شادي أبو كرم –
حين وصلتُ إلى ألمانيا، كنت أقف في المطبخ وأتعلّم فرز نفاياتي؛ ورق في كيس، بلاستيك في كيس، زجاج في كيس، النفايات العضوية في كيس. بدأتُ أستخدم أكياس الكرتون حين أتسوّق، أحاول ألا أنسى. وحين أنسى وأعود بكيس بلاستيكي أشعر بشيء يشبه الذنب؛ ذنب صغير ودقيق صُمّم بعناية ليجعلني أشعر بأنني مسؤول. هنا لا أعترض على هذا، فالمسؤولية الفردية مطلوبة ولا أحد عاقل يرفضها. لكنني بدأت ألاحظ شيئاً في بنية هذه المسؤولية. شيئاً لا يظهر إلا من حيث أقف أنا، أي عند التقاطع بين عالمَين لا يعترف أحدهما بالآخر.
أنا سوري أعيش في ألمانيا. الدولة التي تطالبني بفرز نفاياتي، هي نفسها التي توافق على صفقات سلاح لدول تخوض حروباً، وتلك الحروب تنتج من الانبعاثات في أسابيع ما لن يعوّضه فرزي للقمامة طوال حياتي. هذا ليس نفاقاً بالمعنى السياسي المعتاد، هذه منظومة محاسبة بيئية مصمَّمة لتجعل الفرد يحمل ثقل الأزمة، بينما القرارات التي تحدّد مسارها فعلاً معفاة من أيّ وزن.
الأرقام ليست غامضة. مقاتلة واحدة من طراز F-35 تستهلك 5600 لتر من الوقود في ساعة طيران واحدة وتبثّ خلالها ما بين 13 و15 طناً من ثاني أكسيد الكربون. سيّارة أوروبية عادية تبثّ أقلّ من خمسة أطنان في سنة كاملة. طلعة جوية واحدة تعادل ثلاث سنوات من قيادة السيّارة. في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب على غزّة وحدها نُفّذت أكثر من 254 ألف طلعة عسكرية.
دراسة من جامعة كوين ماري في لندن قدّرت انبعاثات أوّل 120 يوماً من تلك الحرب بأكثر من الانبعاثات السنوية لستّ وعشرين دولة؛ هل يمكنك أن تتخيّل حجم هذا الضرر؟ وحين تُضاف كلفة إعادة البناء، الإسمنت والحديد وإزالة 37 مليون طن من الأنقاض، يصل الرقم إلى 60 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون- هذا الرقم أعلى من الانبعاثات السنوية لأكثر من 135 دولة.
لكن غزّة ليست استثناءً، غزّة هي النمط. سوريا فقدت ثلث غطائها الأخضر خلال حرب استمرّت أكثر من عقد. كلّ طن إسمنت سيُستخدم في إعادة إعمارها سينتج طناً من ثاني أكسيد الكربون. البلد الذي دُمّر سيدفع الكلفة الكربونية لإعادة بنائه، وليست القوى التي أسهمت تدخّلاتها في تدميره. حرائق نفط العراق عام 1991 ثم بعد 2003 أطلقت ملوّثات في التربة والمياه الجوفية لعقود. البنية التحتية في اليمن تُقصف منهجياً منذ عشر سنوات، ومستودعات الوقود ومنظومات المياه تحوّلت إلى مناطق كوارث بيئية لا يذكرها تقرير مناخي واحد.
اليوم؛ الحرب تتوسّع إلى إيران وتستهدف منشآت نفطية ومحطات غاز ومحطات كهرباء. كلّ منشأة تُقصف تطلق سحابة انبعاثات لا يحتويها أيّ إطار. حرائق النفط لا تبثّ الكربون وحده بل أكاسيد النيتروجين والكبريت وجسيمات دقيقة تسمّم الهواء والتربة والمياه لسنوات، والطلعات المكثّفة فوق الأراضي الإيرانية تُضاف إلى سجل لا يمسكه أحد، لا يمسكه أحد لأنّ المنظومة صُمّمت هكذا.
في بروتوكول كيوتو عام 1997 حصلت الانبعاثات العسكرية على إعفاء شامل من أيّ التزام دولي. حين جاء اتفاق باريس عام 2015 رُفع الإعفاء التلقائي على الورق لكن الإبلاغ بقي طوعياً. حتى اليوم أربع دول فقط في العالم تقدّم بيانات انبعاثاتها العسكرية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. الجيوش مسؤولة عن نحو 5.5% من إجمالي الانبعاثات العالمية، أكثر من الطيران المدني والشحن البحري مجتمعين، لكنها معفاة عملياً من أي إلزام بالإبلاغ أو الخفض.
هذا ليس خللاً في النظام، هذا هو النظام. نفس البنية التي تضع عبء المسؤولية البيئية على الفرد وتقول له غيّر سلوكك وقلّل استهلاكك واشعر بالذنب حين تخطئ، تُعفي في الوقت نفسه القرارات التي تحدّد فعلاً مصير المناخ من أيّ محاسبة. صفقات السلاح لا تخضع لتقييم أثر بيئي، الحروب لا تدخل في حسابات الانبعاثات الوطنية، والمصانع التي تنتج القنابل لا يُطلب منها تقرير بصمة كربونية.
