثل حقلي الشاعر والجبسة، مع استخدام الضواغط لمعالجة الغاز الخام وفصل الشوائب والمكثفات.
مع التقدم التقني، تم اقتراح عدة حلول لتعزيز الإنتاجية، من بينها الحفر الأفقي، الاعتماد على تكنولوجيا الاستخلاص المعزز (EGR)، واستخدام أنظمة المراقبة الرقمية للتحكم عن بعد بالحقول، وهو ما يهدف إلى تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الخسائر وتعزيز الأمن الطاقي.
استخراج الغاز في شمال وشرق سوريا قبل وبعد 2011
قبل عام 2011، كانت مناطق شمال وشرق سوريا، وخاصةً حقول الشاعر والجبسة، من أهم مصادر الغاز في البلاد، وكان الإنتاج منتظماً ومستقراً، مع قدرة على تلبية جزء كبير من الطلب المحلي، وكانت البنية التحتية مجهزة بمحطات معالجة وتحويل حديثة نسبياً، وخطوط نقل الغاز تعمل بكفاءة. كما كان تأثير استخراج الغاز محدوداً نسبياً على البيئة، مع مستوى معتدل من الانبعاثات، ووفرت هذه الصناعة فرص عمل للسكان المحليين.
أحد العاملين في حقل الجبسة قال لمجلة لحلاح إنه بعد اندلاع الحرب، تعرّضت هذه المناطق لدمار جزئي أو كامل للبنية التحتية، وفقدت الدولة السيطرة على بعض الحقول، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج بشكل كبير، كما ارتفعت الانبعاثات الضارة نتيجة الاعتماد على بدائل الطاقة مثل الفيول والمازوت، وتراجع توفر الغاز الطبيعي أدى إلى انقطاع الكهرباء بشكل متكرر وزيادة تكاليف الطاقة للأسر، فضلاً عن تأثر الوظائف المرتبطة بقطاع الغاز. توضح هذه التجربة مدى هشاشة البنية التحتية الغازية أمام الأزمات، وأهمية الاستثمار المستدام والمسؤول بيئياً في هذا القطاع.
الآثار البيئية لآليات استخراج الغاز
يُعتبر الغاز الطبيعي من أقل أنواع المحروقات تلويثاً للبيئة مقارنة بالنفط والفيول، وذلك لأنه عند حرقه يتم استهلاكه بالكامل تقريباً، مما يقلل من إنتاج غاز الكربون والانبعاثات الضارة. قبل الأزمة، كانت عمليات استخراج الغاز والنفط في منطقة أكثر كثافة، وكان القطاع يشهد استثمارات من قبل شركات أجنبية في عدة حقول مهمة، مثل حقل السويدية، وحقل الجبسة، وحقل كونيكو في دير الزور، حيث كان الجزء الأكبر من الإنتاج مخصصاً للتصدير.
أما في الوقت الحالي، فإن معدلات الاستخراج شهدت تراجعاً كبيراً، إذ يتم استخراج حوالي 10% فقط من النفط مقارنة بالمعدلات السابقة، نتيجة توقف برامج الإصلاح والصيانة، وغياب هذه الشركات الأجنبية عن القطاع، وانقطاع التصدير.
على الرغم من أن الغاز أقلّ تلوّثاً، إلا أن توقف الصادرات واعتماد البدائل الملوثة مثل الفيول والمازوت أدى إلى ارتفاع الانبعاثات في المناطق السكنية والصناعية، ما يفاقم التلوّث الهوائي ويؤثّر على صحة السكان. بالإضافة إلى ذلك، فإن آليات الحفر التقليدية ومعالجة الغاز الخام لفصل الشوائب والمكثفات، إذا لم تُدار بشكل سليم، قد تسبب تلوث التربة والمياه المحلية. أما التقنيات الحديثة مثل الحفر الأفقي والاستخلاص المعزز (EGR) مع أنظمة المراقبة الرقمية، فهي تقلل الأثر البيئي وتحسن كفاءة التشغيل، شريطة تنفيذها ضمن برامج إدارة بيئية صارمة.
يُعدّ انخفاض إنتاج الغاز في سوريا مشكلة متعددة الأبعاد، تجمع بين الأبعاد الاقتصادية، الاجتماعية، والبيئية. فقد أدى إلى زيادة الانبعاثات الضارة، وتراجع الاعتماد على مصدر أنظف للطاقة، مع آثار ملموسة على حياة الأفراد، لذلك، يمثل إصلاح قطاع الغاز وتطوير آليات الاستخراج خطوة أساسية نحو تحقيق أمن طاقي مستدام وحماية البيئة، بما يضمن تلبية احتياجات المجتمع الحالي والمستقبل.