أنا أتحدّث من مكان يجعل هذه البنية مرئية بشكل لا يراه من يعيش داخلها فقط. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمثّلان جزءاً ضئيلاً من الانبعاثات التاريخية العالمية، لكنّهما يتحمّلان حصة غير متناسبة من أزمة المناخ، من شحّ المياه والتصحّر والحرارة القصوى وانهيار النظم الزراعية. هذه القصة المعروفة عن الظلم المناخي، لكن هناك طبقة تحتها لا يتم التحدّث عنها حتى في الخطاب البيئي.
بلدان هذه المنطقة ليست فقط ضحايا تغيّر مناخي أنتجه غيرها، هي ضحايا حروب لا تُحتسب كلفتها البيئية أبداً. سوريا لم تختر أن تخسر ثلث غاباتها، كذلك الأمر غزة لم تختر أن تتحوّل إلى كارثة كربونية، والعراق لم يختر أن تُشعل حقوله النفطية. هذه الكوارث البيئية أنتجتها قرارات سياسية وعسكرية اتخذتها قوى تجلس في كلّ مؤتمر مناخي، وتوقّع كل اتفاقية، وتلقي محاضرات على العالم عن الاستدامة، بينما صناعاتها العسكرية تعمل في منطقة معفاة تماماً من أي محاسبة.
التدمير يُحسب مرّتين على الضحية وصفراً على الفاعل، فالبلد الذي يُقصف يخسر بيئته، ثم حين يحاول إعادة البناء ينتج انبعاثات إعادة الإعمار، والمجتمع الدولي الذي فشل في منع الحرب، يعرض بعدها قروض إعادة إعمار مشروطة بمعايير بيئية، جعلتها الحرب نفسها مستحيلة التحقيق. الدولة المدمّرة تدخل الاقتصاد العالمي كمدين يدفع الكلفة البيئية لتدميره بنفسه.
هناك كلمة لما كنت أعيشه كلّ يوم في مطبخي، وهي ليست مسؤولية، هي إزاحة. الذنب الذي أشعر به تجاه كيس البلاستيك، حقيقي لكنه مُزاح، نُقل من حيث ينتمي فعلاً، من غرف توقيع صفقات السلاح، ومن البرلمانات التي تصادق على ميزانيات عسكرية تفوق تمويل المناخ عشرين ضعفاً، ومن قاعات المؤتمرات التي تُستبعد فيها الانبعاثات العسكرية، بأدب من جدول الأعمال، ووُضع عليّ. على عادات تسوّقي، على انضباطي في إعادة التدوير، على ما إذا كنت تذكّرت كيس الكرتون.
حين تنفق دول مجموعة العشرين أكثر من تريليوني دولار سنوياً على الجيوش بينما لا يتجاوز إنفاقها على تمويل المناخ تسعين ملياراً، فإنّ المشكلة ليست في الفرد الذي نسي الكيس الورقي، المشكلة في منظومة قرّرت أن تجعل الفرد يشعر بثقل أزمة أدواتها الحقيقية بيد من لا يحمل شيئاً، وهذه الإزاحة تؤدي وظيفة؛ تخلق مظهر المسؤولية المشتركة بينما تحافظ على بنية اللامساواة الجذرية، وتتيح للحكومات أن تقدّم نفسها كقائدة بيئية في مؤتمرات المناخ بينما توافق في الوقت نفسه على صادرات أسلحة أثرها الكربوني يتجاوز ما تنقذه كل برامج إعادة التدوير في البلد مجتمعة، وتضمن أن من يتحمّلون الحصة الأقلّ من المسؤولية عن الأزمة، مواطني الدول المقصوفة والمحروقة والمكسورة، هم من سيدفعون ثمنها الأعلى: أولا بالدم، ثم بالكربون، ثم بديون إعادة البناء.
منذ فترة توقّفت عن فرز نفاياتي. كنتُ أنظر إلى الأكياس الأربعة، عندما نظرت إلى هاتفي الذي يعرض صوراً لمحطة نفط إيرانية تحترق بصاروخ أميركي. شعرتُ بشيء لم أستطع تسميته وقتها، الآن أستطيع، شعرت بالاحتقار، ليس للبيئة ولا لفكرة المسؤولية، وإنما للعقد الذي يُطلب مني التوقيع عليه كلّ صباح: أن أتصرّف كمسؤول عن الكوكب في مطبخي، بينما الحكومات تحرقه خارجه.
كيس الكرتون لا يزال معلّقاً خلف باب المطبخ، لم أرمه، لكنني لم أعد أحمله. سيبقى هناك إلى أن تحمل الحكومات ثقلاً يساوي ما يُطلب مني أن أحمله. أو إلى أن يعترف أحد بأن ما يُسمّى “مسؤولية فردية” في عالم يُعفى فيه الأقوياء من كلّ شيء ليس مسؤولية، إنه “طقس خضوع بغلاف أخضر”.



